بمشاركة نحو 373 مليون ناخب في 27 دولة أوروبية، تتوجه الأنظار على مدار 4 أيام، إلى أهم انتخابات في الاتحاد الأوروبي، وسط عالم منشغل بالحرب الأوكرانية- الروسية، والعدوان الصهيوني المتواصل على قطاع غزة، واضطرابات الشرق الأوسط، واستطلاعات رأي تتحدث عن صعود لليمين المتطرف، بمساحات تقلق القارة العجوز.
وانطلقت الانتخابات من هولندا، أمس الخميس 6 يونيو، خلال عطلة نهاية الأسبوع، وتستمر حتى الأحد 9 يونيو، ومن المقرر أن تتوالى النتائج طوال مساء الأحد، ولن يكون التشكيل النهائي لبرلمان الاتحاد الأوروبي القادم معروفًا بالكامل حتى إغلاق صناديق الاقتراع في كل الدول، خاصة أن صناديق الاقتراع في إيطاليا لا تغلق حتى الساعة 11 مساءً الإثنين 11 يونيو.
ويشبه البرلمان الأوروبي الجديد، الكونجرس الأمريكى إلى حد ما، باستثناء أنه لا يوجد سوى غرفة تشريعية واحدة، ويختار الناخبون فيه ممثلين عن بلادهم، الذين يعملون بعد ذلك كمشرعين في البرلمان الأوروبي، والذي له قاعدتان، واحدة في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، والأخرى في العاصمة البلجيكية بروكسل.
وأجريت أول انتخابات برلمانية أوروبية مباشرة في يونيو عام 1979؛ أي بعد 34 سنة من نهاية الحرب العالمية الثانية، التي تقاتلت فيها الأمم الأوروبية، وكانت تلك الانتخابات أقوى إعلان عن المصالحة الأوروبية، بحسب المراقبين.

برلمان بصلاحيات رئيس أوروبا
والانتخابات البرلمانية الأوروبية أشبه بالانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، ولكنها تجري في بداية الفصل التشريعي، ولكن يعد هذا البرلمان بمثابة "رئيس أوروبا"، حيث يصوت الأوروبيون لانتخاب 720 مشرعًا بدلًا من الرئيس.
وبحسب مراقبين، يخلف التصويت تأثيرًا غير مباشر على من يصبح رئيسًا للمؤسسات الرئيسية الثلاث في الاتحاد الأوروبي، وهم (المفوضية الأوروبية - المجلس الأوروبي - البرلمان الأوروبي).
وفى تحليل لصحيفة بوليتيكو الأمريكية لأهمية تلك الانتخابات، فى تلك المرة الأمور سوف تكون صعبة، فتقليديا، كان يتم اختيار رئيسي المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي من قبل زعماء الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع مغلق بعد الانتخابات، ثم يتم تقديم هذه الأسماء إلى البرلمان الأوروبي، والذي يتعين على مشرعيه تأكيد الاختيارات بالأغلبية المطلقة، وكان هذا منطقيا طالما أن رئيس المفوضية الأوروبية، والذي يمكن القول أنه الأقوى بين الثلاثة، كان يؤدي دورا بيروقراطيا إلى حد كبير.
ولكن على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية أو نحو ذلك، اكتسب مكتب رئيس المفوضية قدرًا كبيرًا من السلطة، فهو المسؤول عن السياسة التجارية للاتحاد الأوروبي بأكمله، فضلاً عن إنفاذ قانون المنافسة.
وفي الآونة الأخيرة، في عهد الرئيسة الحالية أورسولا فون دير لاين، تولت المفوضية مسؤولية استجابة أوروبا لجائحة فيروس كورونا، فضلا عن تنسيق الدعم لأوكرانيا ضد الهجوم الروسي، لذلك تركيبة هذا البرلمان هى من ستحدد شخصية هذا المسؤول الأوروبي الكبير، تقول صحيفة بوليتيكو الأمريكية.
فون دير لاين وجورجيا ميلوني.. معركة تكسير عظام
وفي هذا الإطار يتوقع مراقبون حدوث معركة تكسير العظام فى الصراع الدائر على زعامة القارة العجوز، بين فون دير لاين، الألمانية التي تشغل الآن رئيسة المفوضية الأوروبية، وهى ممثلة عن "التيار الرئيسي" للاتحاد، وتنافسها رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، نجمة اليمين المتطرف داخل أحزاب التشدد بدول القارة.

وتسعى فون دير لاين للفوز بولاية ثانية، ولضمان الرئاسة، يجب أن تحصل فون دير لاين على دعم أغلبية مؤهلة من قادة الاتحاد الأوروبي، بعد ذلك، يجب أن يوافق البرلمان الأوروبي على ترشيحها بأغلبية الأصوات.
وفي عام 2019، تمت الموافقة على فون دير لاين بهامش تسعة أصوات فقط، لكن مع النمو المتوقع للأحزاب اليمينية المتطرفة في البرلمان، قد تواجه تحديًا أصعب هذه المرة للبقاء في منصبها، وفق صحيفة "دويتشه فيله" الألمانية، التي ترى أنه إذا صحت توقعات المحللين، فإن أداء الأحزاب اليمينية المتطرفة هذه المرة أفضل من أي وقت مضى، مما قد يؤثر على كل شيء في سياسة الاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة والمناخ، إلى اختيار رئيس المفوضية الأوروبية المقبل.
وتحاول فون دير لاين لحشد الدعم لولايتها الثانية، عبر بناء ائتلاف يدعم إعادة انتخابها، وذلك من خلال التواصل مع الاشتراكيين وحزب الخضر والليبراليين، وكذلك محاولة اختراق الحزب اليميني المتشدد الذي تتزعمه رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، وذلك بعد الحصول على موافقة الزعماء.
فى المقابل، تسعى الأحزاب اليمينية، وبفضل قوتها في جميع أنحاء أوروبا، لتضع "ميلوني" في موقع الصدارة ، فهي مرغوبة من قبل قوى اليمين المتطرف في أوروبا، والتي ترغب في تجنيدها في معسكرها لتشكيل نوع من المجموعة الفائقة من الأحزاب اليمينية التي، وإذا حدث ذلك، ستكون أشبه بالحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، وقد وجهت زعيمة اليمين المتطرف الفرنسية مارين لوبان دعوة إلى "ميلوني" للانضمام إلى مجموعتها اليمينية المتطرفة.
وبحسب آدم توز، مدير المعهد الأوروبي في جامعة كولومبيا، فإن النهج المتردد الذي تتبعه فون دير لاين يعكس حقيقة مفادها بأن جميع استطلاعات الرأي تشير في الانتخابات المقبلة إلى أن الأعضاء الرئيسيين في ائتلافها الحالي، ولا سيما حزب الخضر، من المرجح أن يعانوا من انتكاسات خطيرة للغاية، فيما تقول الاستطلاعات إن الأحزاب القوية الناشئة في إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا أيضًا، ربما تكون من أحزاب اليمين المتطرف.
ووفق توز، في تصريحات له، تشكل انتخابات البرلمان الأوروبي في عموم الأمر مناسبة للأوروبيين للتنفيس عن غضبهم السياسي، في اقتراع يمكن أن يسمى "التصويت الاحتجاجي"، مؤكدا أن اليمين المتطرف لطالما يتمتع بتمثيل قوي في البرلمان الأوروبي، وسوف يصبح أقوى هذا العام.

الأحزاب المتنافسة في صراع الكبار الأوروبي
وبحسب تقارير دولية، فإن من أبرز الأحزاب المشاركة في هذه الانتخابات: حزب الشعب الأوروبي (EPP)، والتحالف التقدمي للاشتراكيين والديمقراطيين (S&D)، وتجديد أوروبا (Renew Europe)، والخضر/التحالف الأوروبي الحر (Greens/EFA)، واليسار الأوروبي الموحد (GUE/NGL)، وحزب الهوية والديمقراطية (ID)، والمحافظون والإصلاحيون الأوروبيون EUROPEAN CONSERVATIVES AND REFORMISTS (ECR).
وسيطر على البرلمان، على مدى الأعوام الخمسة الماضية، أغلبية من ثلاث مجموعات من حزب الشعب الأوروبي من يمين الوسط، والاشتراكيين والديمقراطيين من يسار الوسط، والليبراليين من حركة تجديد أوروبا.
وقادت هذه المجموعات معًا سياسة الاتحاد الأوروبي، والتي شملت الصفقة الخضراء واستجابة الاتحاد الأوروبي للأزمة في أوكرانيا، وقسّمت بينها المناصب العليا في مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
القضايا الانتخابية مختلفة
في الواقع، هذه الانتخابات ليست انتخابات واحدة، بل 27 عملية انتخابية في كل دولة من الدول الأعضاء، ولذا، لا توجد قضية واحدة توحد كل الأوروبيين، مثل قضية أسعار الغاز، ولكن هناك موضوعات عامة تهم أوروبا بالكامل مثل الاقتصاد، وتغير المناخ، والحرب في أوكرانيا، والهجرة، لكن اللافت أن قضية وجود الاتحاد الأوروبي ذاته ستكون مؤثرة مع الصوت العالى المطالب بتفكيكه.
وبحسب الصحيفة الأمريكية، فإن الاتحاد الأوروبي ولد من رحم حروب، ودشن لمرحلة سلام امتدت إلى 80 عاما، بعد أن أيقنت الأطراف المتحاربة الرئيسية ضرورة ذلك، لكن الصحيفة ترى أن سنوات السلام والتشاركية تلاحقها حاليا تهديدات في ظل الانقسامات الكبيرة حول الحرب الأوكرانية، وبدء الحديث عن مشاركة جيوش، واستخدام أسلحة غربية لضرب العمق الروسي، وصعود اليمين المتطرف، وسطوته المخيفة على صناعة القرار الأوروبى، وتداعيات الحرب فى الشرق الأوسط.

أوروبا وتصاعد اليمين المتطرف والمتشدد
وهذه الانتخابات ستكون ذات مؤشر رئيسى حول المكان الذي تهب فيه الرياح السياسية المتطرفة، فيما تظهر استطلاعات الرأي أن أحزاب اليمين المتطرف والمتشدد تستعد لتحقيق مكاسب كبيرة، ما يمكنها من أن تمارس نفوذًا كبيرًا على الاتحاد الأوروبي بالكامل.
وأظهر استطلاع للرأي، تقدم حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في فرنسا بفارق كبير في نوايا التصويت لانتخابات البرلمان الأوروبي المقبلة.
لكن معهد "إيلابي" الذي أجرى الاستطلاع لحساب تلفزيون "بي إف إم" وصحيفة "لاتريبيون ديمانش" الأسبوعية، قال إن نوايا التصويت ما زالت "متقلبة للغاية".
وأوضح أن "واحدا من كل ثلاثة ناخبين لا يزال بإمكانه تغيير رأيه قبل الانتخابات، خصوصا من اليسار".
وفيما يتعلق بالهجرة، فقد ضغطت الأحزاب اليمينية المتطرفة والمحافظة بالفعل على زعماء الكتلة لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه الهجرة غير الشرعية من الولايات المتحدة، وذلك مع استكمال الجدران والأسوار وقوة حرس الحدود القوية المسماة "فرونتكس" والتي تم استهدافها مرارا وتكرارا، وتم جرهم إلى المحاكم لأنهم دفعوا الناس إلى ركوب قوارب مطاطية مؤقتة بعيدًا عن سواحل أوروبا.
وفيما يتعلق بأوكرانيا، فإن العديد من هذه الأحزاب تعارض مساعدة كييف في القتال ضد روسيا، وهي في عموم الأمر أكثر تعاطفًا مع خصوم أميركا الاستراتيجيين، وهم روسيا والصين وإيران، وذلك مقارنة بالأحزاب الأوروبية التي تمثل "التيار الرئيسي" للاتحاد، وفي بعض الحالات، تجاوز هذا التعاطف نقاط الحوار المشتركة ليصل إلى أعضاء هذه الأحزاب الذين يُزعم أنهم يأخذون المال لتنفيذ أوامرهم.