منحرفون ومتحولون.. هكذا ينشر الإعلام الكراهية ضد “الميم-عين”

باتت بعض وسائل الإعلام، وسيلة لنشر خطابات الكراهية خصوصًا ضد الأقليات العرقية والدينية والجندرية، وتعتبر الأخيرة هي الأقل حظاً عند الإشارة إليها حيث لا زالت القوانين تنظر إلى أصحابها على أنهم أقلية منحرفة جنسيًا.

ليس هذا وحسب بل تستغل تلك الوسائل كراهية المجتمع للميم-عين، فتحرض على كراهية المثليين/ات والعابرين/ات بكل الطرق الممكنة لتحقيق مشاهدات مرتفعة.

عابرون جنسيًا أم مثليون؟

قد لا يكون بعض مُقدمي تلك البرامج على دراية بمجتمع الميم-عين أو بالفارق بين العبور الجنسي والمثلية الجنسية، فيتم تقديمهم كأداة للسخرية، أو لا يُستعمل التصنيف الصحيح، فيصفون النوعين بالمثليين دون لفت النظر إلى وجود ما يسمى باضطراب الهوية الجندرية.

في إحدى حلقات برنامج “خلاصة الكلام” ظهر إعلامي في الشارع مع تمثال -مانيكان- وجذب المارة بحديثه لهم عن صديقه الذي حوله إلى امرأة وسأل عن اهتمامهم بتعميم الفكرة، ما بدا لي أنه تهكم وإهانة لعمليات العبور الجنسي.

لكن؛ ما أجده مثيرا للذعر، هو التناول السطحي وتحريض العامة على مزيد من السخرية والاستهزاء ووصم هذه الفئة.

اقرأ أيضاً: خرافات شائعة عن مجتمع الـ LGBT

وفي واقعة أخرى، استضافت الإعلامية بسمة وهبة في إحدى حلقات برنامج “هي مش فوضى”، رغد سلامة، وهي عارضة أزياء وممثلة لبنانية مقيمة في مصر، وعاملتها بأسلوب مهين.

وفي الحلقة التالية ادّعت وهبة دون سند قانوني، أن رغد هي امرأة “متحولة جنسيًا” بحد وصفها، وخضعت لعملية عبور جنسي ووصفتها بـ”المتحول” و”ست صناعية” وأن لها ميولا جنسية منحرفة، رغم نفي رغد سابقا لهذا الأمر ونفي محكمة القضاء الإداري بمصر التي قالت إنها أنثى منذ ولادتها.

كل هذا يؤكد أن وهبة كانت تسعى لإثارة الجدل والرأي العام بغض النظر أنها روت الحقيقة أو لا، أو أنها أهانت امرأة أو أهانت شريحة من المجتمع وهم العابرين/ات جنسيا.

وفي حلقة من برنامج “صبايا الخير” تناولت الإعلامية ريهام سعيد، قضية العبور الجنسي بشكل داعم -إلى حد ما- إذ تركت لضيوفها حرية التعبير عن أزمتهم مع اضطراب الهوية الجندرية وعن الصراعات التي عليهم خوضها مع المجتمع.

في نفس الحلقة ظهر بعض الأطباء الذين شرحوا وحللوا هذا الاضطراب، وأعرب أحدهم عن قلقه ورفضه لفكرة العبور الجنسي، خوفًا من نشر فكرة “إن كل المصريين كدة” وأردف الضيف:” أننا نعيش في عصر يتمنى الرجال فيه لو أصبحوا نساءً والعكس”.

توقعت أن يكون موقف هذا الطبيب داعمًا ومتفهمًا، بديلاً عن التنظير والسطحية على من يصفهم بمرض “اضطراب الهوية الجندرية”؛ وأن يظهر أقل استخفافا بقضيتهم.

ظهور مجتمع الميم عين في الإعلام

من البديهي أن تحجب السلطات الدكتاتورية كل ما يخص الأقليات، خاصة ما يتعلق بأفراد الميم-عين الذين كثر ظهورهم إعلاميا في السنوات الأخيرة.

في التسعينيات، إبان حكم مبارك، تم تطويع مواد قانون العقوبات بشكل ما لسجن من يشتبه في ممارسته المثلية وتحديدًا من الرجال؛ ولكن فيما بعد اتخذت هذه الحملات شكلاً أكثر توسعاً على الصعيدين الأمني والإعلامي وتحديداً واقعة “الكوين بوت” التي حدثت في مايو من عام 2001 حيث تم اعتقال وسجن 52 شخصا على متن المركب للاحتفال، ووجهت لهم تهم “الفجور” و”الفاحشة”.

شارك في تغطية تلك الواقعة العديد من وكالات الإعلام العربية بشكل واسع.

ويُرجح أن تلك التغطية المبالغ فيها كان هدفها تشتيت الشعب عن المشهد السياسي والاقتصادي المتردي للبلاد وقتها.

عقب ثورة يناير، بدأ مجتمع الميم عين في الظهور والتعبير عن الرأي، وعلى الرغم من تعاقب حكم الإخوان المسلمين لمصر بعد الثورة ونشر بعض الصور النمطية عن المثلية الجنسية عن طريق الإعلام، إلا أنه لم يتم رصد أي توسع في سن قوانين جديدة ضد العابرين/ات أو المثليين أو حتى التوسع في ملاحقتهم أمنياً.

لكن، في عام 2017 أصدر “المجلس الأعلى للإعلام” قرارًا يحظر ظهور المثليين في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، ويحظر الترويج لشعارات المثليين أو نشرها وذلك على خلفية رفع علم الفخر في حفلة موسيقية.

مجددًا، أغلب الإعلاميين في العالم العربي وشمال إفريقيا، لا يفرقون بين المثلية الجنسية والعبور الجنسي، رغم أن لكل منهما تعريفا مختلفا ولكنهم على علاقة وثيقة فكلاهما أقلية جندرية خاصةً وأن القانون المصري لا يعترف بالنوع الاجتماعي.

قد يكون نتيجة طبيعية لنشر بعض وسائل الإعلام المزيد من خطابات الكراهية والصور النمطية منذ منتصف 2013 حتى واقعة رفع علم الفخر 2017، اعتقال مثليين أو عابرين جنسيًّا، حيث حوكم الكثير منهم بقانون “تجريم الدعارة والفجور”، وفقاً للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية التي وثقت 232 قضية على هذا المنوال.

هل الحل في منصات التواصل الاجتماعي؟

نشرت منظمة “آوت رايت أكشن الدولية” في 2017 دراسة تفيد بأن وسائل الإعلام العربية تميل إلى استخدام “عبارات مهينة وازدرائية” عند طرح قضايا مجتمع الميم، وكثيرًا ما تستخدم الدين لتبرير المواقف المعادية للعابرين/ات جنسيًّا، والمثليين والمثليات.

عند النظر إلى محرك ثورة يناير، فهو بلا شك منصات التواصل الاجتماعي التي لعبت دورًا مهمًا بعد الثورة وحتى اليوم، على الرغم من مشاكل البنية التحتية في مصر التي قد تعيق عمل الإنترنت بكفاءة إلا أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أدى إلى تغيير العديد من المفاهيم وجذب الانتباه إلى أنماط معيشية وفكرية مختلفة.

ربما تكون منصات التواصل الاجتماعي أملاً جديدًا في تعبير مجتمع ميم عين عن آرائهم التي سعت وسائل الإعلام التقليدية لتكفينها.

قد يرى البعض أن سياسات هذه المنصات تقف أحيانا كعائق في نشر آرائهم لتكون أداة قمعية أخرى، تسعى لجذب المزيد من المستهلكين عن طريق عرض مواد جاذبة لانتباه المستهلك وليست مواد تطرح أفكارا جديدة.

أحياناً قد تشكل هذه السياسات أداة لنشر المزيد من خطابات الكراهية الموجهة لجميع الأقليات ولكن على الأقل تعد متنفسًا جديدًا لطرح وجهات نظر الأقليات الجندرية.

إقرأ أيضاً:أن تعيش مكروها في مصر لأنك من مجتمع “الميم عين”

أمل في كفالة حق الرأي للجميع

تنص المادة 65 من الدستور المصري على أن “حرية الفكر، والرأي مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر” ولذلك فإن حجب ظهور مجتمع الميم عين في الإعلام وتوجيه المزيد من خطابات الكراهية هو نقيض ذلك.

لضمان تحقيق “حق التعبير عن الرأي” للجميع بما فيهم الأقليات الجندرية، فيجب النظر في اللوائح الإعلامية والقوانين التي تقرر هذا الحق بل والتي تقر بحق المتضرر في التقاضي.

تقع مسؤولية تحديد خطاب الكراهية على الإعلام والمتلقي، فعلى الإعلام تحديد الهدف من الخطاب وفحصه، إن كان يتضمن أي صور نمطية وإن كان خاليًا من العنف أم لا، فيما بعد لابد وأن يبحث المتلقي عن السياق الصحيح للخطاب واللجوء للقضاء إن تطلب الأمر عند توجيه خطاب عنيف.

قد تستفيد مصر من تجارب سابقة في دول أخرى لوقف كل خطاب محتواه الكراهية ضد العابرين/ات، ففي عام 2021 بالنرويج، تم إقرار المادة 185 من القانون الجنائي لحماية الهوية الجنسية والتعبير الجنسي من خطاب الكراهية.

وفي أكتوبر 2022، صدر أول حكم من المحكمة العليا في هذا الشأن. جاء نص المحكمة أنه  “لسنا بحاجة للوصول إلى عتبة الإجرام للقول إن المرأة المتحولة لا يمكن اعتبارها امرأة”   الصياغة اللغوية تشير إلى أن المحكمة العليا ترى أن مثل هذه التصريحات خاضعة للعقاب. كما سلطت المحكمة الضوء على السخرية من الهوية الجنسية كمعيار التقييم في هذه القضية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة