التيارات الدينية وحماس والقضية الفلسطينية في ميزان صاحب "أجنحة الفراشة" (جزء ثالث)

تصوير: محمد ليل

- الدولة لم تستهدف الاتجاه الإسلامي بل الإخوان
- لا أفهم وجود حزب مثل "النور" في الجمهورية الجديدة
- عبد المنعم أبو الفتوح كان يصلح لأن يقود فكرًا جديدًا في الإخوان لكنه رأى تركهم أفضل
- في الدولة الجديدة لا يجب أن يحبس الناس على معتقداتهم
- أنا ضد فكر "حماس" لكنها الآن حركة مقاومة قبل كل شيء
- حينما تحكم "حماس" سأعود إلى انتقاد أفكارها
- المجتمعات الغربية تعرف الحقيقة الآن ولا تتبع حكوماتها في مواقفها من فلسطين
- القضية الفلسطينية ليست بحاجة للعرب الآن
- لا يوجد أداء عربي في دعم القضية الفلسطينية
- تراجع القوميات يغذي صعود الأفكار الدينية
- الدولة الإسلامية عرفت الديمقراطية قبل أوروبا وأصل العقيدة مختلف عن الخلل الحادث الآن
- الأزهر وحده لن يقدر على إصلاح خلل فهم العقيدة في المجتمع
- نحن بحاجة لمشروع مركزي ينهض بالتعليم والثقافة

في الجزء الثالث من سلسلة حواراته مع منصة “فكر تاني”، يتحدث الأديب محمد سلماوي، صاحب رواية "أجنحة الفراشة" التي تنبأت بأحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، عن ملف الإسلام السياسي، كاشفًا عن رؤيته للتيارات الدينية السياسية في مصر، و"حزب النور" الذي لم تطاله يد الدولة، مجيبًا على أسئلة عديدة من بينها: هل كان هدف دولة 30 يونيو هو القضاء على التيار الإسلامي في البلاد؟ متطرقًا إلى الموقف من الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، واستمرار حبسه لما يزيد عن 10 سنوات، قبل أن يعود بالحديث إلى حركة حماس، باعتبارها جزءًا من التيار الإسلامي العربي، وفي ظل الحديث عن القضية الفلسطينية وما تعانيه غزة من عدوان إسرائيلي أسقط عشرات الآلاف من الشهداء والمصابين، بينما يجيب "سلماوى" عن التساؤل الأهم عن أسباب الخلل الذي ظهر على الساحة العربية في ممارسات التيارات الإسلامية.

فإلى نص الحوار:

مصر والتيار الإسلامي

تحدثت عن انتهاء الحرب على الإخوان المسلمين.. هل تخلصت مصر من التيار الإسلامي؟

لا.. وليس هناك هدف للتخلص من الاتجاه الإسلامي. الهدف كان إبطال جماعة معينة هدفها السيطرة والتمكين، وتغيير على مصر بإضفاء صبغة ليست نابعة من هويتها.

هذا ما كنا نحاربه جميعًا. أنا ضد جماعة الإخوان ليس فقط بما تمثله من فكر، ولكن بما تمثله من أساليب. ومع ذلك، لست ضد أن يكون هناك حزب سياسي مرجعيته نابعة من العقيدة الإسلامية.

أتقصد مثل حزب النور مثلًا؟

هذه أحزاب سلفية، نحن نتحدث عن دولة ديمقراطية حديثة، لا مكان فيها للسلفية، وإن كان بها مكان لحزب سياسي مستنير مرجعيته تنبع من العقيدة الإسلامية بكل ما تمثله هذه العقيدة من استنارة وفكر، يقول: لكم دينكم ولي دين، فكر يقول: لا إكراه في الدين.

كل هذا إسلام، فلماذا لا تكون هذه مرجعيتنا، ولماذا نأخذ عن السلفية مرجعيتنا، وهي لا يهمها إلا أسئلة على سبيل دخول الحمام بالقدم اليسار أم اليمين؟ وتأكل بيدك اليمين لأن يدك الشمال نجسة!!

هذه ليست مرجعية إسلامية وليست مستنيرة، وليس لها مكان في دولة ديمقراطية حديثة، تصر عليها كل البيانات الرسمية للدولة، من رئيس الجمهورية لأصغر وزير.

أنا الحقيقية لا أفهم وجود حزب مثل حزب النور في الجمهورية الجديدة التي يتحدثون عنها، كيف تكون جديدة مع وجود السلفيين الذين ينظرون إلى الخلف والقديم وليس إلى الجديد.

موقف سلماوي من أبو الفتوح

هل يمكن أن تمثل تجربة حزب "مصر القوية" التي صنعها الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ما تقصده من نموذج لحزب مستنير بمرجعة إسلامية؟

لا أعلم، فأنا لم أدرس بيان حزبه. أنا أتحدث هنا عن المواصفات بشكل عام، وأي حزب تنطبق عليه تلك المواصفات فهو النموذج الذي أقصده.

ربما جاء إلى ذهني هذا التصور بعد تصريحاتك الإيجابية عن شخص عبد المنعم أبو الفتوح؟

تصريحاتي الإيجابية في حق الإفراج عنه، وكذلك قلت إنه كان يمكن أن يكون الشخص الذي يمثل القيادة الجديدة للإخوان بعد أن سقطت القيادات البالية القديمة، لكنه لم يسمع هذا وكانت له خطط أخرى، وترك الإخوان تمامًا.

كيف ترى استمرار حبسه إلى الآن؟

لا أعلم تفاصيل الأزمة مع أبو الفتوح، ولكن أرى أنه في الجمهورية الجديدة، وفي الدولة الديمقراطية الحديثة، لا مكان لمسجونين بسبب معتقداتهم.

وهل ترى أبو الفتوح من هؤلاء؟

لا أعلم.. قد يكون ارتكب أشياء لا أعلمها.

حماس الآن ليست حركة دينية بل وطنية بامتياز

هناك البعض ممن لهم مواقف سلبية من حركة حماس، كونها كانت جزءًا من حركة الإخوان، وهو ما يتفق مع رأيك في الإخوان، ألا يتعارض هذا مع تصريحاتك الإيجابية بحق حماس؟

أنا ضد حماس وما تمثله، ولكن عندما تكون حماس تدافع عن شعب واقع تحت احتلال فلا سبيل سوى دعمها في تلك المرحلة الزمنية الفارقة.

حينما تتحرر فلسطين أو تنتهي حرب غزة، وتكون حماس على رأس الحكم، سأرفضها، وأقول: أريد الشعب الفلسطيني تحت حكم ديمقراطي مستنير، ولنا في بريطانيا وقت الحرب العالمية، مثالًا على ذلك، فرغم أن تشرشل قاد البلاد للانتصار في الحرب، إلا أنه تم إسقاطه بعد الحرب.

هل لممارسات حماس الفكرية تأثير سلبي على إدارة الصراع الحالى مع الاحتلال الإسرائيلي؟

ممارسات حماس الآن ليس لها مرجعية إسلامية، ولا يجب وصفها الآن سوى باعتبارها حركة المقاومة، بمرجعية وطنية مائة بالمائة.

لديك اتصال كبير بالمجتمعات الغربية، الكثير من المتابعين يتحدثون عن فجوة كبيرة بين الشعوب الغربية وحكوماتها في ظل الحرب الحالية على غزة.. كيف تقيم تلك المسألة؟

هذا حقيقي، والفجوة كبيرة جدًا بين رؤية وأداء الشعب وبين الرؤية الحكومية والرسمية، وذلك يرجع إلى وسائل الاتصال الحديثة التي نقلت حقيقة الموقف على الأرض المحتلة، إذ أثبت للرأى العام أن الروايات الرسمية لحكوماتهم على نقيض الحقيقة في الأراضي المحتلة.

المجتمعات الغربية تشاهد الحقيقة الآن، وتثور ضد ما يحدث، والإعلام الرسمي الغربي في إنجلترا وأمريكا وفرنسا في مأزق كبير، والإعلام الشعبي هو السائد وهو المرجع حاليًا، وبالتالي حدثت صحوة كبيرة جدًا، وتلك من بين المكاسب التي حققتها المقاومة في غزة من تلك الحرب، إذ استطاعت المقاومة إيقاظ العالم ليرى حقيقة الوضع تحت الاحتلال، وأصبحت القضية الفلسطينية اليوم قضية أساسية، وقضية الحرية الأولى في العالم.

البعض ينظر إلى الموقف الغربي الرسمي الآن من القضية الفلسطينية باعتباره صدمة في الحضارة الغربية كلها. هل تتفق؟

هذا خلط بالأوراق، الصدمة من الحكومات الغربية لا من الحضارة الغربية. أليست الشعوب التي تخرج يوميًا للتظاهر في أرجاء الغرب جزءًا من الحضارة الغربية.

الحكومات الغربية الآن في مأزق مع أي انتخابات رئاسية، وبالتأكيد سوف ينعكس الموقف الشعبي على نتائج الانتخابات المختلفة في أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية.

القضية الفلسطينية والعرب

كيف يستفيد العرب من تلك التغيرات في الغرب فيما يخص القضية الفلسطينية؟

القضية الفلسطينية الآن ليست بحاجة للعرب، فقد ثبت مما جرى ومما يجري في غزة أن القضية الفلسطينية قادرة على خوض حربها دون أي عون عربية، وكل ما يحدث في العالم اليوم من مظاهرات تأييد لفلسطين لا علاقة للعرب به، ولا دخل لهم به، القضية الفلسطينية وحدها هي التي فرضت نفسها دون العرب.

كيف تقيم الأداء العربي في القضية الفلسطينية في تلك الحرب؟

أي أداء. لا يوجد أداء عربي من الأساس في الفترة الحالية.

بالعودة إلى قضية التيارات الإسلامية، معظم النماذج التي خرجت من أحزاب تمثل الاتجاه الإسلامى مثل الإخوان المسلمين أو التيار السلفي مثل حزب النور تتحدث أن مرجعيتها هي العقيدة الإسلامية.. أين الخلل إذًا؟

الخلل الحقيقي في التخريب الذي حدث بالمجتمع على مدى 30 أو 40 سنة، والتخريب الذي حدث في التعليم، والتخريب الذي حدث في عقول الناس، والتخريب الذي حدث في الإعلام، وهذا ما جعل الناس ضحايا أي فكر متخلف ومنحرف، وهكذا نشأ هذا الفكر، إنما في عصور الاستنارة في الخمسينيات والستينيات، أثناء وجود المد القومي وحركة التحرر والقومية العربية، لم يكن لدينا تطرف إسلامي، ولا النقاب شبيه البرقع، ولا الجلاليب القصيرة.

كل تلك المظاهر الغريبة طرأت علينا بعد أن تخطينا مرحلة النهضة الثقافية والسياسية التي كانت موجودة في عقد الخمسينيات والستينيات، وهذا هو المسؤول عن انتشار هذا الفكر. وهذا أمر ليس قاصرًا على المجتمع المصري فقط، ولكنني أتحدث عن حركة تخلف وتراجع عن القومية العربية، والمد الثوري والتحرر من الاستعمار القديم واستقلالية القرار في الوطن العربي ككل.

وعلى مدى التاريخ كان هناك عقيدتين يتجاذبان الوجدان والهوية العربية، هما العروبة والأمة الإسلامية، فهل نحن جزء من الأمة الإسلامية، أم جزء من العالم العربي؟ وفي لحظات التراجع الدين هو الذي يكسب لأنه هو الملجأ الآمن الوحيد، فعندما تنهار الأمور كلها الناس تعود للدين كملاذ أخير، ولكن في مراحل التقدم، الإنسان يكون أمامه خيرات بلا حدود، ويستطيع أن يرى بوضوح، لذلك في لحظات التقدم كانت العروبة هي التي مسيطرة، والتي تقول إن المصري يشعر بالانتماء مع جاره المسيحي، أكثر مما يشعر من انتماء مع مسلم في أذربيجان أو أوزبكستان، فهناك هوية قومية تجمع الأمة العربية.

هناك البعض الذي يقول بأن بعض النصوص تغذي فكرة الوحدة الإسلامية، وهذا ما جعل تلك التيارات تتحدث عن أولوية الوحدة الإسلامية كجزء من العقيدة الإسلامية.. كيف تعلق؟

لا.. هذا تفسير خاطئ. وهنا أود أن أشير إلى أن الدولة الإسلامية على سبيل المثال عرفت الديمقراطية قبل دول أوروبا التي تعايرنا اليوم بالديمقراطية، فقد كان الحكم في الإسلام بالبيعة، وهي تعنى رضا الجماعة عمن يحكمها، على عكس أوروبا حين كان المبدأ السائد هو الحق الإلهي للملوك والذي كان يورث، أما إسلامنا فلا يؤمن بالتوريث، ومن جاء بعد النبي محمد لم يكن من أقاربه وهو ما تمثل في الخلافة الإسلامية.

ولكن هذا كان قاصرًا على 30 عامًا فقط.. وبعد ذلك، وعلى مدار فترات الخلافة الإسلامية، التاريخ يتحدث عن توريث الحكم وفترات دموية كثيرة؟

نحن نتحدث عن أصل العقيدة، فهل سنحكم على النبي بمن جاء بعده وحرف، نحن نتحدث عن فترة النبي محمد، وإذا كان هناك مرجعية إسلامية فستكون تلك الفترة فقط، وليست الخلافة العثمانية مثلًا.

إذا هناك خلل في فهم العقيدة لدى المجتمع بشكل عام.. فما دور المؤسسة الدينية؟

الأزهر عليه دور كبير، ولكن ما يصنع العقيدة العامة لأي أمة هو مستوى تعليمها وثقافتها وتقدمها، وما يساهم في ذلك ليس الأزهر منفردًا. هذا دور مركب يشارك فيه التعليم والإعلام والثقافة ووزارة الأوقاف ووزارة الشباب بما لديها من مراكز شباب وغيرها من أدوات، ولذلك من ضمن مخرجات الحوار الوطني، والتي تقدمت بها، أن تكون هناك مجموعة شبيه بالمجموعة الاقتصادية، تكون تابعة لرئيس الوزراء مباشرة، وتضم تلك الوزرارات، لأن تلك الوزارات هي التي تصنع وجدان الأمة وعقلها وثقافتها، وهذه الأشياء هي التي تحدد العقيدة السائدة بالمجتمع.

ما هو شكل المشروع المنوط بتلك اللجنة تنفيذه؟

يجب أن يكون هناك مشروع مركزي، ويجب أن يكون هناك خطة محددة للنهوض بمستوى التعليم والثقافة، وكيفية ثقل الهوية الوطنية، تخدمها كل الوزارات، وبإشراف مركزي من الحكومة، وليس كما هو الواقع الحالي أن تعمل كل وزارة في اتجاه مختلف وفي جزر منعزلة.

الواقع الحالي لن يثمر أي تقدم في منظومة الوعي المجتمعي رغم ما تقوم به كل وزارة، لأنه ليس ضمن مشروع شامل، فلو هناك تقدم في الواقع الحالي فلا داعي لتلك اللجنة، ولكن الواقع للأسف كارثي، ولذلك يجب أن يكون هناك تكاتف بين تلك الوزارات والعمل ضمن خطة موحدة، وبالتأكيد رؤية تلك الهوية ستكون في ظل الرؤية الوطنية للهوية داخل الدستور.

هل هناك إمكانية أن يرى هذا المشروع النور قريبًا؟

المقترح قُبل من الحكومة، ونأمل أن يرى النور في التعديل الوزارى المنتظر قريبًا.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة