كانت لقمته الأخيرة في فمه حينما أسقطت طائرات الاحتلال الإسرائيلي قنابلها فوق رأسه وعشرات الأطفال الآخرين ونساء من سكان مخيم النصيرات وسط غزة، في مجزرة جديدة، اشتركت فيها الولايات المتحدة بمعلومات استخباراتية أمدت بها قبل شهر تل أبيب، التي تفاخرت بتحرير 4 من أسراها، بغض النظر عن النتائج، التي تهدد مسار التفاوض بينها وبين حركة حماس، التي بدورها أكدت تمكن إسرائيل من تحرير بعض أسراها في مقابل مقتل أسرى آخرين واستشهاد مدنيين فلسطينيين لم يبق لهم أي موقع آمن داخل القطاع الذي يتعرض لإبادة يومية، لم تجد لوقفها تحذيرات واستغاثات المنظمات الأممية والمظاهرات الشعبية المناهضة للحكومات الأوروبية والأمريكية المتعاونة مع حكومة نتنياهو المتطرفة بوصف عدد من قادة الغرب، على رأسهم الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن.
200 شهيد بـ"النصيرات".. واحدة من أسوأ الغارات دموية
في افتتاحية تغطيتها لهذه الغارة -التي صُنفت ضمن الغارات الأكثر دموية على غزة- ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، أن أكثر من 200 فلسطيني استشهدوا في هذا الهجوم الذي نُفذ في منتصف نهار السبت، وترك دمارًا لا يمكن تصوره.

وانهارت كتل سكنية كاملة، واحتلت الدبابات الشوارع، وأصابت فلسطينيين بجروح بالغة، فقد بعضهم أطرافه، وتُرك أغلبهم في الطرق المحيطة بالسوق المركزي في المخيم، وفقًا لمقاطع فيديو وصور للغارة، وثقت كيف أن العديد منهم لم يصل أبدًا إلى المستشفيات.
وقال خليل الدغران، المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح القريبة، في مؤتمر صحفي: "في هذه الحالة الرهيبة... لا يستطيع المستشفى استيعاب عدد القتلى والجرحى. المستشفى يعمل بكامل طاقته منذ أسابيع".
وقدر مسؤولو الصحة في القطاع عدد ضحايا المجزرة الإسرائيلية بـ210 شهداء، و400 مصاب. وشمل عدد القتلى 94 في مستشفى شهداء الأقصى و116 في مستشفى العودة القريب، وفقًا لديغران ومروان أبو ناصر، المدير الإداري في "العودة".

ماذا حدث في النصيرات؟
شهود عيان من المخيم أدلوا بتفاصيل مروعة عن عملية استعادة الأسرى الأربعة، وفقًا لتقرير قناة "الجزيرة".
ذكر الشهود أن قوات الاحتلال الإسرائيلية تنكرت في سيارة محملة بالمساعدات، ثم تعرض المكان لقصف غير مسبوق، في عملية كانت أشبه بفيلم هوليودي، حيث توقفت سيارة المساعدات وخرجت منها قوة مسلحة بدأت باعتلاء أحد المنازل باستخدام سلالم أحضروها للوصول إلى إحدى الشقق السكنية.
وسمعت لاحقًا أصوات تبادل لإطلاق النار من الشقة، الأمر الذي أعقبه قصف جوي ومدفعي عنيف. وقد وثقت "الجزيرة" عمليات إطفاء النيران التي كانت لا تزال مشتعلة في المكان، الذي بدا مدمرًا بالكامل، حيث تحولت البيوت إلى ركام.
اقرأ أيضًا: إسرائيل تُجيب “العدل الدولية” بمجزرة لأطفال رفح.. والعالم “يعاقبها” ببيانات إدانة
وعقب ذلك، أعلن جيش الاحتلال استعادة أربعة من أسراه في العملية التي وصفتها المقاومة بأنها أدت لمجزرة مروعة وشهدت مقتل أسرى آخرين.
وذكرت صحيفة "يسرائيل هيوم" في الساعات التي أعقبت العملية الدامية التي شهدت مشاركة الشاباك ووحدة مكافحة الإرهاب الخاصة بالشرطة الإسرائيلية، يمام، واستخدمت شاحنة المساعدات كغطاء للتسلل إلى المنطقة القريبة من مستشفى العودة"، أنه تم سحب الأسرى إلى الرصيف العائم الذي بنته الولايات المتحدة في ساحل غزة باستخدام الشاحنة نفسها قبل نقلهم إلى تل أبيب.
تقييم الآداء الإسرائيلي في "النصيرات"
وتوقع الخبير العسكري والاستراتيجي الأردني، اللواء فايز الدويري، أن تطبق كتائب القسام التابعة لحماس إجراءات أمنية احترازية مختلفة بشأن ملف الأسرى، مؤكدًا أن الإجراءات المشددة ستمنع الاحتلال من تنفيذ عمليات مماثلة.
ووافقه الرأي الباحث في الشأن السياسي والاستراتيجي، سعيد زياد، الذي أكد أن العملية سيكون لها أبعاد وخيمة على الأسرى الذين لا يزالون بيد المقاومة. وأوضح أنه لا مقارنة بين الأسرى الذين يخرجون من سجون الاحتلال في حالة مزرية، وبين الأسيرة الإسرائيلية التي أفرجت عنها المقاومة مؤخرًا بصحة بدنية ونفسية ممتازة.
وأشار "زياد"، نقلًا عن "الجزيرة"، إلى أن ما لدى المقاومة من أسرى كافٍ لخنق إسرائيل حكومة وشعبًا، ودفعها للرضوخ أمام المقاومة في المسار التفاوضي. ورجح "الدويري" أن تقنية تتبع بصمة الصوت هي التي كشفت موقع الأسرى، مشيرًا إلى أنه لا بطولة في تمكن إسرائيل، المدعومة من أقوى دول العالم (أمريكا)، من الوصول إلى مكان الأسرى بعد قرابة تسعة أشهر من الحرب الشرسة على قطاع غزة.
وأكد أن الحديث عن نجاح إسرائيل في استعادة أربعة أسرى فقط هو أمر معيب بمقاييس الاحترافية، لافتًا إلى أن جيش الاحتلال "الذي يرتكب المجازر ويقتل الأطفال لا أخلاقي، ومن يناصره فاقد للأخلاق أيضًا".

كيف ساهم الرصيف الأمريكي في مجزرة "النصيرات"؟
في السياق، أفاد مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون بأن الولايات المتحدة قدمت معلومات استخباراتية عن الرهائن الأربعة قبل عملية استعادتهم التي نفذتها إسرائيل في النصيرات.
ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤول أمريكي -لم تعرّفه- إن فريقًا من المسؤولين عن استعادة الرهائن الأمريكيين المتمركزين في إسرائيل ساعد الجيش الإسرائيلي في جهود إنقاذ الأسرى الأربعة من خلال توفير المعلومات الاستخبارية والدعم اللوجستي.
اقرأ أيضًا: تقارير وشهادات مروعة عن نساء وأطفال غزة
وأشار المسؤول الأمريك إلى أن فرقًا لجمع وتحليل المعلومات الاستخبارية من الولايات المتحدة وبريطانيا تواجدت في إسرائيل طوال فترة الحرب، لمساعدة المخابرات الإسرائيلية في جمع وتحليل المعلومات المتعلقة بالرهائن، وبعض هؤلاء الرهائن مواطنين من كلا البلدين، وفقًا لما ذكره للصحيفة مسؤول دفاعي إسرائيلي كبير مطلع على الجهود المبذولة لتحديد مكان الرهائن واستعادتهم.

وأوضح اثنان من مسؤولي المخابرات الإسرائيلية أن المسؤولين العسكريين الأمريكيين في إسرائيل قدموا بعض المعلومات الاستخبارية حول الرهائن الذين تم إنقاذهم السبت.
وفي حديثه في باريس بعد لقائه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أشار الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى أنه يرحب "بالإنقاذ الآمن للرهائن الأربعة الذين أعيدوا إلى عائلاتهم في إسرائيل"، مضيفًا: "لن نتوقف عن العمل حتى يعود جميع الرهائن إلى ديارهم ويتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وهذا أمر ضروري".
وذكرت "نيويورك تايمز" أن "البنتاجون ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) قدما معلومات تم جمعها من رحلات الطائرات بدون طيار فوق غزة، واعتراض الاتصالات ومصادر أخرى حول الموقع المحتمل للرهائن. وبينما تمتلك إسرائيل استخباراتها الخاصة، فإن الولايات المتحدة توفر معلومات استخباراتية لا تستطيع إسرائيل جمعها بمفردها.
وأضاف المسؤول الإسرائيلي أن الولايات المتحدة وبريطانيا قدمتا معلومات استخباراتية من الجو والفضاء الإلكتروني، لا تستطيع إسرائيل جمعها بمفردها.
واحتفل جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي الأمريكي، بعملية استعادة الرهائن، وألقى نظرة سريعة على المساعدة الأمريكية.
واستعادت هذه العملية ألموغ مئير يناير، 22 عامًا، وأندريه كوزلوف، 27 عامًا، وشلومي زيف، 41 عامًا، ونوا أرغاماني، 26 عامًا. واختطف الأربعة من مهرجان موسيقي في الصحراء بمستوطنات شمال غزة في 7 أكتوبر.
هل أفشلت إسرائيل وأمريكا مقترح الهدنة؟
وأطلق سراح أكثر من 100 رهينة خلال عمليات إطلاق سراح متفاوض عليها، غالبيتهم العظمى خلال هدنة استمرت أسبوعا في نوفمبر، والتي تعثرت من قبل إسرائيل التي استأنفت وقتها غاراتها على القطاع. وفي أواخر الشهر الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي عن اقتراح هدنة من ثلاث مراحل، قال إن إسرائيل تدعمه، في محاولة لمنع الفصائل المتشددة في الحكومة الإسرائيلية من إفشال المحادثات، التي ربما تعرقلها مجددًا الغارة الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا على النصيرات.
وقد تعهد مسؤولو حماس يوم السبت بأن الغارة لن تجبرها على الاستسلام. وقال إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحماس، في بيان: "إذا كان الاحتلال يعتقد أنه يستطيع فرض خياراته علينا بالقوة، فهو واهم. شعبنا لن يستسلم، والمقاومة ستواصل الدفاع عن حقوقنا في مواجهة هذا العدو المجرم"، قال
وذكرت وسائل إعلام رسمية أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس منافس حماس الذي يحكم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة طلب عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي لمناقشة عملية النصيرات الدموية.
وخلال تسعة أشهر من الحرب، استشهد أكثر من 36,800 شخص في غزة، وكانت غالبية الضحايا من النساء والأطفال.
الأمم المتحدة تُدرج إسرائيل على "قائمة العار"
وأبلغ الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، ملحق الدفاع الإسرائيلي في الولايات المتحدة، اللواء هيدي سيلبرمان، أنه قرر أخيرًا إدراج إسرائيل في القائمة السوداء للدول والمنظمات التي تلحق الأذى بالأطفال في مناطق النزاع، إلى جانب روسيا وتنظيمات داعش والقاعدة وبوكو حرام.

وبحسب تقرير مساء الخميس الماضي على قناة الأخبار 13 الإسرائيلية، فإن كل مساعي إسرائيل لإقناع غوتيريش بتجنب هذه الخطوة باءت بالفشل، وستظهر إسرائيل في القائمة السوداء التي ستنشر الأسبوع المقبل ضمن تقرير سيتم توزيعه على أعضاء مجلس الأمن، وستجرى مناقشة التقرير في 26 يونيو.
وفي بداية الشهر الماضي، كشف موقع "واينت" و"يديعوت أحرونوت" الإسرائيليين، عن وجود خوف حقيقي في إسرائيل من هذه الخطوة، بعد التصريحات العديدة التي أطلقها غوتيريش ضد إسرائيل. وتقول مصادر مختلفة مطلعة على الأمر، إن "الأمين العام الحالي يكره إسرائيل - ولم يعد من الممكن التأثير عليه". وأعربت إسرائيل عن قلقها من أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى فرض حظر على الأسلحة ضدها.
وهذا التقرير، الذي ينشر مرة واحدة في العام ويغطي العام السابق، كتبه مبعوث الأمم المتحدة للأطفال ومناطق الحرب، فيرجينيا جامبا. وسيغطي التقرير الحالي عام 2023 بأكمله، حيث شهد الربع الأخير قفزة في البيانات بسبب أحداث 7 أكتوبر. في العام الماضي، كانت الدول المدرجة في القائمة السوداء تشمل أفغانستان وكولومبيا والكونغو والعراق ومالي وميانمار والصومال والسودان واليمن وسوريا، بالإضافة إلى المنظمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش والشباب وبوكو حرام.
ولن يذكر جوتيريش إسرائيل أو الجيش الإسرائيلي على وجه التحديد، بل سيشير إلى قوات الأمن الإسرائيلية. وستجد إسرائيل نفسها بصحبة دول غير ديمقراطية وستكون أول دولة توصف بالديمقراطية تدخل في التقرير، الذي يستطلع مناطق الصراع في جميع أنحاء العالم ويخصص حوالي صفحتين لإسرائيل.