"مصر دي" التي عبرت في العاشر من رمضان

 

شيءٌ ما في الموسيقى التصويرية، يروق لذائقة الصبي، ويحرِّك في أعماقه انتشاءً استثنائيًا، يغمض عينيه ويهز رأسه الصغير انفعالًا وحماسةً، على وَقْعِ آلات النفخ النحاسية الهادر، مع الطبول العميقة، والكمنجات المنفعلة اللاهثة.

لم يبلغ السابعة بعد، لكنه ذو مزاج موسيقي معقَّد على نحو ما، يحب الشرقي والغربي، الطربي والحديث، الشعبي والكلاسيكي والنخبوي، هذا رغم التحفظ على تصنيف الموسيقى من الأصل.. الموسيقى هي الموسيقى دائمًا.

ولمّا دلف عتبة المراهقة المبكرة، غدا مولعًا بقراءة أسماء الملحنين والمؤلفين والمخرجين، فتتشكل وجهات نظره إزاءهم، فيحب فلانًا فيبحث عن أعماله، قبل عصر "يوتيوب" والمنصات الترفيهية المدفوعة؛ تلك الصورة البرجوازية للترفيه، فمن يدفع يشاهد، ومن لا يدفع فليذهب إلى القنوات المفتوحة.. سقى الله عهد القناة الأولى والثانية، حيث كان الناس أمام الشاشات سواسية.

ولمّا دلف عتبة المراهقة، عرف أن ملحن الموسيقى التصويرية لفيلم "الرصاصة لا تزال في جيبي" هو عمر خورشيد.. يا له حقًا من عبقري خسرناه مبكرًا.

اقرأ أيضًا:هاني سري الدين في حوار خاص: الأفكار الاشتراكية لاتصلح الآن.. نحتاج كل سنة “رأس حكمة” جديدة..

هذا أول ما لفت انتباهه في الفيلم الكلاسيكي، إذ كان يستلقي على "مجموعة شِلَت متلاصقة" في غرفة الجدة طيب الله مثواها، حيث يستقر التلفزيون التوشيبا ذو الست عشرة بوصة، وعلى كرسي وثير يرتمي أبوه المكدود، بعد يوم شاق، من العمل فنيًا في شركة الحرير الصناعي، إذ كانت لقمة العيش تُجبره على توديع السرير الدافئ، في شتاء الإسكندرية الثائر، وأمطارها الدفّاقة، ليلحق مع خيوط الشمس الأولى، بالقطار من الإسكندرية إلى كفر الدوّار، حيث مقر الشركة، حتى تنتهي ساعات العمل الرسمية، وربما يوافق على "تطبيق وردية"، ثم يتوجه إلى ورشة خراطة ليعمل ما شاء صاحب الورشة له أن يعمل.

يرشف الأب من كوب الشاي رشفة عميقة، ويملأ رئتيه بدخان سيجارة محلية رديئة الصنع، كان استبقاها من بين ثلاث سجائر ابتاعها "فَرْطًا"، حتى يختم بها يومه، قبل أن يغلبه النوم، ليصحو بعد سويعات على دورة الحياة القاسية ذاتها، وهو بذلك راضٍ غير متبرم، فالأطفال الثلاثة يأكلون أحسن أكل، ويتلقون تعليمهم في مدارس خاصة، فلا بأس إذن في المشقة، بل إنه يستعذب شقاءه في سبيل إسعادهم.

تعبٌ كلها الحياة، لكن مقارنة ما كان بعد حربين بينهما استنزاف، وما هو كائن بعد أكثر من أربعة عقود من كامب ديفيد، فادحة مؤلمة.

إن افترضنا ركوب ذاك الأب البسيط عربة الزمن، فعمل ذات العمل، وبذل الجهد ذاته، في "الجمهورية الجديدة"، فهل كان سيقدر أن يوفر لفلذات كبده طعامًا غنيًا بالبروتينات؟ فيه حصة فاكهة يومية، وكوب حليب طازج.

مقارنة لا تستثير إلا الضحك، لكنه من أسفٍ، ضحك كالبكاء، على عقود مهدرة من أعمار أجيال ضحوا، ولم يطلبوا أجرًا ولا شكورًا.

يهمس الأب بصوته الدافئ رغم ما فيه من نبرات الإرهاق الواضحة: "انظر الجندي الإسرائيلي، إنه يخرج من داخل الدبابة مستسلمًا، يرتعد أمام جندي مصري، يحمل بندقية آلية لا أكثر.. هكذا كنا نواجه وهم يفرون.. كنا نتجاسر كالأسود، وهم يتخاذلون كالدجاجِ".

يتنهد الفتى فخورًا بالأب الذي حارب الحربين، وعيناه مسمَّرتان على الشاشة، مشدودًا كليةً لمشاهد القتال، في الفيلم الذي ما يزال يحبه، رغم خلافاته على بعضٍ مما فيه من تجنٍ، على مرحلة عبد الناصر.

لعل شيئًا من حبه للفيلم يرجع إلى حبه لبطلته، "ماما نجوى"، صاحبة برنامجه الأثير "عصافير الجنة"، وأغنيته المتفائلة "كل الأطفال في الدنيا بكره هيخلوا الدنيا فرحة في قلوب الناس".

ليت الدنيا تصير بحقٍّ فرحة في قلوب الناس.

أحبَّ الفيلم طفلًا غريرًا، وأحبه مراهقًا فشابًا فرجلًا، ليست المبررات ذات شأن، إن الحب لا يستلزم التعليل، ولا يحتاج إلى تأويل وشروح.

هكذا أحب دائمًا.. أحبَّ وكفى، فكتب في محاولات عبثية لاحقًا: "ماذا يقول الشعرُ وما جدوى التعبير؟/ماذا أقول؟/ أنتِ امرأةٌ فوقَ المنطقِ التفسيرْ".

رمزية الرصاصة التي بقيت في "جيب العسكري محمد"، من بعد النكسة، في انتظار لحظة الثأر، مسَّت قلبه الطفل، فكتبت على صفحة يقينه التي كانت ما تزال بيضاء، سطورًا لم تُمحَ أبدًا.

كانت الرصاصة التي استخدمها مؤلف الرواية، إحسان عبد القدوس، رمزًا بالغ التوفيق، إذ كشف عن العوامل التي اختمرت في دماء مصر، حتى صنعت ساعة الصفر، فالعبور المجيد فتحطيم أسطورتي خط بارليف والجيش الذي لا يُقهر، من قبل "الولاد السُمر الشُداد".

كان العبور في تقديرات الخبراء العسكريين، في الشرق والغرب، محض أضغاث أحلام لا إمكانية لتحقيقها، في حين كان الشارع المصري يغلي فائرًا بالغضب، إذ يطالب القيادة السياسية، بالخروج من حالة اللا حرب واللا سلم.

المثقفون يوقعون البيانات، ويشتبكون مع السادات الذي أصيب بالتوتر إثر الضغط الشعبي، فإذا به يمنع قامة مثل نجيب محفوظ من الكتابة في الأهرام، ويصف توفيق الحكيم بالعجوز المخرف، ويتعامل بخشونة مع الاحتجاجات في الجامعات، لكن ضمير مصر، إنسانها قبل قياداتها، لا يهدأ رافضًا النوم على الضيم، يجب أن نحارب، فإما حياة تسر الصديق، وإما ممات يغيظ العدا.

يسترسل الأب في الحديث مستجيبًا لشغف أبداه الفتى، إذ أمطره بالأسئلة، وعيناه ترقبان المشاهد التوثيقية لانهيار خط بارليف، والأب يقول: "المصريون تركوا خط بارليف كومة تراب، وبماذا؟ فقط خراطيم المياه، العالم بأسره وقف مبهور الأنفاس، يبتلع ريقه من شدة الإثارة، إذ يشاهد عبقرية الإنسان المصري، ادّعوا أن الجيش لن تقوم له قائمة بعد النكسة، فإذا بجنودنا يمرغون أنوف جنرالات العدو، في رمال سيناء".

يبتسم الفتى ذو الوجنتين المكتنزتين متنهدًا إذ يتابع استسلام الضابط الإسرائيلي، محيي إسماعيل، وهو يحس ارتياحًا في أعماقه، كأن نسمة بحرية مفعمة برائحة اليود، تتخلل مسامات جلده.. إنه يرفع الراية البيضاء، نعم سيسدد الثمن، هذا المجرم السفاح، الذي قتل الأسرى جماعيًا، في مشاهد الاستهلال التي بدأت من مأساة هزيمة الخامس من يونيو.

كان أداء محيي إسماعيل بحق عبقريًا، كما وصف نفسه حين رد على سؤال حول فيلم الممر.

ورغم خطابية الفيلم، وسذاجة السيناريو في كثير من المواضع، يبقى تسجيل البطولة التي أخذها الجيش المصري "غِلابًا"، أو بالأحرى أخذها الإنسان المصري غلابا، في السادس من أكتوبر، العاشر من رمضان، مما أوقظ نوازع الحماسة في وجدان الفتى الغض.

كان في الصف الرابع الابتدائي حين كتب أول موضوع تعبير، في حياته، وكان تحت عنوان "العبور المجيد".

لا يملك منه نسخة بالطبع، لكنه كتب على الأرجح: "في مثل هذا اليوم، عبر الأبطال المصريون القناة، وحطموا خط بارليف، وأسقطوا أسطورة الجيش الذي لا يقهر، لأن مصر حرة لا تبتلع الهزيمة، ولا تقبل بها".

بعد النكسة كانت "المغربية تتخفى ورا ضهر الشجر"، وكانت مصر تغسل شعرها على الترعة، كما يقول الأبنودي عبر صوت حليم، الذي تلوّنت رهافته بنبرة ثورية، في لحن بليغ حمدي الذي يبدأ جنائزيًا، مع عبارة "عدى النهار"، حتى يصير انفجاريًا حين تصل الكلمات إلى "أبدًا بلدنا للنهار بتحب موال النهار".

بقدر ما كان التحدي عصيبًا، والظروف غير مواتية، والعقبات تبدو مستحيلًا عبورها، استقرت الرصاصة في جيب العسكري محمد، حتى عبرت مصر وهي تحمل فوق ظهرها، كالفلاحات يحملن جرار الماء، سبعة آلاف سنة من الرُقي.. عبرت الموانع وليس المانع المائي المتمثل في قناة السويس وحده.

يتدبّر اليوم العبارة الرشيقة الجامعة المانعة للراحل الكبير أحمد فؤاد نجم: "مصر هبة الفلاح المصري"، معتبرًا الفلاح هنا لفظة تعني الشعب المصري بأسره، فتطعن قلبه حقيقة أن حكام هذا الوطن، لم يستثمروا هذه الهبة، أو قل "الثروة المستدامة والمجانية" استثمارًا رشيدًا، فالشعب في حساباتهم دائمًا عالة.

ألم يكن المخلوع مبارك يرمي في وجوهنا عبارته الوقحة: "أجيب لكم أكل منين"؟

من المفارقات الواضحة لكل ذي عينين، أن مصر لا تُصدِّر أية سلعة قادرة على المنافسة دوليًا، باستثناء الإنسان المصري، الذي يحقق نجاحات بازغة في مشارق الأرض ومغاربها، ولعل الدراسات عن كارثة هجرة العقول، وكذلك خسائرها المادية، تستفيض في هذا الصدد، بما لا يستلزم ذكر مثل من هنا، وآخر من هناك.

عبقرية العبور هي زاوية من صورة عبقرية الإنسان المصري، ليس في هذه المقولة شوفينية زاعقة، على طريقة مقدمي برامج "قلة الأدب شو"؛ هي عبقرية تتجلى حين يتوافق الناس على هدف، ويصرون على تحقيقه.

أي نظام سيحكم مصر، عبر تجاهل هذه المعادلة، سيتخبط في غيابات الفشل، وأي خطة تنموية تنحي الإنسان من إدارتها، ستمثل تدحرجًا إلى مزيد من الفشل والفاقة والديون.

مصر اليوم ليست في أحسن حال، وقد كانت بعد النكسة كذلك، لكنها هي مصر ذاتها، التي تحتفظ دائمًا بالرصاصة في جيب العسكري محمد.

"مصر دي".. هي التي عبرت في العاشر من رمضان، ونفضت عن كاهلها تراب الهزيمة في لحظة، كأنها طائر الفينيق الأسطوري، الذي يُبعث من تحت الرماد، كلما ظن الواهمون أنه احترق، وكلما استصغر أحمق شأنها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة