النقشبندي.. قيثارة السماء

رمضان مصري

الحلقة الأولى

بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد..أنه كان يا ما كان من زمان وقبل الزمان بزمان.. في وقت ما كان جيرانا بيركبوا الجِمال كانوا اصحاب الحضارة بيصنعوا الَجمال.. أول مسحراتي ينغم وينده بطبلة وعصاية يصحي إللي نايم.. وأول فانوس نوره بيرقص في كرانيش ورق بألوان تطير.. على صوت"آمال فهمي" في فزورة في راديو ...مدفعه ضرب ساعة الفطار

سيد النقشبندي.. قيثارة السماء

يقولون في الأمثال"كل واحد له من اسمه نصيب"

كلمة (نقشبندي) كلمة فارسية مكونة من مقطعين هما (نقش) و (بندي) ومعناها في اللغة العربية القلب، والنقش بند بالفارسية هو الرسام، ومثلما نُقِش حب الله على قلب النقشبندي نقشه بدوره على آذان وقلوب مستمعيه.. صاحب الصوت الرقراق الذي يصدح فتهيم روحك للسماء، تطير بلا أجنحة سوى أجنحة الحب الصوفي والعشق الإلهي..

أول الحكاية

 

ولد سيد النقشبندي في قرية "دميره" مركز طلخا في محافظة الدقهلية بمصر عام 1920م، انتقل في صغره بصحبة أسرته إلى مدينة "طهطا" بمحافظة سوهاج ولم يكن تجاوز العاشرة من عمره. هناك تربى تربية صوفية خالصة وتأثر بالطريقة النقشبندية التي أخذ منها اسم شهرته، وكان والده هو شيخ الطريقة التي كانت تلتزم بالذكر بالقلب، وحفظ في تلك الفترة القرآن الكريم ونال حظًا من الفقه وقدرًا من الشعر الصوفي الخالص، منه قصيدة البردة للإمام البوصيري وأشعار لابن الفارض -الشاعر الصوفي الشهير-، أما الذي تعمق في نفسه بقوة في تلك الفترة هو محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وكان حبًا يتميز بالصفاء حتى ليخيل لمن يستمع إليه أنه عندما كان يذكر اسم محمد صلى الله عليه وسلم كأنه يخاطبه أمامه ويوجه إليه ابتهالاته.

 

كان النقشبندي مقرئًا للقرآن في محافظة الغربية بدلتا مصر، وكان مشهورًا بالابتهالات الدينية داخل محيطه الإقليمي، وذاع صيته في تلك المحافظة كما كان قريبًا من محافظها، الذي كان يستدعيه في بعض السهرات الصوفية للإنشاد، فكان النقشبندي يهيم بصوته في مدح النبي صلى الله عليه وسلم حتى أن المارة في الطريق كانوا يتزاحمون للاستماع إلى هذا الصوت الفريد في معدنه وأدائه، فقد كان صوته يروي الآذان والقلوب العطشى إلى ذلك الحب الإلهي.

بدأت شهرة النقشبندي في عموم مصر والعالم الإسلامي متأخرة، حيث تعرفت عليه الإذاعات عندما أحيا إحدى الاحتفالات الدينية في مسجد الحسين بالقاهرة، ثم ازدادت شهرته عندما بثت الإذاعة المصرية برنامجًا تحت اسم "الباحث عن الحقيقة- سلمان الفارسي”، كما كان الشاعر "محمد السيد ندا" من الشعراء الذين كتبوا عددًا من القصائد الصوفية التي تغنى بها النقشبندي.

فاصل من السُكر الحلال

 

النفس تشكو ومن يدري بما فيها سواك ياخالق الدنيا وباريها

روحي على الدور طول الليل ساهرة تأسو الجراح ولا تغفو لياليها

تئِنُّ في طرقات الريح ضارعة يارب فاكشف لها نوراً يواسيها

ياواهب النفس إيماناً بها وضحت كل الدروب التي تخفى دياجيها

ياغافر الذنب يارحمن أنت معي تصغي لنبضة قلبي قبل شاديها

يامن منحت حياة الناس حكمتها من خانه الفهم فليقرأ معانيها

الكون ياراحمي بالحب متسق لم تخلف الشمس ميعاداً لحاديها

تسري الغمائم فوق الأرض ترضعها فيسطع النفس تسبيحًا لمحييها

قصدتك من كل الجهات مناديًا

أجرني من القيد الذي شد معصمي

أعدني لنفسي كم تغربت حائرًا

أحن لضوء في سماءك منعمي

إذا طال صمتي سبح القلب ضارعًا

وشعَّ دعاء الحب نورًا على فمي

فيهدأ قلبي بعد خوفي وحيرتي

وقد زاد عطرٌ من جنانك في دمي

حنانيك يا رباه نصفي على الثرى

ونصفي َطليقٌ في فضاءٍ مُحَوِّم ِ

قصدت رحاب النور أنشد توبتي

وأنت لنا الغفار من كل مأثم

تشبثت بالضوء الرحيم لعله

يشدُّ غريق النفس من بحرها الظمي

تعوذت يا ربي من الشر خادعًا

ومن لي سوى الرحمن في الأرض يحتمي

وَكَم لِلّهِ مِن لُطفٍ خَفيٍّ

يَدِقُّ خَفاهُ عَن فَهمِ الذَكيِّ

وَكَم يُسرٍ أَتى مِن بَعدِ عُسرٍ

فَفَرَّجَ كُرْبَة القَلْبِ الشَجيِّ

وَكَم أَمرٍ تُساءُ بِهِ صَباحاً

وَتَأتيكَ المَسَرَّةُ بِالعَشيِّ

إِذا ضاقَت بِكَ الأَحوالُ يَوماً

فَثِق بِالواحِدِ الفَردِ العَلِيِّ

وَلا تَجزَع إِذا ما نابَ خَطبٌ

فَكَم لِلّهِ مِن لُطفٍ خَفيِّ

يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً

فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ

إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ

فَبِمَن يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُجرِمُ

أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعاً

فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ

ما لي إِلَيكَ وَسيلَةٌ إِلا الرَجا

وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ

 

بليغ حمدي بباب النقشبندي والسبب السادات

 

السادات والنقشبندي

تحدث الشيخ عن تعاونه مع "بليغ حمدي"في حديث جمعه بالإذاعي الكبير "وجدي الحكيم"، قال: "لو مكنتش سجلتهم مكنش بقالي تاريخ بعد رحيلي"،.. إلا أن الحكاية لم تبدأ أبدًا بهذا الحماس..

الحكاية بدأت في حفل خطبة إحدى بنات الرئيس الراحل محمد أنور السادات سنة 1972 في القناطر الخيرية، وكان النقشبندي موجوداً  إذ كان له فقرة رئيسية في الحفل الذي كان يحضره الملحن بليغ حمدي.

يقول الإذاعي الراحل وجدي الحكيم عن هذه الواقعة قائلاً: "السادات قال لبليغ حمدي: عاوز أسمعك مع النقشبندي"، ثم كلف الحكيم بفتح استوديو الإذاعة لهما، وعندما سمع النقشبندي ذلك وافق ولكنه كان محرجاً، فتحدث مع الحكيم بعدها قائلاً: "ما ينفعش أنشد على ألحان بليغ الراقصة"، فقد كان النقشبندي قد تعود على الابتهال بما يعرفه من المقامات الموسيقية دون أن يكون هناك ملحن، وكان في اعتقاد الشيخ أن اللحن سيفسد حالة الخشوع التي تصاحب الابتهال، ولذلك كان رد الشيخ النقشبندي: "على آخر الزمن يا وجدي هاغني؟!"  في إشارة إلى أن الابتهال الملحّن يجعل من الأنشودة الدينية أغنية.

طلب الشيخ من "الحكيم" الاعتذار لبليغ، ولكن الحكيم استطاع أن يقنعه بأن يستمع إلى ألحان بليغ أولاً، واصطحبه إلى استوديو الإذاعة واتفق معه على أن يتركه مع بليغ لمدة نصف ساعة وأن تكون بينهما إشارة يعرف منها الحكيم إن كانت ألحان بليغ أعجبت النقشبندي أم لا.

يضيف الحكيم:"اتفقنا أن أدخل عليهما بعد نصف ساعة، فإذا وجدت النقشبندي خلع عمامته فهذا يعني أنه أعجب بألحان بليغ وإن وجدته مازال يرتديها فيعني ذلك أنها لم تعجبه فأتتحجج بأن هناك عطلاً في الاستوديو لأنهي اللقاء ونفكر بعدها في كيفية الاعتذار لبليغ".

يضحك وجدي الحكيم ويكمل: "دخلت فإذا بالنقشبندي قد خلع العمامة والجبة والقفطان.. وقال لي: "يا وجدي بليغ ده جن".

وفي هذا اللقاء انتهى بليغ من تلحين أنشودة «مولاي إني ببابك» التي كانت بداية التعاون بين بليغ والنقشبندي، أسفر بعد ذلك عن أعمال وابتهالات عديدة منها:

أشرق المعصوم

أقول أمّتي

أي سلوى وعزاء

 

أنغام الروح

 

رباه يا من أناجي

ربنا إنا جنودك

يارب إنا أمة

يا ليلة في الدهر

دار الأرقم

إخوة الحق

أيها الساهر

 

ذكرى بدر

 

وفي نفس هذا اللقاء الأول الذي نتج عنه تلحين أنشودة «مولاي» لحن بليغ للنقشبندي 5 ابتهالات أخرى ليكون حصيلة هذا اللقاء 6 ابتهالات، من بين مجموعة الابتهالات التي قدمها للنقشبندي، وكان بليغ هو من اختار كلمات هذه الابتهالات بالاتفاق مع الشاعر عبدالفتاح مصطفى، ولم يتقاض بليغ والنقشبندي أجراً عنها، وأصبحت أنشودة «مولاي» علامة من علامات الإذاعة المصرية في رمضان إلى اليوم.

بشكل شخصي وبالرغم من حبي لألحان بليغ الا أني أجد نفسي أميل لارتجالات النقشبندي في إنشاده وإبحاره الحر في المقامات الشرقية دون تقيد الملحنين، منطلقًا صداحًا يروي المتعطشين على شاطيء التلقي.. ولفظ الجلالة "الله" يهز القلوب..

توتة توتة

لوفاة قيثارة السماء الشيخ سيد النقشبندي قصة غريبة يحكي عنها حفيده سيد شحاتة النقشبندي، قائلًا: «جدي توفى بشكل مفاجئ، وكان عمره (55 عاما)، ولم يكن مريضًا، وقبلها بيوم واحد كان يقرأ القرآن في مسجد التليفزيون وأذن لصلاة الجمعة على الهواء، ثم ذهب مسرعًا إلى منزل شقيقه من والدته سعد المواردي في العباسية».

وأضاف حفيد «النقشبندي»: «طلب جدي من شقيقه أن يحضر ورقة وقلم بسرعة، وكتب كام سطر وأعطاه الورقة، وقال له لا تقرأها إلا ساعة اللزوم ثم عاد إلى بيته في طنطا. تاني يوم شعر جدي ببعض التعب، فذهب للدكتور "محمود جامع" في مستشفى المبرة بطنطا، وحكى الدكتور جامع عن هذه الواقعة»، ويشير "شحاتة" إلى أن جده دخل على الطبيب وهو يقف على قدمه وقال له: «أشعر بألم في صدري، ثم فاضت روحه في غرفة الكشف خلال دقائق».

وأشار حفيد قيثارة السماء إلى أن شقيق الشيخ النقشبندي فتح الورقة التي كتبها بعد وفاته، فوجدها وصية كتبها الشيخ سيد يوصي فيها بأن يدفن مع والدته في مقابر الطريقة الخلوتية بالبساتين، وعدم إقامة مأتم له والاكتفاء بالعزاء والنعي بالجرائد، وأوصى برعاية زوجته وأطفاله.

 

الشيخ سيد

وأضاف حفيد النقشبندي، أن جده عندما مات لم يكن في جيبه سوى (3 جنيهات)، ولم يترك أرضًا أو بيتًا أو مالًا، حيث كان ينفق كل ما يأتيه على الفقراء، وكان يقول دائما: «الله أكرمنا كي نكرم خلقه»، مؤكدًا أن الإذاعة لم تصرف بعد وفاته أي معاش لأبنائه وعاشوا ظروفًا صعبة من بعده.

عادت روحه الطاهرة إلى موطنها في السماء إثر نوبة قلبية في 14 فبراير 1976م، كرمه رئيس مصر الراحل محمد أنور السادات عام 1979م بمنحه وسام الدولة من الدرجة الأولى، وذلك بعد وفاته، كما كرمه الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك في الاحتفال بليلة القدر عام 1989م بمنحه وسام الجمهورية من الدرجة الأولى، وذلك بعد وفاته أيضًا. كرمته محافظة الغربية التي عاش فيها ودفن بها حيث أطلقت اسمه على أكبر شوارع طنطا والممتد من ميدان المحطة حتى ميدان الساعة.

رحل الجسد وبقي الأثر

4 تعليقات

  1. شكرااااااااااااااااا جزيلا الأعلامية و الباحثة القديرة الأستاذة / بسمة أبو العزم
    ليس مقالا بل هو بحثا و دراسة هامه تعيش للتاريخ فى حق هذا الشيخ الجليل الذى نقش إسمه داخل قلوب الوطن العربى
    و أحيا صوته داخل أرواحنا
    .
    جهد جليل و عبقرى و بحث عملاق
    .
    كل الشكر للأستاذة القديرة

  2. جميل جدا ذكرتينا بهذا الزمن الجميل
    رحمه الله تعالى رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة