خلال الأسبوع العالمي للتوعية بالتحرش الجنسي أطلقت مؤسسة “إدراك” للتنمية والمساواة حملة بعنوان “شغلي الآمن أولوية” التي تناقش كيف تكون بيئة العمل في مصر آمنة للنساء وضرورة توفير الحماية اللازمة للعاملات كونهن الفئة الأكبر التي يقع عليها أشكال مختلفة من الاعتداءات والتمييز في بيئة العمل، وتأتي الحملة التي بدأت يوم 28 أبريل الجاري بالتزامن مع اليوم العالمي للسلامة والصحة المهنية في أماكن العمل، وتستمر حتى يوم 1 مايو وهو اليوم العالمي للعمال.
شارك في الحملة عدد من المؤسسات والمبادرات المعنية بالشأن النسوي وحقوق المرأة وهم: مؤسسة مصريين بلا حدود للتنمية، مؤسسة جنوبية حرة، منظمة جهود لدعم المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، مبادرة سوبر وومن، مؤسسة النون لرعاية الأسرة، منصة سلمون بودكاست.
وقد نظمت الحملة ويبينار بعنوان “نحو بيئة عمل آمنة للنساء في مصر” كجزء من فعالياتها، شاركت فيه الأستاذة غادة إبراهيم رئيس الإدارة المركزية للسلامة المهنية وتأمين بيئة العمل في وزارة القوى العاملة، والأستاذة منى عزت رئيسة مجلس الأمناء بمؤسسة النون لرعاية الأسرة. ناقش الويبينار عدة محاور أبرزها الاتفاقية رقم 190 لمنظمة العمل الدولية، والجهود الوطنية وجهود المجتمع المدني في توفير بيئة عمل آمنة للنساء.
أهمية الاتفاقية رقم 190 في مجال العمل
وضحت منى عزت خلال الويبينار أهمية اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن العنف والتحرش رقم 190 والتوصية المرافقة لها رقم 206، وهي حق الجميع في عالم عمل خال من العنف والتحرش، بما في ذلك العنف والتحرش القائم على نوع الجنس، مشيرة إلى أن هذه الإتفاقية هي أول اتفاقية تصدر من منظمة العمل معنية بالتحرش والعنف أثناء العمل والتي تم التصديق عليها كونها تمثل الواقع الحقيقي المقدم في تقارير من جميع الحكومات في الدول التابعة لمنظمة العمل الدولية.
كما أن هذه الاتفاقية تعتبر شاملة للجنسين وتغطي جميع أشكال العنف والتحرش، سواء كان ذلك شفهيًا أو جسديًا أو اجتماعيًا أو جنسيًا أو نفسيًا، والذي يحدث في أي وقت وفي أي مكان في جميع الأماكن والظروف المتعلقة بالعمل، بغض النظر عن موقع أو حجم أو قطاع أو نوع المؤسسة، وهذا يتناسب مع التطور التكنولوجي والرقمنة في عالم الأعمال الذي يخلق أشكال ومجالات عمل جديدة ومختلفة بشكل دوري.
شرحت “عزت” أبرز بنود هذه الاتفاقية، منها أن الأطراف الثلاثة (أصحاب العمل والنقابات والعمال) تقع عليهم مسؤولية العمل معًا من خلال الحوار المجتمعي لحل المشكلات الخاصة بالعمل، وأن المنشأة أو مكان العمل عليه مسؤولية إعداد سياسات معلنة للحماية داخل المنشأة وإيجاد آليات للشكوى تحمي وتحترم السرية والخصوصية للمبلغين والمبلغات والشهود أيضًا عن وقائع العنف والتحرش، كما عليه تلقي الشكوى والتحقيق فيها على أن يمتثل -مكان العمل- لرغبة المتضرر/رة في حال طلب نقل إلى مكان آخر غير الذي وقع عليه/ها العنف فيه، بالإضافة إلى رصد وتحليل الشكاوى المقدمة ومتابعتها.
أيضًا تحدثت عن دور مكاتب التفتيش- مثل مكتب الصحة والسلامة المهنية في مصر- في تطبيق القوانين التي تجرم العنف والتحرش في أماكن العمل وتقديم أشكال الدعم المختلفة للناجي/الناجية، ونوهت “عزت” عن ضرورة إتاحة الفرصة للأطراف الثلاثة للقيام بدورهم دون أن يطغى طرف منهم على دور الآخر، بالإضافة لعمل تدريب وتأهيل للأطراف المعنية على تلقي الشكوى والاستماع ووضع السياسات وإيجاد الثغرات وغيرها من الإجراءات التي تضمن العدالة والإنصاف وتحقق المساواة والأمان في بيئة العمل. وحتى الآن صادقت 36 دولة على الاتفاقية من أصل 187 دولة تابعة لمنظمة العمل الدولية.
لماذا لم تصدق مصر على اتفاقية 190؟
تأكد “عزت” على ضرورة سرعة تصديق مصر على الاتفاقية رقم 190 الخاصة بالعنف والتحرش في مجال العمل، حيث أن ذلك سيعد إلزامًا بموجب قوانين العمل على تطبيق بنود هذه الإتفاقية داخل المؤسسات، وأشارت إلى جهود المجتمع المدني في السنوات الأخيرة في تمرير مشروعات قوانين للبرلمان معنية بتجريم العنف في أماكن العمل. كما أن التصديق على الاتفاقية سيحافظ على استمرارية تواجد العمالة في بيئة العمل، وزيادة الكفاءة والإنتاجية، أيضًا سيقلل من التكلفة الإقتصادية للعنف في أماكن العمل، وكفالة حق جميع العاملين والعاملات في بيئة عمل آمنة خالية من التمييز والعنف.
بخصوص عدم تصديق مصر على الاتفاقية حتى الآن وضحت “غادة إبراهيم” أنه حتى ولو لم تصدق مصر على الاتفاقية، فإن مصر كعضو فاعل في منظمة العمل الدولية فهي ملتزمة بالتوافق مع المعايير والاتفاقيات والتوصيات الدولية الخاصة بها، وأنه من اللازم أن نكون على استعداد تام لتطبيق وتنفيذ كافة الخطوات قبل التصديق على الإتفاقيات وأننا بالفعل نقوم بجهود كثيرة للتمهيد لهذا الأمر حيث أن توفير بيئة العمل الآمنة لجميع العاملين والمساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات يعد من أهم توجهات وزارة العمل في الوقت الحالي، خاصة وأن المرأة المصرية شريك هام في تكوين المجتمع المصري عضو فاعل ومنتج لها حقوق وعليها التزامات وتستحق كامل الدعم والأمان.
وأشارت “إبراهيم” إلى “وحدة المساواة بين الجنسين والتمكين الاقتصادي للمرأة” بوزارة العمل، والتى تم إنشاؤها عام 2019 كأبرز جهود الوزارة نحو تمكين المرأة، والتي حققت عدد من الإنجازات أبرزها قرار وزير العمل رقم 43 و44، بإلغاء المهن المحظورة على النساء، والسماح لهن بالعمل ليلًا مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لحمايتهن، وتوفير بيئة عمل آمنة، وتوفير وسيلة انتقال وفقا لمًا يحدده القانون.
اقرأ أيضًا: مهن لا تعمل فيها النساء بحكم القانون.. تمييز أم حماية؟
أيضًا من الجهود تحدثت عن “مدونة السلوك الوظيفي ضد العنف والتحرش في بيئة العمل” سواء كان التحرش بالقول أوالفعل أو الإشارة أو نص مكتوب وغيرها، وكيف أن بنود هذه المدونة وضعت بالتوافق مع بنود الاتفاقية رقم 190 والتوصية رقم 206 الملحقة بها، أما عن الأطر التشريعية التي قامت عليها المدونة فهي الدستور المصري، وقانون العمل 12لسنة 2003، وقانون العقوبات المصري. وفيما يخص الإطار القيمي للمدونة فعلى رأسها يأتي احترام القانون، الحيادية،النزاهة،الشفافية، وحق الشكوى واحترام الخصوصية للضحايا، والرقابة المستمرة والدعم.
وذكرت دكتورة غادة عدد من الاستراتيجيات التي ستساعد في تحقيق أهداف المدونة، وعلى رأسها التثقيف والتوعية للعمال والنقابات وأصحاب العمل بمفهوم ومعنى العنف والتحرش وأنواعهم والمخاطر المترتبة عليهم خاصة المتعلقة بالشق النفسي، وما قد تتسبب فيه هذه الممارسات من أضرار وحوادث وإحداث خلل وضعف في بيئة العمل، وكيف يقلل ذلك الإنتاجية ويؤثر على الروح الإيجابية التي يجب أن تسود بيئة العمل.
وتؤكد على أنه بالتوازي مع ما سبق يأتي دور الوزارة في التفتيش والرقابة كما ذكرت “عزت” سابقًا، وأنهم يقومون بخطوات فاعلة لحماية المرأة في بيئة العمل، مثل مطالبتهم بإدراج سياسة ضد العنف والتحرش ضمن سياسات المنشأة الخاصة بالسلامة والصحية المهنية، ووجود مرافق صحية ملائمة وآمنة للمرأة وتحترم الخصوصية، وإحكام الرقابة داخل المنشأة وضرورة وجود “وحدة إبلاغ” داخل كل منشأة عن مخاطر بيئة العمل أو حالات العنف والتحرش والسلوكيات الغير آمنة، يقوم عليها أشخاص موثوقين ومسؤولين يتسمون بالخصوصية والشفافية.
كما أطلقت وزارة العمل “الدليل الإرشادي لمفتشي وزارة العمل حول التفتيش المراعي للمساواة بين الجنسين والانتقال العادل”، الذي يستخدم كدليل تكميلي لقوائم مكتب التفتيش سواء على مستوى العمل أو السلامة والصحة المهنية، ويهدف في المساعدة على فتح الحوار الإجتماعي حول قضايا العنف والتمييز القائم على النوع الإجتماعي، كما يحفز صاحب العمل على زيادة عدد العاملات من النساء وتغيير ثقافة المجتمع حول عدد من المفاهيم التمييزية.
وعن قانون العمل الجديد أشارت “إبراهيم” أنه توجد الآن بعض المواد محل المناقشة في قانون العمل داخل البرلمان لمناهضة العنف في أماكن العمل في مصر، منها مادة ستكون فاعلة في القانون الجديد وهي مخصصة للمخاطر السلوكية ومخاطر العنف والتحرش في بيئة العمل توجب الالتزام بالكشف والتقييم النفسي والسلوكي قبل الالتحاق بالعمل مع الالتزام بعمل هذه الكشوفات الطبية بشكل دوري لضمان سواء العاملين وخلوهم من الأمراض النفسية المؤذية.
