خريطة الجماعات المسلحة المعرقلة للانتخابات الليبية

من الصعب تمييز معالم قطاع الأمن في ليبيا عما كان عليه قبل عقد من الزمن. ذلك نظرًا للتحولات الهائلة التي حصلت منذ ثورة عام 2011 وتشكيلة الجماعات المسلحة في البلاد. وكان لهذا الواقع، تداعيات على كل محاولة للبدء بترتيبات أمنية مؤقتة وقصيرة المدى، بما فيها التوسط لوقف إطلاق النار أو تحسين عملية توفير الأمن وتعزيز قدرات أجهزة الشرطة، وكذلك الجهود المبذولة لصالح القطاع الأمني على المدى الطويل.

حتى العام 2012 يمكن عد نحو 30 مجموعة مسلحة في العاصمة الليبية طرابلس وحدها، ومع منتصف عام 2017 سيطرت 4 مجموعات رئيسية، هي: كتيبة ثوار طرابلس، وقوة الردع، وكتيبة النواصي، والأمن المركزي فرع أبو سليم، في اتفاق تعايش ضمني بينها وبين حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا.

كيف تشكلت الجماعات المسلحة الليبية؟

تنبع جذور التحدي الذي تواجهه ليبيا مع الجماعات المسلحة من الانتفاضات المتباينة ضد القذافي، والتي لم تكن منسقة بشكل جيد. وكما يصف الباحث في شؤون ليبيا، ولفرام لاشر: "تُنظم الجماعات المسلحة الليبية في الغالب على أساس المدن والأحياء أو القبائل، وغالبًا ما تحدد نفسها من خلال انتماءات محلية".

وقد أشارت الممثلة السابقة للأمم المتحدة ستيفاني ويليامز إلى أن "عدد الجماعات المسلحة الهجينة في غرب ليبيا ارتفع بشكل كبير بعد أن وصل عددهم إلى حوالي 30 ألفًا منذ عام 2011".

في بنغازي، التي شهدت انطلاق الثورة الأولى، ساعد انشقاق وحدات رئيسة بالنظام في دفع الانتفاضة، فضلًا عن دعم الميليشيات ذات الميول الإسلامية. وأدى هذا التجمع إلى إنشاء تحالفات غريبة. وكانت هناك شكوك على نطاق واسع بأن الإسلاميين هم من اغتالوا القائد العسكري للمتمردين الجنرال عبد الفتاح يونس في يوليو 2011.

وبالمضي قدمًا إلى عام 2014، ظهر الجنرال خليفة حفتر، الذي عاد إلى ليبيا خلال الثورة لكنه لم يلعب فيها أي دور، قبل أن يسيطر على بنغازي كقوة مضادة للجماعات المسلحة ذات الميول الإسلامية، مما أدى في النهاية إلى هزيمة هذه الجماعات محليًا في عملية عسكرية أطلق عليها حفتر اسم "عملية الكرامة".

كذلك، عانت مصراتة، ثالث أكبر مدن ليبيا، من أعنف المعارك خلال الثورة، وشكلت مقاومتها الركيزة الأساسية لبعض أقوى الجماعات المسلحة التي يمكن حشدها اليوم، مثل "كتيبة الحلبوص"، و"قوة العمليات المشتركة"، و"كتيبة النمر".

كانت الجبهة الرئيسية الثالثة للقتال في الجبال جنوبي غرب طرابلس. ومع مرور الأشهر، وبدعم من "حلف شمال الأطلسي"، فازت قوات "لواء الزنتان" في السباق الأول للوصول إلى طرابلس. وبقيت في الجزء الجنوبي من العاصمة للسنوات التالية، إلى جانب الميليشيات المحلية ذات الميول الإسلامية، مع الانتشار المتكرر لجماعات من مصراتة لتعزيز نفوذها.

عندما واجهت السلطات السياسية الليبية الناشئة هذه المجموعة من العناصر الثورية، اختارت تأجيل التعامل مع قضية الجماعات المسلحة إلى حين انتخاب حكومة أكثر شرعية. وفي الوقت نفسه، اختارت الأطراف الانتقالية أيضًا عدم إشراك الداعمين الدوليين للثورة في هذه القضية.

لم تكن الأمم المتحدة مستعدة أو مخولة أو مجهزة بالموظفين لمتابعة أو تنفيذ برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج لمليشيات ليبيا. كما لم يصر حلف "الناتو" أو القوات المتحالفة معه على إعطاء الحكومة الانتقالية الأولى في ليبيا الأولوية لمحاولة إجراء عملية من نوع ما لإصلاح القطاع الأمني أو عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، عندما كانت الجماعات المسلحة أقل رسوخًا.

وقد جرت إحدى المحاولات الأولية التي قادها الليبيون في أوائل عام 2012، وأطلق عليها اسم "هيئة شؤون المحاربين"، بغرض تسجيل أي مقاتل أو مشارك في الثورة وتحديد مدى اهتمامهم بالتعليم أو العمل أو الاندماج رسميًا في الهيكل العسكري الرسمي. وفي حين نحجت هذه المبادرة في تسجيل أكثر من 250,000 فرد (يقدر أن المشاركين الفعليين في المعارك أقل بكثير)، إلا أن البرنامج فقد مصداقيته، وتم تعليقه في النهاية.

دراسة أمريكية تحذر من تأثير الجماعات المسلحة على الانتخابات

دعت دراسة أميركية المبعوث الأممي لدى ليبيا، عبدالله باتيلي، إلى الاهتمام أكثر بالظاهرة المتناقضة للميليشيات بدلًا من إيلاء أولوية للاتفاقات السياسية. وقد أشارت الدراسة إلى أن "باتيلي" سيحتاج إلى دعم القوى الغربية والإقليمية لضمان سماح الجهات المسلحة بإجراء انتخابات حرة.

اقرأ أيضًا: حديث القاعدة الروسية وحرب ليبيا الجديدة

وحث "باتيلي"، في أواخر نوفمبر 2023، الفصائل المتناحرة في البلاد، على اختيار ممثلين لحضور اجتماع يهدف إلى التوصل إلى تسوية لإجراء الانتخابات.

وكان آخر نداء للجمع بين الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، وحكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة رئيس الوزراء، وهي الحكومة التي تدعمها الأمم المتحدة، ويقع مقرها في طرابلس.

ولم يحرز أي تقدم يُذكر في جمع الفصائل تحت سقف واحد منذ التوصل إلى وقف إطلاق النار في عام 2020.

وفي ظل تعثر جهود إجراء الانتخابات، يركز بعض المحللين على البرامج التي من شأنها أن تشجع عناصر الجماعات المسلحة إلى إلقاء أسلحتهم والعودة إلى رحاب المجتمع المدني. وتعرف هذه العملية بمصطلح التسريح ونزع السلاح وإعادة الإدماج، وتسعى أيضًا إلى مساندة المقاتلين السابقين، ويكون ذلك أحيانًا بإعادة إدماجهم في الحياة المدنية. وكانت هذه الجهود متوقفة في ليبيا في الغالب منذ عام 2015.

وقالت منى يعقوبيان، نائبة رئيس مركز الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمعهد الولايات المتحدة للسلام، في نقاش عقد في ديسمبر 2023: "تعتبر عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج المثمرة حجر الزاوية لنشر السلام والاستقرار الاقتصادي اللذين لا تستغني عنهما عملية السلام".

وطالب تيم إيتون، زميل الأبحاث الأول في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمعهد "تشاتام هاوس"، باتباع نهج أكثر تنوعًا وأشد قوة من "الجيل التالي من نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج". والجيل التالي من عمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج عبارة عن عملية سياسية تتوقف على الظروف والأوضاع المحلية، وتبدأ عادة قبل إبرام اتفاقيات السلام، وفق "إيتون". ولكن ليس في ليبيا برنامج لإصلاح قطاع الأمن، وهذا يحد من التدابير التي يمكن اتخاذها من حيث نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.

ويقول إيتون: "بدون هذا البرنامج تظل معايير ومتطلبات برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج الوطني غير واضحة".

وأرجعت دراسة "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" الجمود السياسي في ليبيا، وفشل إجراء الانتخابات رغم تعدد المبادرات إلى ثلاثة عوامل تتلخص في أن القيادة السياسية تفضل امتيازات السلطة على احتياجات السكان، بالإضافة إلى أن النظام المالي يتيح شبكة توزيع سرية تستفيد منها الجهات السياسية والجماعات المسلحة.

وأضافت الدراسة عاملًا يتمثل في وجود شبكة من الجماعات المسلحة "الهجينة" أو شبه الرسمية، تتمتع بامتيازات الدولة وسيطرة أشبه بالمافيا على الأراضي والموارد والتهريب، مشيرةً إلى تقديرات المبعوثة الأممية السابقة، ستيفاني وليامز، بارتفاع "عدد الجماعات المسلحة الهجينة في غرب ليبيا، بشكل كبير".

وأكدت الدراسة الأميركية أنه حتى لو مضت الأطراف الليبية قدما في الإطار القانوني لإجراء الانتخابات، "فسيكون للجماعات المسلحة حق النقض في النهاية إذا اختارت التدخل في أي مرحلة من عملية التصويت، بدءًا من حماية مواقع الاقتراع إلى حماية إجراءات فرز الأصوات وضمان سلامة الفائزين والخاسرين".

وترى الدراسة أن السلطات السياسية الليبية الناشئة "اختارت تأجيل التعامل مع قضية الجماعات المسلحة إلى حين انتخاب حكومة أكثر شرعية، وفي الوقت نفسه، اختارت الأطراف الانتقالية أيضا عدم إشراك الداعمين الدوليين للثورة في هذه القضية".

كما لم تكن الأمم المتحدة مستعدة، أو مخولة، أو مجهزة بالموظفين لمتابعة أو تنفيذ برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، ولم يصر حلف "الناتو" أو القوات المتحالفة معه على إعطاء الحكومة الانتقالية الأولى في ليبيا الأولوية لمحاولة إجراء عملية من نوع ما لإصلاح القطاع الأمني أو عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، عندما كانت الجماعات المسلحة أقل رسوخًا.

وأكدت الدراسة الأميركية إنه "إذا حدث أي تقدم في العملية الانتخابية، فيجب أن تكون الجماعات المسلحة جزءًا من الاتفاق، وسيتطلب ذلك ضغطًا كبيرًا من الجهات الفاعلة الخارجية التي لها تأثير على الأحزاب المحلية لضمان عدم انخراطها في أعمال العنف قبل الانتخابات أو بعدها".

وأكملت: "ستكون هذه العملية أكثر صعوبة نظرًا للتركيز الساحق في المنطقة على الأحداث في غزة والتوترات المتزايدة في لبنان والبحر الأحمر، وعلى "باتيلي" أن يولي اهتمامًا أكبر على الظاهرة المتناقضة للميليشيات بدلاً من إعطائه الأولوية للاتفاقات السياسية".

ولفتت الدراسة الأميركية إلى تسبب التدخلات الخارجية في إذكاء الصراع بين المجموعات المسلحة داخل ليبيا خلال جولات المواجهة عبر السنوات الماضية، وآخرها خلال حرب العاصمة طرابلس، حين تلقت قوات القيادة العامة دعما من دول مثل الإمارات وروسيا التي أوكلت المهمة لشركة "فاجنر"، فيما اعتمدت قوات حكومة الوفاق السابقة على التدخل التركي.

وأوضحت أنه على الرغم من نص اتفاق وقف إطلاق النار على رحيل القوات الأجنبية، بقيت القوات التركية في ليبيا، وتعمل بصورة محدودة نسبيًا خارج القواعد العسكرية في الغرب، ولا تزال مجموعة "فاغنر" في مرحلة ما بعد رئيسها السابق بريغوجين موجودة في ليبيا، وتعمل انطلاقاً من "قاعدة الجفرة الجوية" الاستراتيجية، التي تستخدمها كمركز عبور لعملياتها الإفريقية المربحة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة