“تاج شمس”.. ثلاثية “الضعف” و”القوة” و”الصراع على السلطة”

“تاج شمس” بلدٌ مِلْكٌ للغالب، له حكاية، ولأهله حكايات، أتقياءٌ وقتلة، ناسِكون وفجَرة، مُغامرون وخانِعون، كلُّهم تتبدلُ مصائرهم، يذهبون ويبقى البلد، يغيض نهره ويفيض عن براحٍ هادئٍ تؤنسه الحكايات وغناء النسيم وسُكرة الفقد.

“تاج شمس” بلد الأسطورة التي تنتظرُ بلهفةٍ، ما لا يجيء!..”

سطور من رواية “تاج شمس” للروائي هاني القط الصادرة عن “بيت الحكمة” للثقافة، والتي سحرت عيون نقاد ومثقفين،  في ندوة ثقافية مساء أمس بمنتدى الاستقلال الثقافي، وبخاصة في جدليات “الضعف” و”القوة” و”الصراع على السلطة” المنتشرة بابداع في الرواية.

أدار الندوة، الشاعر أحمد سراج ، بمشاركة الباحث الأكاديمي الدكتور كمال مغيث، والقاص أمل سالم، والكاتب الصحفي الدكتور أحمد إبراهيم الشريف.

وهاني القط هو كاتب مصري، عضو اتحاد الكتاب، صدر له عدة أعمال روائية وقصصية، كما كتب السيناريو لثلاثة أفلام تسجيلية هي: “الفواخرية” و”العازف” و”ظل النخيل” .

ومن أبرز أعماله الأدبية السابقة: المجموعات القصصية “لا شيء في المدى” ، “سماء قريبة”، “مدن الانتظار” و “العازف” وروايات “سيرة الزوال”، “رايات الموتى”.

إبداع متعدد ورواية محفزة

في البداية، يوضح الشاعر أحمد سراج أن رواية “تاج شمس” هي اقتراحا سرديا ممتلئا بالإبداع على أكثر من جهة؛ بها التناص (العلاقة التي تربط نصًّا أدبيًا بنصٍّ آخر أو استحضار نص أدبي داخل نص أدبيّ آخر، وهو مُرتبط بوجود علاقات بين النصوص المُختلفة) والصوفية والقهر السياسي والمقاومة السلمية والتلاعب الفني وشعرية السرد ورؤية العالم.

ويصف سراج الرواية بأنها ” رواية محفزة”، تبدأ بغياب البطل لنبني آفاقا على أن هذا الشخص سيعود فيملأ الأرض عدلًا، وحين نصل إلى النبوءة الكاذبة، ويتوقع الجميع عودته، لا يأتي، مؤكدا أن هذا التحفيز، سيدفع القارئ لأن يعود مرات كثيرة لقراءة هذا النص، وأن يجد الناقد الأدبي ميدانا نموذجيا للدراسة والتحليل.

ويضيف الشاعر المصري أن الرواية مليئة بفكرة التناص مع الأعمال السابقة سواء في نقل الأحداث وتفكيكها على الشخصيات، أو بالتعامد الساخر مع رواية مثل “الحرافيش” لنجيب محفوظ، التي  بنيت على أن “عاشور الناجي” هرب  أثناء الوباء ثم عاد ليحتل سلطة المكان، لكن هنا عمدة “تاج شمس” يهرب لكنه لا يستطيع العودة.

صناعة دراما داخل النص

يرى الكاتب الصحفي أحمد إبراهيم الشريف، أن فكرة انشغال المؤلف بـ”المصائب” هي فكرة جيدة، لأنها قادرة على صناعة الدراما داخل النص، فكلما تحركنا داخل الرواية تحدث التغيرات المفاجأة المبررة والمنطقية ولكنها تؤدي إلى تحولات منطقية في تركيب الشخصيات.


ويشير الشريف إلى أن الشخصيات في “تاج شمس” كثيرة، و متعددة ومتشابكة، وهو عمل شاق، موضحًا أن معظم الروائيين يعتمدون على أن يكون أبطال العمل بين خمسة أو ست شخصيات إلى جانب بعض الشخصيات الثانوية التي ليس لها تأثير كبير، وفي الغالب يكون ذلك في مصلحة القارئ حتى لا يرتبك.

ويستطرد الشريف قائلا:” لكن في رواية هاني القط، تعدت الخمسين شخصية، بلا ارتباك، ولا تداخل أو تفكك، حيث كتبهم القط جميعا بصورة متنوعة ومترابطة، بل وتطور في هيئتها وطريقة تفكيرها وفي اللغات المستخدمة”.

ويضيف الشريف أن النص ذاته مركب بعض الشيء، ويلبي ما يحتاجه القارئ الآن، حيث أنها رواية جيدة بها البناء والدراما والحكاية، تتواصل مع القارئ وتتفاعل معه، فيها السلطة بتنوعاتها، وفيها الاستبداد والابتزاز والسلطة التي تنقلب على نفسها والتي تأكل نفسها من الداخل.

ويصف الشريف الرواية بأنها “رواية مصرية جيدة رغم ما بها من خيال إلا أنها يمكن تحويلها لعمل درامي قوي متماسك”.

رواية صادقة عن الحياة

بدوره، يلفت القاص أمل سالم الانتباه، إلى أن القاريء ببساطة أمام إحدى الروايات الصادقة عن الحياة، تتحدث عن العلاقات البشرية، والضعف والقوة والصراع من أجل السلطة، استطاع القط فيها أن يرسم بعض الشخصيات التي تتدرج إلى أن تصل إلى السلطة وتتحول إلى ديكتاتورية مفرطة، مؤكدا أن الشارع الثقافي بصدد رواية من العيار الثقيل.

ويضيف أنه يمكن مقارنتها برواية “حديث الصباح والمساء” في تعدد الشخصيات، ولكن عكس محفوظ فإن بورتريهات الشخصيات ليست كتلة واحدة، لكنها على صورة فقرات متداخلة مع صور من حياة الشخصيات الأخرى، ما جعل الرواية أكثر تعقيدا وأكثر تماسكا.

ويشير سالم إلى أن هناك ما يسمى بالفضاء المكاني في “تاج شمس” فتدور في بلدة افتراضية صغيرة، والنهر هو حد فاصل بين البلدة وفضاء آخر مجهول تماما، كما تدور الأحداث في تنقل من مرساة  إلى أخرى على طول النهر، إلا أن تلك الأحداث إذا خرجت عن النهر تكون غير مؤثرة، عبارة عن حركة تجارة وسفر عبر النهر تستخدمه الشخصيات في صناعة الأحداث.

نص مصري ولغة محملة بشحنات وجدانية

من جانبه، قال الدكتور كمال مغيث: ” إننا أمام عمل يقع في المنطقة بين الحلم والواقع، بين الحقيقة والخيال، بين التاريخ والحاضر، والرموز داخل النص تؤكد على مصريته طوال أحداث الرواية”.

وفي هذا الإطار، يوضح مغيث أن التاج معروف بأصله الفرعوني والشمس هي أقدم المعبودات، بجانب وجود رموز للعقائد المصرية، وأسماء الشخصيات وتركيباتها، مشيرا إلى أنه حتى اللغة المستخدمة المتنقلة بين الفصحى والعامية المصرية المحملة بشحنات وجدانية وعاطفية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة