على مدار عقود، افتخرت شركة "نستله" السويسرية، أكبر شركة لأغذية الأطفال الرضع في العالم، بعدم إضافة السكر إلى تركيبات الأطفال، ليتبين أنها تكيل بمكيالين؛ فبينما حافظت على تلك القاعدة في أوروبا وأمريكا، كسرتها بقوة في المنتجات التي تبيعها بالدول النامية، في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية.
تواجه الشركة العملاقة حاليًا، فضيحة كبرى، بعدما تبين أن علب سيريلاك للأطفال، أحد منتجاتها للرضع الذين تزيد أعمارهم عن ستة أشهر، تحتوي على ستة جرامات من السكر لكل وجبة (تعادل مكعب ونصف من السكر)، رغم أن المنتج المماثل في سويسرا، يخلو من السكريات تمامًا.
تسيطر شركة نستله على 20% من سوق حليب الأطفال في العالم، حسبما يقول رئيس قسم التغذية بها تييري فيلااردو، الذي أكد أن 15 مليون طفل يعتمدون على منتجاتها في العالم.
قامت منظمة "بابليك أي" وشبكة العمل الدولية لأغذية الأطفال بتحليل مكونات حوالي 100 من أغذية الأطفال التي تبيعها شركة نستله حول العالم، ليتضح أن الشركة نجحت في التخلص من السكريات المضافة بأوروبا، لكنها تستخدمها على نطاق واسع في منتجات الأطفال المخصصة للبلدان ذات الدخل المنخفض.
يتنافى ذلك تمامًا مع دعوة منظمة الصحة العالمية بتخفيض كمية السكر في النظام الغذائي للأطفال الصغار بشكل كبير، وخاصة لمكافحة السمنة.
تضاعفت معدلات السمنة في جميع أنحاء العالم منذ عام 1990. كما تضاعفت نسبة الأطفال والمراهقين الذين يعانون من السمنة المفرطة أربعة أضعاف، لتصل إلى 8% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و19 عاما.
اقرأ أيضًا:ألبان الأطفال.. “الببرونة” لا تزال في مأزق
الشركة العالمية تستهدف إدمان الأطفال لمنتجاتها
يقول لوران جابريل، المؤلف المشارك في تحقيق "بابليك أي"، إنه عبر إضافة السكر لمنتجات نسلة فإنها تخلق إدمان الأطفال لمنتجاتها لأنهم يحبون طعم السكر، ما يجعلهم يطلبون المزيد في المستقبل"
من بين 78 صنفًا من منتجات العلامة التجارية "سيريلاك" تم شراؤها في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، كان 75 منها يحتوي على سكر مضاف، بمتوسط 4 جرام - أي ما يعادل مكعب سكر واحد تقريبًا - لكل وجبة.
في الفلبين، على سبيل المثال كانت النسبة أكبر ليتضح أنها 7.3 جرام لكل حصة لأحد المنتجات في العينة، والأطفال الذين تبلغ أعمارهم ستة أشهر فما فوق يحصلون على حصتين يوميًا أي قرابة 15 جرام سكر.
بعد أن كانت السمنة مرتبطة بالبلدان ذات الدخل المرتفع، أصبحت الآن مشكلة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وفقا للعديد من الإحصائيات العالمية.
ألبان نيدو تحتوى على العسل
تروج شركة "نستلة" لألبان نيدو على أنها "خالية من السكروز"، رغم من أنها تحتوي على سكر مضاف على شكل عسل، وهو أمر حذرت منه أيضًا منظمة الصحة العالمية، فالعسل والسكروز لا ينبغي إضافتهما إلى أغذية الأطفال، ويمكن أن يساهم كلاهما في "زيادة الوزن وحتى السمنة".
بالنسبة لنيدو، تم العثور على أعلى محتوى سكر في عينات بنما، بمعدل 5.3 جرام لكل وجبة، ثم جاءت نيكاراجوا 4.7 جرام؛ المكسيك 1.8 جرام؛ كوستاريكا 1.6 جرام؛ جنوب أفريقيا 0.9 جرام؛ وإندونيسيا 0.7 جرام.
وعندما سُئلت نستله عن هذه الممارسات، أعطت إجابة عامة: "جميع وصفاتنا تتوافق مع القوانين الدولية والمحلية، بما في ذلك متطلبات وضع العلامات".
وأضافت الشركة المتعددة الجنسيات أن "الاختلافات الطفيفة في الوصفات من بلد إلى آخر تعتمد على عدد من العوامل، بما في ذلك القوانين، دون المساس بجودة منتجاتنا".
لكن تحقيق "بابليك أي" ألقى الضوء أيضًا على الممارسات التسويقية لشركة الأغذية العملاقة. على علبة Mucilon التي تباع في البرازيل (أي ما يعادل سيريلاك)، تنص على أنها "تساهم في المناعة ونمو الدماغ".
يضيف لوران جابرييل: "أحد الجوانب الرئيسية لاستراتيجية نستله التسويقية ما نسميه بالتسويق الطبي، ويوضح أن ذلك يتضمن إشراك المهنيين الصحيين في الترويج المباشر أو غير المباشر لمنتجاتهم، وعلى سبيل المثال، أخصائي التغذية في بنما يوصون بمنتجات "نيدو 1" على القنوات الإلكترونية، رغم أنها تحتوي على ما يقرب من مربعين من السكر لكل حصة".
واستطاعت الشركة اللعب على وتر الجسم المثالي للسيدات من أجل إحلال منتجاتها بديًلأ عن الرضاعة الطبيعية عبر استخدام الإعلانات، وفتيات المبيعات اللاتي يرتدين زي الممرضات، وتوزيع العينات والهدايا المجانية التي تقنع الأمهات بالتخلي عن الرضاعة الطبيعية.
إنكار الواقع في الدول الإفريقية
قبل خمسين عامًا، تورطت شركة الأغذية العملاقة في فضيحة أخرى لحليب الأطفال عُرفت باسم "قاتل الأطفال"، والتي أدت إلى إنشاء المدونة الدولية لمنظمة الصحة العالمية في عام 1981.
بعض الشركات المحلية التابعة لنسلته، مثل "نستله نيجيريا" نفت إضافة السكر إلى منتجاتها المباعة في نيجيريا، وأصرت على أنها لا تنتهك المبادئ التوجيهية العالمية لحليب الأطفال، مدافعة عن الشركة الأم قائلة إنها تقدم نفس مبادئ التغذية والصحة والعافية في كل مكان في العالم، وتكرر الأمر في نسلته غانا التي قالت إنها لا تضيف السكريات إلى حليب الأطفال،
يأتي ذلك بينما كشفت النتائج أن سيريلاك نيجيريا في المرتبة الثانية من حيث محتوى السكر حيث بلغ 6.8 جرام لكل وجبة، تأتي بعد الفلبين التي لديها 7.3 جرام، كما احتلت نيجيريا المرتبة السابعة من بين 10 دول ذات نسبة عالية من السكر في نيدو مثلها مثل السنغال بـ 0.6 جرام.
ما واقع مصر؟
في مصر، لم تعلق نسلته مصر والسودان على الأزمة من قريب أو بعيد رغم أن الشركة تمتلك 3 مصانع متخصصة في إنتاج المنتجات الجافة والمياه والقهوة، و65 خط إنتاج يعمل في 10 قطاعات مختلفة.
لم تتحرك أيضا الجهات الرسمية ممثلة في وزارة الصحة وهيئة سلامة الغذاء في الأزمة حاليا، وكان رد الفعل الوحيد من جمعية الحق في الدواء التي قالت إنها تتابع التحقيقات والأصناف التي تضمنتها خاصة اللبن الصناعي ( نيدو ) و(سيرلاك).
وطالبت جمعية الحق في الدواء هيئة سلامة الغذاء المصرية بسحب عينات وإجراء تحقيقات واسعة لحماية الأطفال الرضع حتى سن سنتين في مصر وإعلان الرأي العام بالنتائج في شفافية واضحة.
وقال الدكتور محمود فؤاد، مدير مركز الحق في الدواء، الفرع الإقليمي لمصر وإفريقيا بضرورة الرد القانوني والأخلاقي على الاتهامات الخطيرة، خاصة أن تلك الأصناف تصيب الأطفال بأمراض خطيرة مثل السمنة والسكري.
نسب كبيرة لإصابة الأطفال بالسكر والسمنة بمصر
بحسب بيانات وزارة الصحة، فإن نسبة الأطفال الذين يعانون من زيادة الوزن 19٪ فى المناطق الحضرية، بينما تبلغ النسب أقل في المناطق الريفية والصعيد التي تعتمد فيها الأمهات على الرضاعة الطبيعية لتبلغ نسبة السمنة بين الأطفال عموما في مصر 11.5%.
وقال فؤاد، لـ"فكر تاني"، إن منتجات نسلته تباع في مصر، وسنجمع عينات من منتجاتها الخاصة بالرضع وسنرسلها للتحليل في الخارح، لمعرفة مدى التزامها بالمعايير وفي حال عدم التزامها، سنطلب سحب منتجاتها محليًا ومطالبتها بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بصحة الأطفال خاصة الأمراض المزمنة.
أضاف فؤاد: "هناك تساؤلات كبيرة بين أطباء الأطفال في مصر بخصوص زيادة نسبة الإصابة بالسكري بين الأطفال، ويجب على وزارة الصحة التحرك في قضية نسلته ففضلاً عن تأثيرها على الأطفال تكبد الموازنة أيضًا أعباء علاج للمرضى."
بحسب أستاذ السكر والغدد الصماء بكلية الطب في جامعة الزقازيق عباس عرابي، فإن اتحاد السكر الفيدرالي العالمي، أكد أن مصر تحتل المركز العاشر على مستوى دول العالم في إصابة الأطفال والبالغين بمرض السكري من النوع الأول بها.
وجاءت مصر بين الدول العربية الأعلى بعدد المصابين بمرض السكري الذين تتراوح أعمارهم ما بين 20 و79 عامًا، لتصل نسبتهم إلى %20.9 وإجمالي عددهم إلى 10.9 مليون شخص خلال عام 2021، وفقُا لمنظمة الاتحاد الدولي للسكري.
وقال محمود فؤاد: " 1.6 مليون طفل يولدون سنويا في مصر.. 25% من العدد ده يحتاج إلى ألبان صناعية بخلاف طبقة السيدات التي لا تفضل إرضاع الأطفال طبيعياً لأسباب خاصة".
