قطر وإسرائيل.. من يملك أوراق ضغط أقوى في حرب غزة؟

تتمتع قطر، الإمارة الصغيرة الواقعة على الخليج العربي، منذ فترة طويلة بنفوذ لا مثيل له على حماس، القوة الحاكمة في غزة. وهي تهدد الآن بسحب خدماتها كوسيط بين حماس وإسرائيل، ما لم يوقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حملة التشهير ضد قطر. وبناءً عليه قد يصبح مصير بقية الرهائن الإسرائيليين في غزة معلقًا في ميزان هذا النزاع الدبلوماسي الجديد، كما تقول أنشال فوهرا الكاتبة المتخصصة في الشرق الأوسط في مجلة "فورين بوليسي".


أنشال فوهرا كاتبة عمود في مجلة "فورين بوليسي"، مقيمة في بروكسل وتكتب عن أوروبا والشرق الأوسط وجنوب آسيا. قامت بتغطية شؤون الشرق الأوسط لصحيفة التايمز اللندنية، وكانت مراسلة تلفزيونية لقناة الجزيرة الإنجليزية ودويتشه فيله.


في الأسبوع الماضي، قال رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إن عملية الوساطة أُسيء استخدامها لتحقيق "مصالح سياسية ضيقة"، وإن قطر ستتخذ "القرار المناسب في الوقت المناسب".

"هذه كانت رسالة موجهة إلى نتنياهو"؛ قال مسؤول عربي تحدث إلى مجلة "فورين بوليسي". وبحسب ما ورد يعتقد المسؤولون القطريون أن نتنياهو يؤخر عمدًا إطلاق سراح محتمل للرهائن؛ لإطالة أمد الحرب والبقاء في السلطة. ومن خلال التهديد بالانسحاب من المفاوضات، يعتقدون أن بإمكانهم الضغط على نتنياهو لتوضيح ما إذا كان التفاوض على إطلاق سراح الرهائن يشكل أولوية بالنسبة له أم لا.

وقال مسؤول قطري تحدث إلى مجلة "فورين بوليسي" -بشرط عدم الكشف عن هويته- نظرًا لحساسية الأمر: "نحن نتفاوض فقط عندما يريد الطرفان منا ذلك".

أهمية قطر في التفاوض

 

يعرف نتنياهو أن قطر ضرورية للمفاوضات بسبب النفوذ الذي اكتسبته لدى حماس في السنوات التي سبقت الحرب الحالية. فقد أرسلت قطر مساعدات بقيمة 1.3 مليار دولار إلى غزة بين عامي 2012 و2021، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تعزل القطاع. كما منحت قطر حركة حماس مصداقية دولية من خلال منح ممثليها وقتًا للبث على قناة "الجزيرة".

اقرأ أيضًا: رفح.. متى يبدأ الاجتياح؟

كذلك، تدرك قطر جيدًا موقعها الدبلوماسي الفريد، وهي تتمتع بالأضواء على الساحة العالمية. ومع ذلك، كانت هناك أسئلة مشروعة حول نوايا قطر، كما تقول كاتبة "فورين بوليسي"، التي تقول إن هناك شك قوي في إسرائيل وفي أجزاء من الحكومة الأمريكية بأن قطر منحازة لصالح حماس وتدفع باتجاه أجندتها. ويقولون إن الدوحة يمكن أن تجبر حماس بشكل أكثر فعالية إذا هددت قادتها الذين يقيمون في قطر بالطرد، أو التسليم إلى دولة تدرج حماس كمنظمة إرهابية.

وقد بدأت قطر في استضافة حماس في عام 2012 بعد أن اصطدمت الجماعة بالرئيس السوري بشار الأسد، وادعت أنها فتحت أبوابها بناءً على طلب الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما. لكن مجلة "فورين بوليسي" علمت من المسؤول العربي المذكور آنفًا والمطلع على المفاوضات أنه على الرغم من الضغوط الحزبية من المشرعين الديمقراطيين والجمهوريين، فإن قطر لم تطلب بعد من "حماس" الانتقال إلى مكان آخر.

أمريكا خلف إسرائيل مجددًا ضد العرب

في الأسبوع الماضي، اتهم النائب الأمريكي ستيني هوير قطر بعرقلة المفاوضات، وإساءة استخدام دورها كوسيط. وكان خامس مشرع يحث الكونجرس على إلغاء وضع قطر كحليف رئيسي من خارج الناتو الممنوح للدولة العربية في عام 2022 لدعم عمليات الإجلاء من أفغانستان.

إن أي خفض من هذا القبيل لن يشكل إحراجًا عالميًا لقطر فحسب، بل سيضعها في مرتبة أدنى من مصر والمنافسين الآخرين في المنطقة الذين يحملون التصنيف نفسه.

وقال هوير في بيان: "على قطر أن توضح لحماس أنه ستكون هناك تداعيات". وفي وقت سابق من هذا الشهر، قدم السيناتور الجمهوري تيد بود، وجوني إرنست، وريك سكوت مشروع قانون يطالب الولايات المتحدة بإجراء مراجعة "لإنهاء التصنيف" إذا لم تقم قطر بطرد أو تسليم قادة حماس، "بما في ذلك إسماعيل هنية، وخليل الحية وخالد مشعل" أكبر قادتها.

وقالت أورلي جيلبوا -والدة دانييلا جيلبوا التي تحتجزها حماس كرهينة منذ 7 أكتوبر 2023- إن ضغط الولايات المتحدة على قطر يمكن أن ينجح. وقالت لمجلة "فورين بوليسي"، عبر تطبيق Zoom: "قطر تدعم حماس، لكنهم يريدون علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، لذلك سيفعلون ما تريد الولايات المتحدة منهم أن يفعلوه".

لكن بعض المشرعين الأمريكيين قالوا إن التحرك لإلغاء الوضع سابق لأوانه وغير مبرر. وقد شجع ذلك الدوحة على الاستمرار في هذا المسار، كما تقول كاتبة "فورين بوليسي" أنشال فوهرا.

لكن المسؤول العربي يعتقد أن الذين طلبوا تجريد قطر من التصنيف ربما يكونون من المشرعين المؤيدين لنتنياهو ولا يتحدثون باسم المكتب البيضاوي. ويزعم "تشريع بود" أنه إذا كانت حماس ترفض المفاوضات "المعقولة"، فليس هناك من الأسباب ما قد يدفع قطر إلى الاستمرار في استضافة المكتب السياسي لحماس أو أعضائها، وهو ما يردد وجهة نظر كثيرين في المجتمع الأمني ​​الإسرائيلي.

ما تريده قطر وحماس وما تريده إسرائيل وأمريكا

وبينما تتوقع إسرائيل أن تتمكن قطر من إقناع حماس بإطلاق سراح الرهائن، ثم تعتزم استئناف الحرب للقضاء على الجماعة بالكامل في غزة، تجد قطر ميزة في مطالبة حماس بوقف دائم لإطلاق النار. وهذا هو جوهر الخلاف بين قطر وإسرائيل.

وقال مسؤول عربي مطلع على المفاوضات: "لا أعتقد أن هذا طلب غير معقول.. إذا أطلقوا سراح جميع الرهائن، فإنهم يريدون نهاية للحرب".

اقرأ أيضًا: لماذا تلقي الحدأة “ميناء توت” على قطاع غزة؟

ومع ذلك، فإن المجتمع الأمني ​​الإسرائيلي يشتبه في أن هذا ليس كل ما تريده حماس. ويقولون إنه كان من الممكن أن تنتهي الحرب لو وافقت حماس على نزع سلاحها والانسحاب من غزة. وتنقل المجلة الأمريكية عن عيران ليرمان، النائب السابق لمستشار الأمن القومي الإسرائيلي: "لا يمكننا أن نمنح حماس النصر بعد ما فعلوه، نرفض العيش مع حماس كجيران لنا. ولا يقتصر الأمر على نتنياهو فحسب، بل هناك دعم واسع النطاق لسياسة القضاء على حماس. إن إسرائيل مستعدة لعرض هدنة مؤقتة فقط حتى يتم هزيمة حماس".

طرد قادة حماس بقطر "لن يغير شيئًا"

وتؤكد الدوحة أنه بما أن الحرب قد حدت من قدرتها على إرسال المساعدات إلى غزة، فهي ببساطة لا تملك ذلك النوع من النفوذ الذي كانت تتمتع به ذات يوم على قادة حماس الذين يحتجزون الرهائن داخل غزة.

وقال مسؤول عربي مطلع على المفاوضات: "السنوار يفضل الموت داخل غزة على الموافقة على صفقة للمغادرة"، في إشارة إلى يحيى السنوار، زعيم حماس داخل غزة، والذي كان وراء هجوم 7 أكتوبر.

وأضاف المسؤول العربي أن التهديد بطرد قيادات حماس السياسية من قطر لن يحقق الضغط المنشود على حماس. إذ أن السنوار، الذي يتخذ القرارات النهائية بشأن مفاوضات الرهائن، لا يهتم بممثلي مجموعته السياسيين أو أين يعيشون "سواء في قطر أو تركيا أو عمان أو إيران".

كما أن إسرائيل لا تهتم بالمكان الذي يقيم فيه زعماء حماس، وقد أعلنت بالفعل أنها سوف تلاحقهم أينما اختاروا الاختباء. لكن القادة الإسرائيليين يقولون إنهم يركزون على المدى القصير على إعادة الرهائن والقضاء على حماس داخل غزة.

مصر أم قطر.. أيهما أكثر نفوذًا تفاوضيًا؟

وقال ليرمان إن مصر شاركت بالفعل جزئيًا في المفاوضات، مشيرًا إلى أنها يمكن أن تصبح نقطة اتصال واحدة مع حماس إذا لم تنجح قطر في التوسط لإطلاق سراح الرهائن مقابل هدنة مؤقتة وليس وقف دائم لإطلاق النار. وقال: "ليس الأمر كما لو أنه لن تبقى لدينا قناة اتصال.. إذا لم تتمكن قطر من الوفاء بمزاعمها بأن لديها نفوذًا على حماس، فما الفائدة إذن؟".

ويعتقد البعض في المجتمع الأمني ​​الإسرائيلي أنه بمجرد تنفيذ عملية رفح التي طال انتظارها وإخضاع قطاع غزة بأكمله للاحتلال الإسرائيلي، فإن قادة حماس وأعضائها سيكونون في حالة فرار للنجاة بحياتهم، وأكثر ميلًا لقبول صفقة بشأن غزة.

ويقول ليرمان: "ستشعر حماس بنوع مختلف تمامًا من التهديد عما تشعر به الآن، وهذا سيغير رأيها".

وتعلق كاتبة "فورين بوليسي" بأن هذه مقامرة صعبة. إذا انسحبت قطر، فإن إسرائيل تخاطر بخسارة وسيط يتمتع بنفوذ أكبر على حماس من أي دولة عربية أخرى، وإذا فشلت الدوحة في ضمان إطلاق سراح الرهائن بشكل آمن، فقد يؤدي ذلك إلى الإضرار بعلاقاتها مع الولايات المتحدة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة