عنصرية المقهورين 

 

في الآونة الأخيرة تزايدت على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات يمكن وصفها بالعنصرية تطالب بطرد الوافدين واللاجئين أو الضيوف من مصر، وهي دعوات مذعورة زاعقة تلصق كل الشرور بكل من هو غير مصري ويقيم في مصر، خصوصًا لو كان من الدول التي تعاني من مشكلات سياسية واقتصادية حادة، أو تلك الدول التي بها ظروف ومشكلات اقتصادية أكثر صعوبة من التي في مصر، فتزعم الحملات المذعورة أن تواجد هؤلاء الضيوف هو سبب الأزمة الاقتصادية وشح الدولار وزيادة الأسعار وانتشار البطالة وارتفاع الإيجارات وزحمة المواصلات بالإضافة للأزمة المائية.

ففي السنوات الأخيرة تنامى تيار يطلق على نفسه أحيانا (أبناء كيميت) وقديمًا كان بعضهم يطلق على نفسه تيار (القومية المصرية)، في محاولة للانتساب للحضارة المصرية القديمة ومملكة كيميت، وبالعامية المصرية يطلق البعض عليهم لفظ (الكمايتة)، أفكارهم المعلنة تدعو للعودة لجذور الحضارة المصرية القديمة منذ ٥٠٠٠ عام، واعتبارها الهوية الأساسية التي يجب أن تسود، أيضًا يدعون إلى الانسلاخ من التراث والتاريخ العربي والإسلامي وكل ما يُربط به من قيم وروابط، وتستخدم في ذلك خطاب شعبوي يميني لا يتقبل فكرة التنوع والاختلاف.

 

كخطاب وطني

قد يبدو خطابهم من بعيد كخطاب وطني، ولكن في تفاصيل ذلك الخطاب تجده لا يختلف كثيرًا عن التيارات اليمينية الأوروبية وجماعات النازيين الجدد التي تستخدم أيضًا خطاب شوفيني شعبوي يحض على كراهية اللاجئين والضيوف، ولكن هناك أيضًا ملاحظتان في ذلك التيار الجديد، الأولى أن نسبة كبيرة من التيار المناهض للضيوف ليست ضمن تيار الكمايتة أو القوميين المصريين الجدد، ولا يهتمون كثيرا بتلك التفاصيل حول الحضارة المصرية القديمة ومحاولات تحويلها لهوية أو أيديولوجيا يمينية متطرفة، ولكن يجتمعون مع الكمايتة على فكرة كراهية الضيوف وتحميلهم كل الشرور، أما الملاحظة الثانية هي أن ذلك التيار المتنامي هو ممن يمكن تصنيفهم بالمؤيدين للسلطة بشكل كامل، وبالأصح على يمين السلطة.

تزداد تلك الحملات شراسة عندما تزداد مطالب استضافة الفلسطينيين المصابين مثلا، أو عندما يكون هناك تواجد ملحوظ لبعض الجنسيات في أحد المناطق أو لو أقاموا فرحًا على طريقتهم طبقًا لطقوسهم، فتجد اللجان المحسوبة على (الكمايتة) تبدأ في النواح والحديث العنصري العدائي.

بعض هؤلاء كان يستنكر أن يقوم مصريون برفع العلم الفلسطيني في الشوارع أو المباريات أو على حسابات مواقع التواصل الاجتماعي، والبعض يستنكر نزوح السودانيين لمصر هربًا من المجازر التي ترتكبها قوات الجنجويد، هذا بالإضافة للحملات المستمرة منذ سنوات ضد الأخوة السوريين.

وليس بالمفاجأة أن يكون غالبية أنصار ذلك الخطاب من المؤيدين، سواء أكانوا من القوميين الجدد (الكميتيين) أو من أنصار الشوفينية والمغالاة في الوطنية، وربما هناك عدة تفسيرات لذلك، الأول هو انحسار فكرة القومية العربية خصوصًا بعد هزيمة العرب عام ١٩٦٧ وبعد غزو العراق للكويت عام ١٩٩٠، فأصبح الأولوية للقُطرية وليس لفكرة العروبة أو الوطن العربي الكبير، يشبه ذلك التعصب للأندية الرياضية على حساب تشجيع الفريق القومي.

التفسير الثاني المترتب على ذلك هو أن اللجوء للتعصب يعتبر كمسكن مؤقت، أو يعطى إحساس بالتميز على الآخرين، فنجد أن ذلك التيار العنصري الجديد يمارس عنصريته ضد شعوب عربية شقيقة لديها أزمات سياسية أو شعوب إفريقية لديها أزمات اقتصادية أكبر من التي لدينا أو مستوى المعيشة لديهم أقل منا، ولكن لن تجدهم يمارسون خطابهم العنصري ضد الرجل الأبيض أو شعوب تنتمي لدول غنية متقدمة تتمتع بالاستقرار.

التفسير الثالث أن مهاجمة اللاجئين أو الضيوف الذين يعيشون في مصر وتحميلهم أسباب كل الأزمات والإخفاقات هو أسهل وأكثر أمانًا من الحديث عن السبب الحقيقي للأزمات الاقتصادية في مصر، كالذي يضايقه مديره الجبار في العمل فيبدأ في افتعال الشجار مع جيرانه الغلابة في المنزل.

جزء من نهضة مصر

بعض هؤلاء يتجاهل عدة حقائق، أولها أن من يطلقون على أنفسهم أبناء مملكة (كيميت) القديمة ربما لا يمتون بصلة للمصريين القدماء، لا بالچينات ولا بالأخلاق والطباع، أما فكرة النقاء العرقي المصري وضرورة مناصبة كل ما هو غير مصري العداء فهي فكرة غير منطقية، فقد توافد على مصر واستوطن بها الكثير والكثير من الأعراق والأجناس خلال ال٣٠٠٠ عام الماضية، مثل الفرس والهكسوس والنوبيين والإغريق والرومان والعرب، مرورا بالمماليك والأتراك الذين اختلطوا بالمصريين وتزاوجوا منهم خلال مئات السنين الماضية، لذلك يصعب إدعاء النقاء العرقي إلا في دوائر محددة يتركز أغلبها في الوجه القبلي.
ثانيا أن هناك نسبة ضخمة من المقيمين بمصر يساعدون في الاقتصاد سواء عن طريق استثماراتهم المباشرة وإقامة مشروعات خدمية، حتى لو استثمارات صغيرة كالمطاعم وخلافه، أو يعتبر وجودهم مفيد عن طريق التدفقات بالعملة الصعبة التي تأتي لكثير منهم عن طريق ذويهم في بلدانهم الأصلية أو المساعدات التي يتلقونها من الجهات الدولية التي تعمل على ملفات اللاجئين، أو عن طريق الدول الأوروبية التي توجهت لمنح معونات ومساعدات بهدف تقليل تدفق اللاجئين لأوروبا.

ولو عدنا للماضي سنجد أن الكثير من الشخصيات التي عاشت بمصر وكان لها دور كبير في نهضتها كانوا في الأساس من المهاجرين الذين استوطنوا واطمئنوا للعيش في مصر وجاءوا إليها في العصر القديم أو الحديث، إما للدراسة أو هربًا من عدم الاستقرار في بلدانهم الأصلية .

هل تعلم أن الفنانة الجميلة سعاد حسني وشقيقتها المطربة نجاة من أصول سورية، وكذلك ماري منيب وأنور وجدي، وفريد وأسمهان الأطرش، وأن الفنان العالمي عمر الشريف كذلك من أصول لبنانية-سورية، وكذلك الفنانة شمس البارودي وبنت شقيقتها الفنانة غادة عادل.
هل تعلم أن مجتمع الشوام في مصر في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ساهم بشكل كبير في نهضة الثقافة المصرية والعربية، وإليك بعض الأسماء مثل يوسف شاهين، بشارة واكيم، هنري بركات، عبدالسلام النابلسي، والمنتجة آسيا داغر، وكذلك ماري كويني، والفنانة متعددة المواهب بديعة مصابني، وجورج أبيض، وثريا فخري والأديب جورجي زيدان، وخليل مطران، فرح أنطون، مي زيادة، إدوارد سعيد، جورج أنطونيوس.
هل تعلم أن نجيب الريحاني عراقي الأصل وأن ستيفان روستي كان إيطالياً؟

بديعة مصابني
بديعة مصابني

وإليك أسماء عاشت في مصر من أصول فلسطينية وأثرت الحياة الفنية المصرية بشكل كبير مثل نادية لطفي، نجوى فؤاد، صفية العمري، لوسي، عمرو دياب، هالة صدقي، والفنانة الراحلة شيرين سيف النصر وغيرهم كثيرون.

أما الفنانون من الأصول التركية والشركسية فهناك حسين ومصطفى فهمي، ونهال عنبر، وليلى طاهر وشويكار وشادية وهند رستم وعادل أدهم وليلى فوزي وفريد شوقي.

أما الأرمن واليونانيين فهناك نيللي ولبلبة وفيروز وميمي جمال وغيرهم.

كل هؤلاء قدموا مع عائلاتهم إلى مصر بحثًا عن حياة أفضل وأكثر استقرارا عندما كان المجتمع المصري أكثر انفتاحًا وتسامحًا وتقبلًا للتنوع، تخيل لو قوبلوا بنفس درجة العنصرية التي يعاني منها المجتمع الآن، تخيل لو كان قد قيل لهم اذهبوا إلى بلادكم وحروبكم بعيدا عنا.

كثيرا ما نتهم الغرب بالعنصرية – وهذه حقيقة بشكل كبير- خصوصًا مع تصاعد التيارات والأحزاب اليمينية المتطرفة التي تطالب بطرد العرب والمسلمين والأفارقة وترحيلهم فورا لبلادهم، فتلك التيارات القبيحة هناك تزعم أيضًا أن اللاجئين والمهاجرين هم سبب البطالة وأزمات السكن والمواصلات، بالإضافة لنقل العادات العربية والإسلامية (المتخلقة من وجهة نظرهم) إلى أوروبا المتحضرة.

فإذا كنا ندين التعصب الغربي – والعربي أحيانا- ضد المصريين العاملين أو المقيمين أو حتى اللاجئين فيجب علينا إدانة التعصب في مجتمعاتنا قبل ذلك، فكيف سيكون الحال إن زادت دعوات المتعصبين في أوروبا أو (حتى دول الخليج ذات نظام الكفيل) بترحيل المصريين العاملين أو اللاجئين، سواء من سافر منهم بطريقة شرعية أو بطريقة غير شرعية في البداية حتى يقنن وضعه.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة