تقول الأسطورة الشهيرة أن الله حين خلق آدم وأودعه الجنة، أطلق يده على جميع المطيبات والملذات والنعم بداخلها، حتى أنه خلق له حواء لتؤنسه في هذا النعيم الفسيح، إلا أنه قبض يده عن شجرة واحدة، شجرة واحدة كانت الفخ!
في الإسلام يقص علينا القرآن الكريم قصة آدم في سورة البقرة، ويأتي على ذكر تحريم تلك الشجرة المبهمة فيقول تعالى:- “وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ”. قال أهل التفسير أن الشجرة المقصودة كانت شجرة الحياة، يأكل الانسان من ثمارها فينعم بالخلود.
أما المسيحية فيذهب سفر التكوين في العهد القديم إلى تأويل الشجرة بأنها شجرة المعرفة إذ يقول في الإصحاح الثالث “وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟ فقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: «مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ، وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا. فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ».
اقرأ أيضًا:كيف نصل للديمقراطية؟
بين حياة الخلود والمعرفة وقع آدم وزوجه في الفخ الذي أرق ذريتهم من البشرية كافة إلى يومنا هذا، إذ يسعى الإنسان بكل ما سخر له من أدوات العلم أن يطيل أمده سعيا للكمال والخلود، وإلى أن يكون ملما بمعرفة كل ما يطرأ عليه من ظاهر وباطن في ربوع الأرض وفي نهايات الكون الممتد الواسع، من إلكترون الذرة حتى الثقوب السوداء التي قد تقوده إلى عوالم خفية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه ماذا لو لم يأكل آدم من هذه الشجرة! هل كان الخلود يوما مقدر للإنسان؟
يقول جيمس فرزير في كتابه الفولكور في العهد القديم أن الإنسان طرد من الجنة إلى الأرض الفانية لأن شجرة الحياة وضعت فيها، وأن الانسان كان بوسعه أن يستعيد الخلود بأكل ثمارها، لذلك فقد وضعت هناك حتى تفسر أسباب فنائه، إذ أن الإنسان خلق أصالة غير فان وغير خالد في ذات الوقت، وقد ترك له الخيار في حقيقة الأمر بأن يأكل أيا من ثمار الشجرتين، إما الخلود بشجرة الحياة أو الموت بشجرة المعرفة.
وبذلك دخل الموت على العالم بسبب خطيئة آدم التي أدت إلى طرده من عالم الخلود فأصبح للمرة الأولى قابلا للفناء، فعوقب بالنزول إلى الأرض الفانية، وأصابت قومه الحيرة الدائمة بين اليقين بالموت وبين عدم اليقين في جهلهم متى يكون ذلك إذ ليس لهم عليه يدان.
لكن الإنسان البدائي لم يستنتج من حالات الوفاة التي شاهدها أن الموت ضرورة حتمية في الوجود البشري، فاعتقد قطاع كبير من البشر بشكل جازم في حياة أخرى بعد الموت كنتاج للخوف من الفناء، واُعتبر الإيمان بالخلود بعد الموت تفكيرا بالتمني في الحياة الدائمة، فأصبح الموت بذلك مجرد حائل بين تواصل الروح الإنسانية بالإحياء بالطريقة التي يمكنهم فيها التعرف عليه، وتبقى الروح في عالم الأزل واعية بصورة كاملة ومفعمة بكل الأشواق والرغبات الإنسانية.
“إنما الموت هو الحرية الكبرى، لو كان الناس يفقهون”، عبد الرحمن الشرقاوي.
يرى الفلاسفة أن الموت يرتبط ارتباطا وثيقا بالحرية، إذ أن الفناء كان نتيجة لممارسة الإنسان حريته في الاختيار لأول مرة في الوجود بين الخلود والمعرفة، فأصبح بذلك الحرية في الاختيار هو روح الحياة ذاتها بمعرفة الخير من الشر، والجيد من القبيح والاختيار بينهما، فتقدير قيمة الحياة ذاتها تقوم على قدر ما نعطيها نحن من قيم بمحض إرادتنا واختيارتنا وليس بحسب ما نتلقاه من تعاليم دينية أو نرثه من تقاليد عرفية.



التعليقات