الفقر.. جحيم آخر يواجهه الكوير في مصر

 

في الثامنة عشرة من عمري شاهدت أول حفل زفاف لامرأتين على اليوتيوب وهو نفس العام، الذي تم فيه تقنين زواج المثليين في أمريكا وبالتبعية شارك العديد من الأزواج من الجنس ذاته حفلات زفافهم وهو ما كان مشهد جديد عليّ كلياً في حينها.

أتذكر صدمتي وقتها، لأنني عرفت ميولي منذ سن مبكرة؛ لكن لم أعلم أن الزواج وتكوين أسرة لشخص مثلي الجنس، رفاهية ليست متاحة من الأساس في أي بقعة من العالم.

ظننت أن رحلة تصالحي وإعلاني عن ميولي ستشبه الأفلام الأمريكية، فتتصاعد الحبكة عند تصريح البطل بمثليته، فيتحرر ويتحقق كيانه ويعثر على شريك حياته؛ وأسوأ ما سيمر به هو رفض عائلته وبعض الأصدقاء له ولميوله الجنسية.

قد تبدو رؤيتي منفصلة عن الواقع، نظراً لكون المثلية مُجّرمة في مصر من الأساس؛ لكن ما لا يدركه البعض وما لم أدركه أنا في حينها هو أن أسوأ ما يواجه أفراد المجتمع الكويري ليس الملاحقة القانونية، بل الفقر.

اقرأ أيضًا:أن تعيش مكروها في مصر لأنك من مجتمع “الميم عين”

حين تكون الهوية رفاهية

التصور الشائع عن المجتمع الكويري في مصر أنهم مضطهدون وبؤساء؛ لكن الحقيقة هي أن بعضهم يعيش حياته بأريحية. يتلقون تعليمهم في بيئات آمنة في جامعة أجنبية، محاطون بعائلات متقبلة، يعيشون في علاقات طويلة الأمد، ولديهم دائرة معارف من المجتمع ذاته.

أنا شخصيًا لم أحظ بالقدر نفسه من الرفاهيات لكوني من الطبقة المتوسطة، إلا أني لم أعان من “اضطهاد” يذكر في محيطي، فأنا أعمل بشكل حر فلا أخضع لتسلط مدير أو زملاء عمل.

أتذكر أن أول فتاة واعدتها، حين التقيتها أول مرة، لاحقتني بالأسئلة، مثل: كيف سينتهي ذلك؟ ماذا عن الزواج؟ الأسرة والأطفال؟ لم ألتقها مرة أخرى وحين استدعيت ذكراها ضحكت.

حين أتذكر الأمر الآن استدعي شقة أسرتها البسيطة. لم تكن الوحيدة التي لاحقتني بأسئلة مشابهة أو خنقتني بتكتم مبالغ فيه بشأن علاقتنا خوفًا من اكتشاف أسرتها.

أن تكون مثليًا من أسرة معادية للمثلية ومتوسطة الدخل أو أدنى، يضعك أمام خيارين، إما العيش مع أسرتك وتحمل تسلطهم، أو الاستقلال والعيش منفصلاً.

تعرفت على فتاة مستقلة في أواخر عشريناتها، قلت لنفسي هذا ما ينبغي للجميع فعله! أن يحظى بالاستقلال المادي والمكاني. لكن ما عرفته فيما بعد هو أنها اضطرت للعمل في ثلاث وظائف مختلفة، لتتمكن من تحمل إيجار غرفة في شقة مشتركة، وكانت تنام على مرتبة فقط دون سرير وحتى عند هذا الحد لم يكن من السهل عليها الانسلاخ تماماً من أسرتها أو التخلص من تسلطهم.

حتى بعد الاستقلال وتحمل تبعاته القاسية، العديد ممن عرفتهم من الكوير، ملزمين بإعانة أسرهم ورعاية أبناء أشقائهم أو المساعدة في تجهيز متطلبات زواجهم. ليس اضطرارا وإنما شعور بأنه واجب، فهم لا يملكون رفاهية تكوين أسرهم الخاصة، فيكتفون بتكريس حياتهم لخدمة أسر أشقائهم المغايرين.

العديد من أفراد الميم-عين لا يملكون فرص الحصول على وظائف جيدة من الأساس. بسبب مظهرهم غير النمطي في أحيان أو لعدم حصولهم على أوراق ثبوتية تتوافق مع تعبيرهم الجندري، كحالة العبور الجنسي/الجندري. إلى جانب كون جزء كبير منهم لم يحظ بتعليم جيد نظراً لتكلفته العالية. فلا يتاح لهم سوى العمل في خدمة العملاء في عدد محدود من الشركات. وحتى مع السياسات المعلنة لتلك الشركات أنها متسامحة مع المثلية، لكن لا يمكن حمايتهم من مضايقات زملاء العمل أو انتهاك حقوقهم في بعض الأوقات.

الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تواجه أفراد الميم-عين ليست مقتصرة على مصر فقط. مما يعني أنه حتى وإن استطعت الفرار من مصر إلى بلد “ديمقراطي” ومتقبل للمجتمع الكويري مثل أمريكا. لا يعني ذلك إمكانية حصولك على أسرة أو شريك مدى الحياة، كونك محدود الدخل.

البهجة الكويرية في الأماكن الأكثر حلكة

بدا من السخف أن أعاود استهلاك محتوى الأزواج من الميم-عين عن “تكوين الأسر” في حين تتخلى عني صديقتي؛ خوفاً من اكتشاف أسرتها لعلاقتنا والتعرض للتشرد والعزلة. أو حين أعجز عن تحمل تكلفة موعد في مكان “راق”.

لكن؛ لا يعني ذلك أن يكون كل المحتوى الكويري المتاح لي عن الموت والأمراض والتعنيف فقط.

على الرغم من صعوبة التجربة الكويرية، إلا أن ذلك لا يعني حرماني من حق ما أسميه بـ “البهجة الكويرية”. البهجة التي شعرت حين واتتني الشجاعة للاعتراف بما أشعر، أو حين عثرت على دوائر آمنة تحيطني بالحب والتقبل، أو حين توقفت أمي عن انتقادي، بعد سنوات طويلة من الصراع، أو حين تكون هويتي الكويرية مخزوناً لإبداعي.

في صداقاتي مع أفراد كوير سمعت قصص مؤلمة، عن العنف الأسري والملاحقة القانونية وحتى معاناة اللجوء السياسي لبعضهم من اليمن والسودان في مصر. العامل المشترك بينهم كان الكفاح للاحتفاظ بهويتهم الجندرية وخلق فرص بديلة للعيش على طبيعتهم.

وفي هذه الظروف المأساوية من العزل والرفض نشأ مفهوم “العائلة البديلة”، حيث يلجأ لها من تم نبذه من أسرته البيولوجية بسبب هويته الجنسية أو الجندرية، فيتم احتواؤه من قبل فرد أو مجموعة من مجتمع الميم-عين، تحيطهم/ن هذه العائلة بالدعم المعنوي والمادي أحيانا. وأرى أن هذا تجسيد لمعنى “البهجة الكويرية” حتى في أحلك الظروف.

باريس تحترق: تمكين أصوات المهمشين

يصعب العثور على تجربة كويرية صادقة دون الغرق في الصعبانيات، لذلك أعتقد أن الفيلم الوثائقي Paris Is Burning من الأفلام القليلة التي استطاعت تجسيد هذه التجربة، مع اختلاف السياق الزماني والمكاني حيث تم تصويره في ثمانينيات القرن الماضي في أمريكا.

يتتبع الوثائقي حياة أفراد مجتمع الميم-عين في أمريكا من السود، وسط ظروف الفقر المدقع والرفض الاجتماعي والملاحقة القانونية.

على الرغم من أن معظمهم لا يحظى بفرص تعليم جيد أو وظائف جيدة، لكنهم نجحوا في خلق مساحات آمنة لهم ونظموا مسابقة سنوية للاستعراض الأدائي، تُمكنهم من ممارسة فن “الدراج” في تعبير حر عن أنفسهم، لا يمكنهم ممارسته علنا.

أن تكون مثلياً أو عابراً من خلفية اجتماعية واقتصادية راقية لا يماثل إطلاقاً أن تكون مثلياً أو عابراً لا يملك رفاهية توفير احتياجاته الأساسية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة