"سبوبة بعد الضهر".. عن وزراء مصر ومناصب بنوك الخليج

يثير انضمام وزيرين في الحكومة الحالية لعضوية مجلسي إدارة بنكين خليجيين تساؤلات حول تعارض المصالح، ومدى اتساقها أو تعارضها مع المسؤوليات الحكومية التي يجب أن يتولاها.

ووافق البنك المركزي، قبل أيام، على تعيين الدكتور عمرو أحمد سميح طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، عضوًا بمجلس إدارة بنك فيصل الإسلامي المصري حتى 2026.

في يوليو من العام الماضي، أعلن مصرف أبو ظبي الإسلامي مصر عن موافقة رئيس مجلس الوزراء على جمع الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التعاون الدولي، بين منصبها والانضمام لمجلس إدارة البنك كعضو مجلس إدارة غير تنفيذي مستقل.

البنوك مكافأة نهاية خدمة الوزراء.. العُرف القديم

على مدار العقود الماضية، كانت عضوية مجالس إدارة البنوك بمثابة "مكافأة نهاية خدمة" لبعض وزراء المجموعة الاقتصادية مثل عمرو الجارحي، وزير المالية الأسبق، الذي يرأس بنك "ميد بنك (مصر إيران سابقًا)"، وقبله أشرف الشرقاوي، وزير قطاع الأعمال العام السابق، الذي تولى رئاسة البنك ذاته.

المهندس طارق قابيل، وزير التجارة والصناعة السابق تولى منصب رئيس مجلس إدارة بنك الاستثمار العربي، والدكتور زياد بهاء زياد الدين وزير التعاون الدولي الأسبق تولى رئاسة بنك الإسكندرية، وأشرف العربي وزير التخطيط الأسبق، ونجلاء الأهواني وزيرة التعاون الدولي السابقة، يشغلان حاليًا عضوية البنك المركزي. كما تولى الدكتور هشام عرفات، وزير النقل الأسبق، عضوية مجلس إدارة "ميد بنك"، وداليا خورشيد وزير الاستثمار الأسبق التي ترأس حاليًا مجلس إدارة بنك الاستثمار "بلتون".

بحكم المنصب يشغل بعض الوزراء منصبًا في بنوك حكومية ذات طبيعة خاصة مثل بنك الاستثمار القومي الذي يرأسه وزير التخطيط أو وزير المالية (حال دمج الوزارة في بعض التعديلات الوزارية) على اعتبار أن دور البنك هو تمويل وإدارة خطة التنمية في الدولة وضخ الاستثمارات للمشروعات الكبرى.

الفكرة ذاتها تنطبق على بنك ناصر الاجتماعي الذي يرأس مجلس إدارته وزير التضامن، على اعتبار أن البنك هو كيان اقتصادي اجتماعي يستهدف التكافل الاجتماعي الذي يهدف إلى تحقيق التنمية الاجتماعية للمواطنين.

هل يوجد تضارب مصالح؟

النائب محمد الصمودي،  عضو مجلس النواب، من أشد المعترضين على تولى الوزراء مناصب في جهات بنكية، خاصة رانيا المشاط، وقال إنها مسؤولة عن منصب وزيرة التعاون الدولي والقروض والأموال والمنح التي تدخل مصر، حيث يتم التعاون مع بنوك وتعيينها بمجلس إدارة بنك يعد تضاربًا في المصالح.

ينص القانون رقم 106 لسنة 2013، على "حظر تعارض مصالح المسؤولين في الدولة"، وتعتبر أن الجمع بين عمل المسؤول الحكومي وبين عضوية مجالس إدارة الشركات، أو المشروعات التجارية الخاصة، أو العمل فيها تعارض مطلق، كما يحظر على المسؤول الحكومي تقديم الخدمات الاستشارية، سواء مدفوعة الأجر، أو غير مدفوعة.

يضيف "الصمودي" أن الجمع بين المناصب كان متواجدًا قبل الثورة، ولكن بعد قيامها تم إلغاء هذا الأمر، وأصبح الوزير لا يحق له التعيين في أكثر من منصب وفقًا للقانون 106 لسنة 2013، وبالتالي التعيين يشكل مخالفة صريحة للدستور المصري ويحمل "تعارضا مطلقا للمصالح.

استهدف القانون رقم 106 لسنة 2013، الصادر بعد ثورة 30 يونيو، وضع حد للمزاوجة بين العمل الحكومي (تولي منصب وزير) والعمل الخاص، الذي كان سائدا في نهاية عصر الرئيس الأسبق، حسني مبارك، حتى لا تختلط المصالح الشخصية بالرسمية.

سبق أن شغل محمد الرزاز، الذي تولى وزارة المالية في لمدة 10 سنوات، منصب رئاسة بنك الاستثمار العربي، كما تولى توفيق عبده إسماعيل وزير السياحة والطيران المدن وشون مجلسي الشعب والشورى منصب رئيس البنك المصري ـ المتحد، وحسن كمال وزير الخارجية ورئيس الوزراء الأسبق الذي تولى رئاسة البنك المصري ـــــ الخليجي.

بحسب النائب، فإن الوزير عليه الاختيار بين الاستمرار في منصبها في حكومة المهندس مصطفى مدبولي، أو الاستقالة، لكن الجمع بين منصبين في وقت واحد، أمر لم نكن نود أن نراه في عهد الجمهورية الجديدة، بحسب قوله.

اقرأ أيضًا: فشل “وزير التموين” يفتح ملف “كل رجال مبارك”

هل يسعى الوزراء لتحسين دخولهم؟

ودارت شائعات حول حصول المشاط على 40 ألف دولار شهريًا من بنك أبو ظبي بعد الانضمام لمجلس الإدارة، وهي معلومة لم تنف رسميًا، وإن كان الإعلامي مصطفى بكري، قائلًا إنها تحصل على مكافأة سنوية وليس راتبًا شهريًا، لكنه فتح الباب أمام تساؤلات أخرى بعدما قال إن 4 وزراء سبقوها في شغل عضوية بنوك.

مسؤول بمجلس الوزراء -طلب عدم ذكر اسمه- رفض أن يكون هناك تعارض، موضحًا أن الأمر يتم تقييمه لعدة أمور من بينها عضوية الوزراء أو نوابهم كممثلين للجهات الحكومية بمجالس إدارات الشركات الخاصة التي تساهم بها، وهو أمر دارج ولا توجد به أي مشكلة.

ينطبق ذلك المثال على أحمد كجوك، نائب وزير المالية للسياسيات المالية، الذي تمت الموافقة على توليه عضوية مجلس مجموعة طلعت مصطفى القابضة، أخيرًا، ممثلًا لشركة مصر للتأمين.

وتحركت رواتب الوزراء الصافية بموجب قانون وافق عليه مجلس النواب في 2018، ليبلغ راتب الوزير 42 ألف جنيه بينما يتقاضى نوابه والوزراء والمحافظين راتبًا شهريًا أساسيًا قدره 35 ألف جنيه شهريًا، قابلة للزيادة، ويتقاضى نواب الوزراء والمحافظين 30 ألف جنيه، قابلة للزيادة، ويتقاضون معاشًا يساوي %80 من إجمالي رواتبهم، عند انتهاء شغلهم مناصبهم.

ويتساءل المسؤول: "الوزير طالما لم يُقصر في عمله وإدارة الملفات التي يتولاها فما المانع من أن يكون عضوًا غير تنفيذي في شركة أو بنكًا خاصة أنه حال ثبوت ارتكابه أي مخالفة أو تضارب بالمسؤوليات تتم محاسبته؟".

ومع كل تعديل وزاري بمصر، يرفض الكثيرون المنصب لأن امتيازاتهم المالية أعلى بكثير في مهنهم الأصلية، فضلًا عن المسؤولية القانونية التي تترتب على العمل العام، خاصة أن معاش بعض الوزراء كان هزيلًا كما هو حتى 2018، بحسب المسؤول الحكومي.

لماذا لا تفصح الحكومة عن مناصب الوزراء خارجها؟

حين تم اختيار وزيري التعاون الدولي والاتصالات في بنكيّ "فيصل" و"أبو ظبيّ"، كان الإعلان عن طريق البنكين وليس الحكومة المصرية، على اعتبار أن قواعد البورصة، تُجبر الشركات على الإعلان عن التغيرات الجوهرية بمجلس إدارتها.

حنان رمسيس الخبيرة الاقتصادية وعضو مجلس إدارة شركة الحرية للأوراق المالية
حنان رمسيس الخبيرة الاقتصادية وعضو مجلس إدارة شركة الحرية للأوراق المالية

حنان رمسيس، مُحللة أسواق المال، تفسر ذلك الأمر بقولها إن الحكومة لا تعلن على اعتبار أن الأمر لا يتضمن أي تعارض في المصالح؛ فمجلس الوزراء هو الذي يصدر الموافقة، لكن الشركات المقيدة بالبورصة يجب عليها الإفصاح وفقًا لقواعد سوق المال، وقبل ذلك يتم عقد جمعية عمومية تستطلع آراء كبار المساهمين قبل الموافقة على الاسم الذي يتم اختياره لعضوية مجلس الإدارة.

بالنسبة للبنوك، فإن وجود أسماء ثقيلة بمجالس إداراتها يعطيها المزيد من المصداقية بين المتعاملين في سوق المال، ما ينعكس على الأسهم، خاصة إذا كانت شركات قوية، فضلًا عن الجانب الاستشاري الذي يضيفه الأسماء الثقيلة، على المستوى المالي أو التقني.

وتضيف "رمسيس"، في حديثها لـ"فكر تاني"، أن فكرة الاستعانة بالوزير في عضوية مجلس الإدارة قبل خروجه على المعاش جديدة على مصر، لكن يجب التأكيد على نقطتين؛ أولهما أنه منصب غير تنفيذي أي رأيه استشاري فقط، وثانيًا أن ذلك الأمر أصبح دارجًا في الشركات الخليجية التي يكون فيها وزير أو رئيس وزراء مديرًا لشركة ضخمة، أو من كبار المساهمين فيها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة