رمضان مصري
الحلقة الرابعة
بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد..أنه كان يا ما كان من زمان وقبل الزمان بزمان.. في وقت ما كان جيرانا بيركبوا الجِمال كانوا اصحاب الحضارة بيصنعوا الَجمال.. أول مسحراتي ينغم وينده بطبلة وعصاية يصحي إللي نايم.. وأول فانوس نوره بيرقص في كرانيش ورق بألوان تطير.. على صوت”آمال فهمي” في فزورة في راديو …مدفعه ضرب ساعة الفطار
رابع حكاية لألف ليلة فن حلوة ..صناعة مصري في كل عام
كان ياما كان.. فوازير رمضان
الفزورة في الأدب الشعبي تسمى "الحزر" وهي أحد أقسام المأثورات الشعبية الأربعة إلى جوار الحكاية والأغنية والمثل.
ظهرت فوازير رمضان للمرة الأولى من خلال الإذاعة المصرية على يد الإعلاميتين: "آمال فهمي" و"سامية صادق"، وكانت عبارة عن أسئلة يقوم المشاركون بإرسال إجاباتهم عبر البريد. في العام 1955، قدمتها "آمال فهمي" الإذاعية المشهورة- رحمة الله عليها- في برنامجها (على الناصية)، وكانت التجارب الأولى للفوازير عن التخصصات والأعمال، فكان الطبيب مثلًا يتكلم عن كرة القدم، وكان مطلوبًا من المستمع تمييز صاحب الصوت.
أول الحدوتة
تروي "آمال فهمي" في أحد حواراتها الصحفية أن الفكرة جاءتها داخل إحدى محطات البنزين عندما كانت تستمع إلى صوت يتردد في الراديو ولم تكن تعرف صاحبه، ففكرت آمال هنا في برنامج مسابقات يقوم على استضافة المشاهير ليقرءوا ما تيسر من الكتب، فاستضافت أم كلثوم التى قرأت صفحة من رواية "الأيام" لطه حسين، تقول "آمال" أن عددًا كبيرًا من الجمهور أخطأ في صوت كوكب الشرق واعتقدوا أنها الدكتورة "سهير القلماوي".

نجحت فكرة الفوازير جدًا والناس تنتظرها يوميًا، لدرجة إن في سنة من السنين اشتكت هيئة البريد، حيث وصلهم أكثر من مليون جواب لحل الفزورة.
ومن عام 1961 تحولت الفوازير للنص الزجلى، وكتبها "بيرم التونسي" لأول مرة ثم "صلاح جاهين" و"سيد حجاب" و"بخيت بيومي"و " بهاء جاهين".
نجحت فكرة "فهمي"صاحبة العبارة الشهيرة: "ونقول كمان" التي كانت تعيد بها على مسامعنا الفزورة ونتجمع حول الراديو بالورقة والقلم نسجل الإجابات يوميًا في انتظار تجميع إجابات الثلاثون حلقة لإرسالها على العنوان الأشهر (مبني الاذاعة والتليفزيون كورنيش النيل ماسبيرو).
وكانت الإعلامية القديرة تقدم موضوعًا جديدًا للفوازير كل عام، ولم تكن الفوازير تقتصر على التسلية وإنما كانت فوازير تثقيفية، تقدم معلومات ومعرفة بشكل جذاب ومشوق ولذلك كانت الناس تنتظرها من العام للعام.
تنوعت موضوعات الفوازير بين تخمين وسائل المواصلات "من الحصان إلى الصاروخ" وأشياء مرتبطة بشهر رمضان مثل المدفع والقطايف والمسحراتي، وتطورت مع مرور السنوات قيمة الجوائز من 5 جنيهات للجائزة الأولى إلى أن وصلت إلى 5 آلاف جنيه.
وتحكي آمال فهمي -في أحد الحوارات الصحفية معها- عن الإقبال الجماهيري الذي حققته "فوزاير رمضان" قائلة "في إحدى السنوات وصلني مليون خطاب (حلول المسابقة)، ما جعل مدير مصلحة البريد يتقدم بشكوى إلى مجلس الوزراء بسبب الضغط على هيئة البريد.
التليفزيون المصري يقدم: فوازير رمضان
ولأن "بيرم التونسي" هو أول من كتب لآمال فهمي فوازيرها الإذاعية، فكان من الطبيعي أيضا أن يكون الشاعر الكبير هو صاحب أول التجارب التليفزيونية عام 1961، حيث مزج "بيرم" بين نوعين من المأثورات، الأول هو الفزورة والثاني هو المثل الشعبى، وذلك في قالب درامي من كتابته، فكانت الفزورة عبارة عن تمثيلية قصيرة تنتهي دائمًا بعبارة "وعلى رأي المثل"، ليقوم الجمهور بإرسال الأمثال الصحيحة التي تدور حولها الحلقات.
ولكن الشكل النهائي للفوازير والذي اختلطت فيه الدراما بالاستعراض بالفزورة بدأ عام1967 على يد المخرج "محمد سالم"، وفرقة ثلاثي أضواء المسرح وأبطالها "سمير غانم" و"جورج سيدهم" و"الضيف أحمد"، وكانت أول فوازير رمضانية بعنوان "وحوي يا وحوي"، حيث قام الثلاثي أنفسهم بكتابة حوار الفوازير و ارتجاله، معتمدين على الكوميديا والاسكتشات التي كانوا يجيدونها، فيما أخرج المقدمة الراحل "نادر جلال".
قيل إنه بوفاة "الضيف أحمد" عام 1970 توقفت الفوازير لخمس سنوات، إلا أن الثابت تاريخيًا أنه أثناء حرب أكتوبر 1973 كان التليفزيون المصري يعرض فوازير ل"سمير وجورج"، وهو ما أكده الممثل "أسامة عباس" في أحد حواراته التليفزيونية، حيث كان يحكي عن ذكرياته أثناء حرب أكتوبر قائلًا إنه كان يصور فوازير رمضان أثناء معرفته بخبر العبور.
مكسرات رمضان ..نيلي، فطوطة، شريهان
ثم خرج فارس الفوازير الكبير الذي أحياها من جديد بعد أن توقفت، وهو "فهمي عبدالحميد"، إذ وجد في "نيللي" الضالة التي كان الجميع يبحث عنها.. فنانة، جميلة، بارعة في الرقص والغناء، وذات طلة ساحرة.
فراشة الشاشة.. نيللي

بدأت نيللي رحلتها مع الفوازير مع "فهمي" ومصمم الاستعراضات "حسن عفيفي"، وكانت بعنوان "صورة وفزورة" عام 1976، وقدموا معًا بعدها بعام واحد فوازير "صورة وفزورتين"، ثم في عام 1977 "صورة و3 فوازير" وفي عام 1978 قدموا "صورة و30 فزورة"، التي تذاع حاليًا على قناة ماسبيرو زمان. واعتمدت فكرتها على تنكر نيللي في شخصيتين، الأولى ثابتة طوال ثلاثين حلقة وهي شخصية صحفية تقوم باستضافة المشاهير، والثانية هي الضيف المشهور، المطلوب من المشاهد معرفة شخصيته.
تكرار الفوازير بهذا النمط ربما جعل "فهمي عبدالحميد" يفكر في تجديد دماء الفوازير خوفًا عليها من توقف آخر، فجاءت مرحلة العظيم "صلاح جاهين"، في بداية الثمانينيات، حيث كتب رائعتين كبيرتين أولها فوازير "عروستي" عام 1980 التي أجادت فيها "نيللي" بشكل كبير، ويصنفها الكثيرون بأنها من أفضل الفوازير التي قدمها التليفزيون المصري، إلى جانب فوازير "الخاطبة" عام 1981.
فطوطة.. الرائع سمير غانم

رغم النجاح الباهر لنيللي، إلا أن "عبدالحميد" أراد لعمل الفوازير نجاحًا واستمرارية، ففي عام 1982 قام"فهمي" بإعادة الفنان "سمير غانم" من جديد ليقدم الفوازير، بنكهة كوميدية استعراضية، حيث ابتكر المخرج "فهمي عبدالحميد" شخصية "فطوطة"، والتي قام بأدائها سمير بنفسه وهو قزم يرتدي بدلة خضراء وحذاء أصفر كبير، وله شعر كثيف، وصممت ملابس الشخصية المصممة "وداد عطية".

بالإضافة لتمييز وابتكار شخصية فطوطة بحجمها وصوتها وزيها المميز، تميز أول موسم بموضوعه عن الشخصيات المشهورة..
"تطلع مين يعني الزناتي خليفة؟"...فطوطة: "لأ لأ أعصابي خفيفة"
شارك في بطولة هذا الجزء "إيمان الطوخي" و"سحر رامي"، وتصميم الاستعراضات ل "حسن عفيفي"، وتأليف وأغاني "عبد الرحمن شوقي" ولحن المقدمة والنهاية "حلمي بكر".
عام 1983 ظهرت أول فوازير عن الأفلام، ف"فطوطة مخرج أنتيكة متعلم سينما في أمريكا" وعاد إلى مصر لصناعة الأفلام المعروفة، بخفة دم سمير غانم المعهودة.
شارك في بطولة هذا الجزء "إيمان الطوخي" و"سحر رامي"، وتصميم الاستعراضات ل "حسن عفيفي"، وتأليف وأغاني "عبد الرحمن شوقي" ولحن المقدمة والنهاية "سيد مكاوي".

وفي العام الثالث على التوالي عام 1984 كانت الفوازير عن المعلومات العامة، كانت من بطولة "سحر رامي"، وتصميم الاستعراضات ل "حسن عفيفي"، وتأليف وأغاني "عبد الرحمن شوقي" ولحن المقدمة والنهاية " عمار الشريعي".
تميزت فوازير "فطوطة" بالتترات القوية التي كان يختارها "فهمي عبد الحميد"، وبقيت كلماتها وألحانها في وجدان جيلها والأجيال اللاحقة أيضًا، إلا أن النجاح الذي لقاه "غانم" في الفوازير بدأ يخفت شيئًا فشيئًا في الموسم الثالث.
حتى ظهرت شريهان في طريق فهمي عبدالحميد.
أميرة الفوازير..البنت الشقية.. شريهان

كموهبة استعراضية صارخة ظهرت "شريهان" في طريق فهمي عبدالحميد، وبالفعل قدما سويًا في عام 1984 فوازير نادرة بعنوان "ألوان" وكانت تجمع بين الاستعراضات وقالب السهرات التليفزيونية الدرامية، وشاركها في البطولة "محمود الجندي" وكانت من انتاج الشركة العربية للانتاج الفني.
في العالم التالي بدأت التجربة تتخذ منحى أكثر وضوحًا وجمعت بين "ألف ليلة وليلة" في عمل بعنوان "عروس البحور" والتي كان قد اعتيد تقديمها في الإذاعة بصوت الراحلة "زوزو نبيل"، في قالب يجمع بين دراما القصص الشعبية في ألف ليلة وليلة وبين الفزورة
(شهر يكمل شهر يعلم شهر يسلم شهر لما وصلنا لأجمل شهر)..
تقصها النجمة "سهير البابلي" في نهاية الحلقة وتصحبها الاستعراضات المميزة من شريهان
ياشي ياشي من فيكم ما عرفهاشي
عام 1986 وبعد نجاح المدوي لألف ليلة وليلة (مع الاحتفاظ بالاداء الصوتي المميز لعبد الرحيم الزرقاني و زوزو نبيل) بالفزورة، تكررت التجربة في فوازير "الامثال" وشاركها البطولة "عمر الحريري - محمد العربي - زوزو نبيل - مديحة حمدي - عبد الرحمن أبو زهرة".
تأليف ألف ليلة وليلة " طاهر أبو فاشا"، تأليف الفوازير والأغاني "عبد السلام أمين"، ألحان المقدمة والنهاية "سيد مكاوي"، استعراضات "حسن عفيفي"، إخراج الرسوم "شويكار خليفة".
تاني سنة يا شهرزاد..قالك إيه..ده حصل و حصل وحصل
في العام الثالث قدمت "ألف ليلة وليلة" الأجمل على الإطلاق ( حليمة وفاطيمة وكريمة) من تأليف" طاهر أبو فاشا" وتأليف الأغاني والمقدمة "عبد السلام أمين" وألحان المقدمة والأغاني "محمد الموجي"واستعراضات "حسن عفيفي"
ويتعاطف الجمهور مع الفتيات الثلاثة ومغامراتهن مع ريما اللئيمة.
وفي نفس العام عرضت فوازير "حول العالم" من تأليف"عبد السلام أمين"
ولحن المقدمة والنهاية " حلمي بكر" وتصميم استعراضات "حسن عفيفي" ليحققا كليهما نجاح ساحق ويخلدوا في وجدان الوطن العربي كله
أبهرت شريهان الجميع، ومعها فهمي عبد الحميد، وأظهرا سويًا مواهب الاستعراض والتي جاءت بشكل مكتمل تقريبًا، حتى أن الكثيرين قارنوها بنيللي، وانتهت المقارنة إلى فريقين، فريق يرى أن نيللي هي أفضل من قدمت الفوازير، وهي الفنانة الاستعراضية الأولى في مصر، وآخر يرى أن شريهان هي أروع من قدم هذا النوع من الاستعراض.
ولكن الفريقين لم ينسوا أن وراء نجاح النجمتين، اسم كبير هو فهمي عبد الحميد.
ماذا بعد نيللي وشريهان؟
انشغلت شريهان فيما بعد بالسينما وبحياتها الخاصة التي امتلأت بالآلام، بينما امتنعت نيللي عن تقديم الفوازير، وتهددت فكرة الفوازير بالزوال.
فكر فهمي عبدالحميد في الاستعانة بدماء جديدة، لإنقاذ هذا الفن، فاستعان في فوازير "المناسبات" بصابرين، وهالة فؤاد، ويحيى الفخراني
وبعدها بعام استعان في فوازير "الفنون" بشيرين رضا، ومدحت صالح.
رحيل فهمي عبد الحميد
رحيل فهمي عبد الحميد أثناء العمل في فوازير "عالم ورق" أدى إلى أن يكمل تلميذه "جمال عبد الحميد" مهمته و جائت افتتاحية العمل بتقدير واحتفاء بالاستاذ الراحل..
توتة توتة ولكن لم تنتهي الحدوتة
برحيل فهمي عبد الحميد لم تنتهي حدوتة الفوازير، وأكمل المسيرة "جمال عبد الحميد" و "محمد عبد النبي" و "أشرف لولي" و "أحمد صقر" وآخرون
فقدمت نيللي فوازير "صندوق الدنيا" 1991 ثم فوازير "أم العريف" 1992 من إخراج "محمد عبد النبي"
في العام التالي تعاون محمد عبد النبي مع "محمد الحلو" و "شيرين وجدي" في فوازير "قيس وليلى" عن العواصم العربية
وفي العام نفسه 1993 عادت شريهان للظهور بتتر مميز خفيف الظل من ألحان "مودي الإمام" في فوازير "حاجات ومحتاجات" معلنة اننا راجعين نفزر
تأليف وأشعار ”سيد حجاب” والاستعراضات "عاطف عوض" ومن إخراج جمال عبد الحميد
توالت الفوازير في الاعوام التالية
1994 فوازير "إحنا فين؟ " شيرين سيف النصر-سماح أنور- سمير صبري – حسن كامي.
1995"الدنيا لعبة" نيللي
1996"زي النهاردة" نيللي
1997"الحلو مايكملش" جيهان نصر
1997"جيران الهنا" وائل نور – نادين
1998"منستغناش" نادين
1998"أبيض وأسود" دينا - أشرف عبد الباقي - محمد هنيدي -علاء ولي الدين
1999"قيمة وسيما" لوسي
2000 "أبيض وأسود كمان" لوسي - أشرف عبد الباقي - محمد هنيدي
2001"ألف ليلة وليلة" نيللي
2002"حلم ولا علم" نيللي كريم
2002 "العيال اتجننت" ياسمين عبد العزيز - محمد سعد - عبد الله محمود
2003"فرح.. فرح" مدحت صالح - غادة عبد الرازق في تجربة مفاجأة من المخرج الكبير "محمد خان"
2013"مسلسليكو" محمد هنيدي
خفت نجاح الفوازير تدريجيًا وظهرت بعض المحاولات المتواضعة في بعض السنوات لقنوات خاصة، أحجم المنتجين عنها بسبب ارتفاع تكلفتها الإنتاجية وعدم توفر فنانة استعراضية مناسبة تذكرنا بتحلقنا أمام الشاشة ليالي رمضان في انتظار طلة نيللي وإبهار شريهان.
ليست مجرد أعمال فنية..هي ذكريات مصرية رمضانية خالصة محفورة في الوجدان.