“تكوين”.. أزمة التنوير وشيوع “ثقافة الوحل”

تردد وحيرة صاحبت كتابة هذا المقال ومحاوره والإطار العام للنقاش، تذكرت معها المثل الإنجليزي “لا تصارع خنزيراً في الوحل فتتسخ أنت، ويستمتع هو” هكذا يبدو المشهد العام لمعظم الموضوعات والنقاشات الرائجة في مجتمعاتنا العربية، وحل كبير يتسخ كل ما يقترب منه.

“وحل” تسوده الغوغائية والجهل والتكفير والشخصنة والصراعات الواهية، في موضوع مثل مؤسسة “تكوين الفكر العربي” أي ما كان موقفك من أفكارها أو رموزها، كان ممكنًا طرح مجموعة من الأسئلة والانتقادات العقلانية والجوهرية بداية من نوعية الشخصيات العامة التي تصدرت واجهة في المؤسسة وما هى معايير اختيارهم وإلى أي مدى مؤهلين ليكونوا باحثين في التراث الإسلامي ودعاة تنوير وتسامح ديني.

والتساؤل كذلك عن ماهية الجهات الداعمة وحجم الأموال المخصصة للمؤسسة وأهداف وأولويات هذه الجهات، وصولا إلى توقيت الإعلان عن المؤتمر الأول في ظل لحظة مأساوية يتعرض فيها الشعب الفلسطيني في غزة إلى حرب إبادة تتواطأ فيها العديد من الحكومات والمثقفين والشعوب العربية حتى ولو بالصمت العاجز، وغيرها الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام والتعجب.

لكن ما حدث عكس ذلك؛ فكل هذه الأسئلة والأفكار تلاشت لصالح “ثقافة الوحل” مع شيوع اتهامات التكفير والتحريض ضد كل أعضاء المؤسسة وكل من دعي لحفل تدشينها، ليكون مؤتمر “تكوين” الأول بمثابة طوق النجاة لعودة الأصوات السلفية المتطرفة بخروجها من جحورها معلنة عن دعوة لتأسيس كيان اسمه “تحصين” بهدف الدفاع عن تصوراتهم عن الإسلام الصحيح.

لنجد أنفسنا من جديد أمام ذات المشهد الذي عشناه منذ أكثر من عشر سنوات بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، بذات الوجوه العلمانية/الإسلامية التي دفعت الثورة لنفق مظلم ووحل لا نهاية له من خلال صراع مفتعل حول الدستور والشريعة الإسلامية في حين تلاشت تمامًا أهداف الثورة الأساسية وهى “العدالة الاجتماعية والحرية” بما تتضمنه هذه الشعارات من إعادة توزيع للثروة وإصلاح منظومة التعليم والرعاية الصحية وسيادة القانون وغيرها من الأوليات الحياتية للمواطنين المصريين.

اقرأ أيضًا:حسام موافي.. “بَوْس يد الخرافة”

في وسط هذه الغوغائية واتهامات التكفير والتحريض الحاكمة للمشهد العام في مصر حيث تُخلط الأوراق من الجميع ضد الجميع، يشعر المرء إنه محاصر بين المطرقة والسندان؛ فمن جهة قد يُفهم الدفاع عن حق أعضاء ومؤسسي تكوين في التعبير عن رأيهم بحرية بوصفه اصطفاف معهم وهو أمر غير صحيح، خصوصًا، ومن جهة أخرى قد يُفهم أي انتقاد لتكوين بوصفه اصطفاف مع أنصار شعبوية التكفير والإرهاب.

فقه الأولويات

في مساء السبت الرابع من مايو/آيار الجاري، شهد “المتحف المصري الكبير” في القاهرة، انطلاق المؤتمر السنوي الأول لـ”مؤسسة تكوين الفكر العربي”، تحت عنوان “خمسون عامًا على رحيل طه حسين: أين نحن من التجديد اليوم؟” بمشاركة مجموعة من الكتاب والمثقفين والإعلاميين المصريين والعرب.

خبر يفترض أن يكون عادي في ميزان أولويات الإعلام والمجتمع المصري في ظل لحظة راهنة مشحونة بصراعات وتحديات جيوسياسية واقتصادية واجتماعية تحاصر المصريين، على المستوى الخارجي هناك حرب إبادة ضد الشعب الفلسطيني على الحدود الشرقية لمصر، وفي الحدود الجنوبية تتفاقم يوم بعد آخر الحرب الأهلية السودانية، أما الحدود الغربية لاتزال ليبيا مقسمة، فضلًا عن أزمة سد النهضة الإثيوبي التحدي الوجودي والأكبر الذي يواجه مصر حاليا ومستقبلا.

أما داخليًا، فلا تختلف الصورة القاتمة حيث يواجه المجتمع المصري سنوات ممتدة من التعاسة وتحديات وأزمات كبرى  تفصح عنها الحكومة المصرية بوضوح في خطاباتها الرسمية من أزمة اقتصادية قاسية، ومعدلات تضخم غير مسبوقة، وتراجع قيمة الجنيه، ووصول الدين الخارجي لأرقام قياسية، ونقص في المواد البترولية وقطع مستمر للكهرباء، وتوافد أعداد كبيرة من اللاجئين وغيرها الكثير من التحديات بتعبير الرئيس السيسي “احنا فقراء قوي .. أنا مش لاقي أأكل ولا أعالج ولا أعلم”.

مجتمع يعاني من كل هذه التحديات الوجودية، كيف ينشغل عنها بقضايا هامشية دينية وتاريخية، هل يمكن فهم ذلك بوصفه هروب من الواقع المأزوم، أم هى عصى موسى التي تلعب بها جهات/ حكومات للتشويش على ما يحدث داخليًا وخارجيًا، أم أنها مجرد تريندات مفتعلة لا تعبر عن حقيقة وواقع المجتمع، أم أنها صورة حقيقة تعبر عن واقع مجتمعي غارق في التسطيح والتطرف والجهل والخرافة يهيمن عليها مزاج سطحي إقصائي.

في لحظة تستعد فيها قوات الاحتلال الإسرائيلي للهجوم على مدينة رفح، كان من المنتظر أن يكون واحد من أهداف تجمع مثلا “تكوين” إن لم يكن هدفه الأساسي هو إعلان التضامن مع القضية الفسلطينية ودعوة الشعوب والحكومات العربية للتحرك لمواجهة المحتل الإسرائيلي بكافة السبل، هذا هو الدور الأساسي للمثقفين، بتعيبر المفكر الماركسي أنطونيو غرامشي على “المثقف العضوي” أن يكون فاعل أساسي وجزء أصيل من وعي وحركة الجماهير سعيًا لبناء مجتمع أكثر عدالة ومساواة؛ فالمثقف يفترض فيه أن يكون على يسار السلطة المستبدة وفي القلب من نضال الفقراء والمستضعفين.

اقرأ أيضًا:“الإسلام” والمجتمع والسياسة.. دراسة في أنثروبولوجيا الدين الشعبي في السودان

المنظور السياسي

في تقديري الشخصي، جزء أصيل من الغضب الموجه لمؤسسة “تكوين” ورموزها دافعه ليس دينيًا فقط، بقدر ما هناك شعور عميق بالغضب والخذلان السياسي تجاه المؤسسة ورموزها وممثليها؛ فجوهر “التنوير” مرتبط بإعمال العقل، والمنطق، والحرية، والتعددية، والتسامح الديني، والديمقراطية، وغيرها من الأفكار التقدمية التي لها بعد سياسي/تحرري، يقف العديد من رموز مؤسسة “تكوين” على النقيض من هذه الأفكار والدعوات على المستوى السياسي؛ فمواقف وممارسات بعضهم تتماهى تمامًا مع السلطة، لدرجة لم نعد نعرف معها بأي صوت يتحدثون، هل بصوت المثقف والباحث المستنير الذي يتحرى العدل والإنصاف أم صوت السياسي المنحاز لفكرة وسلطة بعينها؟

حتى موقف بعضهم من القضايا الدينية يبدو تابع لخطاب السلطة التي دعت في السنوات الأخيرة لتجديد الخطاب الديني في ظل معاركها مع جماعات الإسلام السياسي، هذه السلطة التي تتبع سياسة “التسطيح” كما يصفها د. أحمد عبد ربه أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والأستاذ المساعد للعلاقات الدولية بجامعة دنفر، مشيرًا إلى أن “هناك فرق بين الإلهاء والتسطيح، فمثلا حينما يكون هناك عنوان كبير لقضية أو كتاب أو فيلم يجذبك، لكن عندما تتطلع على المحتوى تجده سيء وهامشي وساذج، فالموضوع أكثر خطورة من كونه إلهاء، القضية هنا هى التسطيح وهو ببساطة أن تفقد الأشياء معناها والجدوى منها”

يقول د. أحمد عبد ربه في حديثه لمنصة “فكر تاني” أنه لا يمكن الحديث عن التنوير دون  تحرير للبيئة السياسية “لن تستطيع إصلاح الخطاب الديني أو النظر في  قضايا التراث الديني إلا إذا حررت البيئة السياسية من حفظ لحقوق الإنسان أو ضمانات دستورية وقانونية التعددية السياسية والدينية، وهذا المحور  الجوهري المرتبط بالشأن السياسي يتجاهله قطاع كبير ممن يطلقون على أنفسهم المتنورين المصريين، وتتجاهله في المقابل التيارات الدينية السلفية أيضًا”.

ويكمل:”بديلًا عن التركيز على النقاط الجوهرية في النقاش يحدث العكس من خلال الصراع على أمور تافهة وسطحية قائمة على الشخصنة وانتقاد المظهر الخارجي والمشروبات والسلوكيات وغيرها من الصراعات الطفولية التي تهدر طاقة المجتمع وتفقد القضايا الكبرى قيمتها، ومن هنا تظهر فكرة التسطيح مقابل الإلهاء، فالسياسات القديمة كانت فكرة الإلهاء أكثر شيوعًا، أما الآن فمنهجية السلطة تركز على التسطيح بمعنى أن تفتح مجال للناس للاشتباك مع قضايا تبدو كبيرة  كقضية تكوين أو تنويرأو الدفاع عن الإسلام، لكن عندما تتأمل لمحتوى والنتائج تجد شيء في غاية البؤس والركاكة”

بالإشارة لشيوع  فكرة ومفهوم “التريند” بصورة طاغية في الشأن العام المصري والعالمي، حيث تتصدر فكرة أو موضوع محدد منصات التواصل الاجتماعي بصورة كثيفة وسطحية للغاية في تناولها لمدة زمنية قصيرة ثم تنتهي وتتلاشى يقول د.أحمد عبد ربه:”فكرة التريند شيء لافت للنظر بالفعل، فالموضوع ليس قاصر على قضية مؤسسة تكوين وتجديد الخطاب الديني، لكنه يحدث في قضايا أخرى كثيرة في مجالات السياسة والدين والرياضة والاقتصاد وغيرها، ويبدو أن هذه سمة أساسية من سمات عصر السوشيال ميديا التي تعزز أيضًا من التعامل بسطحية وسرعة مع الحياة بشكل عام”.

التنوير والدين

في حديثه لمنصة “فكر تاني” يشير د. عاصم حفني، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة ماربورج الألمانية إلى أن “التنوير الأوروبي كان ينتقد الفهم الديني الذي كان يُرجع أسباب كل الظواهر إلى خرافات ومن ثم ارتبط التنوير في الذهن خطأ بنقد الدين، في حين أن التنوير ينتقد أي بعد عن التفكير العقلي في تحليل المشاكل ومحاولة حلها وكأنه ينتقد ظلام العقول ويحاول أن يلقي عليها النور ويحررها من حالة القصور عن التفكير والتدبر ثم التدبير وجميعها مصطلحات قرآنية؛ لذا يمكن بفكر مستنير أن نرى في الدين دليلا على وجوب التنوير”.

ويضيف: “وفق مبادئ التنوير يجب إلقاء الضوء على أسباب كل مشكلة بعقلانية فمثلًا علاج مشاكل الفقر لا علاقة له بالدين إلا من ناحية أن الدين يأمر بالإخلاص والصدق في العمل، أما الحل الواقعي لمشاكل الفقر فهو بالتفكير العقلاني في زيادة الإنتاج وخلق فرص العمل ومحاربة الفساد وغيرها من أمور يعرفها المختصون، ومنهج التنوير ينسحب على حل كل المشكلات الاجتماعية والسياسية وغيرها”.

ويكمل:”الأهم من كل ذلك أنه لا يمكن أن تتحرر من حالة الجمود الفكري والقصور العقلي (بتعبير كانط فيلسوف التنوير) إلا في مناخ حرية يسمح لك بالتفكير والتعبير عما تفكر فيه، لأن القمع الفكري هو بمثابة رداء أسود مظلم تلقيه على الأفكار فيحجبها عن الرؤية؛ فالتنوير هنا هو إزالة هذا الحجاب أي القمع الفكري، وبالتالي فنقد الفهم الرجعي للدين هو جزء مهم في مسار التنوير ولكنه مجرد خطوة من ألف ميل”.

بالعودة للسؤال حول فقه الأولويات والتحديات الوجودية التي تواجه المجتمع المصري والعربي حاليًا يوضح د.عاصم حفني أنه في مثل هذا التوقيت “هناك شعب يباد في فلسطين، يجب أن توجه الأنظار إلى هذه القضية العادلة بما يخدمها ويخدم مستقبل الأمة العربية كاملة ولكن ما لا  يدرك كله لا يترك كله وفي خلق بيئة عقلية تنويرية ربما يكون الأمل، حتى يكون للعرب دور في حل القضايا السياسية الكبرى التي تحتاج إلى العقلانية أكثر من العاطفة لذلك لا ضير من مناقشة  هذه القضايا  بقدر من العقلانية، التي تقتضي الواقعية والبحث عن أفضل الطرق لتحقيق الأهداف”

ويكمل :”قضية التنوير والإصلاح الديني استغرقا قرونا في أوربا ولم يتحققا فجأة؛ فمارتن لوثر كمثال عندما أراد تحرير فهم الدين من سلطة الكنيسة، قدم خطاب ولغة تناسب الناس وترجم الإنجيل من اللغة اللاتينية التي لا يتقنها سوى رجال الكنيسة إلى لغة عامة الشعب مما مكن الناس من قراءته دون وسيط للتواصل مع الله، هذه كانت خطوة هامة في خطوات التنوير عبر مسار طويل قائم على التدرج ومنح الناس الأدوات اللازمة للتحرر”.

يحذر د.عاصم حفني من خطورة تحول التنوير إلى فكرة أو أداة سلطوية تفرض جبرًا على الناس مشيرًا إلى أنه :”إذا كانت فكرة التنوير ستفرض من أعلى بالقوة والاستعلاء على عامة الناس، فهذا يفقد التنوير جوهره ويحوله إلى فاشية ويؤدي إلى رفض وكراهية التنوير من جانب غالبية المجتمع ويمنح أعداء التنوير حجة لربط مفهوم التنوير بالغرب الاستعماري المنحل أخلاقيًا ألخ..”.

 

ويضيف: “يمنح الفهم المشوه للتنوير والتجديد والتطرف في إرادة فرضهما فرصة ذهبية لوجوه سلفية رجعية للعودة لتصدر المشهد، وكان من حسنات ثورة 25 يناير وما تلاها من أحداث أنها خففت وطأة هذا التيار الظلامي، كذلك التعامل مع قضايا التنوير بهذه الصيغة الصدامية يجعلنا نسير في مسارين متطرفين، مسار تنويري متطرف يريد أن يفرض الأمور، إما بقوة إذ دعمه النظام، أو بادعاء قوة التنوير نفسه، والمسار الآخر الرجعى المتشدد دينيًا الذي يكتسب أرضا بلغته الدينية البسيطة وسرعته في الوصول للعامة”.

ويختتم د. عاصم حنفي حديثه قائلًا: “لو سلمنا أن التنوير من النور، فالنور ضروري لا محالة ولكن بقدر محسوب؛ فنور الشمس يضيء الظلمات ولكنه لو جاوز الحد حرق”.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة