المال الساخن.. استثمارات على طريقة “انتش واجري”

 

“الذين لا يعتبرون من أخطاء الماضي.. مكتوب عليهم تكرارها مرة أخرى”. تنطبق تلك المقولة الخالدة للمؤرخ الأمريكي ألفرد ويتنى جريسولد، على تحركات البنك المركزي حاليًا، لحل أزمة العملة الصعبة في البلاد، فيما يتعلق بإعادة جذب عجلة المال الساخن مجددًا، والتي كانت سببًا أصيلًا في مشكلاته منذ 2022 وإلى الآن.

فمع رفع البنك المركزي الفائدة، باتت مصر حاليًا تقدّم ثالث أعلى عائد على السندات بالعملة المحلية من بين 23 اقتصادًا ناميًا، ما يجعلها جاذبة مجددًا للمستثمرين المتخصصين في الأموال الساخنة، ممن يتجنبون الدين المحلي المصري منذ رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة البنكية قبل عامين.

كيف يعمل المال الساخن؟

للأموال الساخنة أسلوب لا يتغير، فهي نوعية من الأموال، تتابع طروحات الدين الحكومية بشغف، وتتحرك بسرعة حينما تجد فرصة للمكسب السريع لتحصل على العائد أو الفائدة المرتفعة مع المبلغ الأصلي بنهاية المدة، وترحل حال وجود فرصة أفضل، في سلوك يشبه ما تتغنى به المقولة الدارجة شعبيًا في مصر “انتش واجري”.

من بين أنواع الأموال الساخنة أيضًا الاستثمار في أسهم الشركات بالبورصة، وذلك للاستفادة من تراجع العملة المحلية مقابل الدولار، وهو أمر ينطبق بقوة على الحالة المصرية؛ فدولار واحد حاليًا يُمكن أي مستثمر من شراء عدة أسهم، بعدما تدنت الأسهم المحلية بشكل واضح منذ 2016 وإلى الآن.

اقرأ أيضًا: قُل السياسات “الاقتراضية” ولا تقل الاقتصادية

الصورة الثالثة لدخول تلك الأموال هي الاستثمار في شهادات الادخار ذات الفائدة المرتفعة التي تطرحها البنوك، بهدف جذب المستثمرين الخارجيين الذي يسعون للاستفادة من الفوائد المرتفعة. وهو ما يحدث باستمرار مع البنوك المحلية منذ طرح شهادات الـ 18% وصولًا إلى مرحلة شهادات الـ 30% الأربعاء الماضي.

المال الساخن يطرق باب الدين الحكومي

عاد المستثمرون الأجانب لشراء أدوات الدين الحكومية قصيرة الأجل بقوة في عطاء الأوراق المالية الحكومية الخميس الماضي، حتى كان الطلب على أذون استحقاق 364 يومًا ثلاثة أضعاف المطلوب من الطرح الذي بلغ متوسط العائد عليه 32.30%.

وتلقى البنك المركزي في العطاء الذي ينفذه لصالح وزارة المالية إجمالي طلبات بلغ 254 مليار جنيه على الأذون التي كانت قيمتها الإجمالية المطلوبة 87.8 مليار جنيه، في تطور فسره محللون بعودة المال الساخن القادم من الخارج كما حدث في 2016.

اقرأ أيضًا: لماذا “تشتري” دول الخليج الساحل المصري؟

وبحلول ديسمبر من العام 2017، كانت حيازات الأجانب من أدوات الخزانة ارتفعت لنحو 20 مليار دولار مقارنة بما يزيد قليلًا على 60 مليون دولار فقط في منتصف 2016، قبل تعويم الجنيه وتتفق على برنامج قرض بقيمة 12 مليار دولار مع صندوق النقد الدولي.

ساهمت تلك الأموال في ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي لأعلى مستوياتها على الإطلاق عند 42.524 مليار دولار في نهاية فبراير 2018، كما ساعدت وزارة المالية في تمويل عجز الموازنة، والتأكيد حينها أن مصر على أبواب انتعاش اقتصادي يبرر الإصلاحات المؤلمة حينها للعديد من المصريين بحسب دراسة للمعهد المصري للدراسات.

فائدة مرتفعة.. فرصة للربح السريع

وقررت لجنة السياسة النقدية في اجتماعها الاستثنائي، الأربعاء الماضي، رفع سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي بواقع 600 نقطة أساس ليصل إلى 27.25%، 28.25% و27.75%، على الترتيب. كما تم رفع سعر الائتمان والخصم بواقع 600 نقطة أساس ليصل إلى 27.75%.

كما طرح بنكا الأهلي ومصر شهادات استثمار جديدة مرتفعة العائد تصل إلى 30% بأجل 3 سنوات، وينخفض العائد في العامين الثاني والثالث إلى 25% و20% على التوالي، بدوريات صرف متعددة للعوائد.

المال الساخن “هتبوظ لنا الدنيا”

تقول الدكتورة عالية المهدي، خبيرة الاقتصاد، إن القطاع المصرفي رفع سعر الفائدة بنحو 6% كما أصدر بنكا الأهلي ومصر شهادات 30%، وهو أمر جاذب لأموال ساخنة تدخل البلاد وتشتري الشهادات، مضيفة: “قد تخرج تلك الأموال بفوائدها الدولارية بعد سنة وتبوظ لنا الدنيا”.

وعانى الاقتصاد المصري بقوة منذ مارس 2022، حينما خرجت 25 مليار دولار من الاستثمارات غير المباشرة في أدوات الدين المحلية (الأموال الساخنة) من السوق المصرية نحو عائد أعلى على الدولار الأمريكي، بعد قرار الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم في الداخل.

اقرأ أيضًا: الجنيه والأسعار.. 8 أسئلة يبحث المواطن عن إجاباتها بعد “اصطباحة الأربعاء”

كان الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، والدكتور محمد معيط وزير المالية، قد أكدا في أكثر من مناسبة خلال العام الماضي، عزم الحكومة التركيز على جذب المزيد من الاستثمارات المباشرة لتجنب الصدمات الناجمة عن أي هجرة مفاجئة للأموال الساخنة.

تقترح المهدي على الحكومة إصدار قانون يفرض رسومًا مرتفعة علي حركة رؤوس الأموال الساخنة إذا خرجت من البلاد قبل مدة معينة ولتكن سنة ونص أو سنتين، بحيث نقلل من خسائر خروجها السريع علي سوق الصرف”. 

“تجارة المناقلة” تعود لبؤرة التركيز

أوصى بنك جيه بي مورجان بشراء أذون خزانة مصرية بعد تحقق ما أسماه بـ”المحفزات المنتظرة”، في أعقاب رفع البنك المركزي المصري سعر الفائدة والسماح بمرونة سعر صرف الجنيه أمام الدولار”، مضيفًا: “عادت تجارة المناقلة لبؤرة التركيز في مصر”.

تجارة المناقلة هو مصطلح دارج في سوق الفوركس والأموال الساخنة، ويعني اقتراض المستثمر الأموال بعملة ذات سعر فائدة منخفض (أي عملة أجنبية دولية الفائدة عليها منخفضة)، واستثمار تلك الأموال في عملة ذات سعر فائدة أعلى (الجنيه المصري على سبيل المثال).

وحذرت “المهدي”، في تصريح سابق، من إمكانية دخول الاقتصاد في حلقة مفرغة، بالحصول على قرض من صندوق النقد، ثم تحرير لسعر الصرف، ثم ارتفاع معدل التضخم، ورفع سعر الفائدة، فالجذب لرؤوس أموال ساخنة، ثم فرحة كبيرة بسبب تلك الأموال، وألم شديد عند انسحابها السريع من السوق، والنتيجة زيادة التزامات مصر تجاه الخارج.

أين نحن من زيادة القدرة الإنتاجية؟

وترى خبيرة الاقتصاد أن التركيز يجب أن يكون منصبًا على معالجة المشكلة الأساسية، وهي زيادة القدرة على الإنتاجية وتنويع المنتجات من سلع وخدمات، وزيادة الاعتماد على الذات في توفير احتياجاتنا الاساسية من السلع الغذائية والاستهلاكية ومدخلات الإنتاج الضرورية، مشددةً على أن صندوق النقد الدولي لا يهتم بمعالجة المشكلة الحقيقية، لكنه يهتم بالمشاكل الظاهرية المالية فقط، ما يتطلب تغيير السياسات التي تم تجربتها ولم تحقق النتيجة المطلوبة.

ماذا يعني العائد المرتفع؟

ويحذر الخبير الاقتصادي أحمد أبو السعد، عضو مجلس إدارة البورصة المصرية، مما حدث في جلسة أذون الخزانة الأخيرة؛ فالمبلغ المطلوب كان 30 مليار جنيه والمعروض من قبل المؤسسات وصل إلى 253 مليار جنيه، ومتوسط العائد وصل إلى 32.30%، وبمعنى آخر اجتذبت مصر 5 مليارات دولار تقريبًا في أول عطاء بعد التعويم، وتم قبول 1.8 مليار دولار منها، تكلفتها في عام واحد 600 مليون دولار، والذي يوازي 5% من دخل قناة السويس السويس، ما يؤكد أن أعباء خدمة الدين بهذه التكلفة الكبيرة بحاجة إلى إعادة تخفيض الفائدة مرة أخرى في أسرع وقت، حتى لا يكون التأثير كارثيًا على الموازنة العامة للدولة.

المال الساخن لا يجب أن تكون الأصل

وبحسب خبراء، فإنه من المفترض أن تكون الأموال الساخنة استثمارًا تكميليًا كمصدر للنقد الأجنبي وليس الأصل، مع ضبط النفقات الحكومية، حتى لا تحتاج الدولة لمزيد من الاقتراض بفائدة مرتفعة، تزيد من عبء فوائد الدين الذي يشكل حاليًا ثلثي مصروفات الموازنة العامة للدولة تقريبًا.

وتؤكد آخر بيانات رسمية عن أداء الموازنة العامة للدولة للعام الحالي، أن مصروفات الحكومة لسداد فوائد الديون التهمت نحو 70% من الإيرادات التي جمعتها أجهزة الموازنة خلال أول 7 أشهر من 2023/ 2024، إذ وصلت قيمة مدفوعات الفوائد 482.6 مليار جنيه مقابل 349.4 مليار جنيه خلال الفترة ذاتها من عام 2021- 2022، بزيادة 133.2 مليار جنيه.

ويضيف “أبو السعد” أن العطاء الأول لأذون الخزانة بعد تحريك سعر الصرف شهد عودة الصناديق الأجنبية مثل ستاندرد شارترد، جي بي مورجان، جولدمان ساكس وغيرها، وهو ما يمثل عودة للأموال الساخنة، وهي مطلوبة في الفترة القصيرة القادمة، لكن الأهم عودة تحويلات المصريين بالخارج بعد القضاء على السوق السوداء.

وكشف البنك المركزي المصري عن تراجع تحويلات المصريين العاملين بالخارج بمعدل 29.9%، لتبلغ نحو 4.5 مليار دولار، خلال الأشهر الثلاثة من يوليو وحتى سبتمبر 2023، مقابل نحو 6.4 مليار دولار في الشهور ذاتها من 2022.

وشدد “أبو السعد” على ضرورة استعادة ثقة المستثمرين المصريين قبل الأجانب وإبداء الجدية في الإصلاحات المالية والهيكلية وليست النقدية فقط والعمل علي لا شئ سوى تهيئة مناخ الاستثمار بشكل جذري، وتابع: “عودة الثقة هتاخد وقت عكس فقدانها الذي يتم بأسهل الطرق وبمجرد تصريحات تفتقد الفطنة والذكاء”.

البورصة تنتعش بفضل مؤسسات أجنبية 

خلال تعاملات الأسبوع الماضي، كانت المؤسسات الأجنبية كلمة السر في أداء البورصة؛ إذ توجهت هذه المؤسسات نحو الشراء بصافي تعاملات نحو 610 ملايين جنيه، مقابل توجه نحو البيع من قبل المستثمرين المصريين والعرب بصافي تعاملات نحو 386 مليون جنيه و225 مليون جنيه على التوالي.

وخلال العام الحالي، أصبح الجنيه المصري ثالث أسوأ عملية أداءً بعدما تراجع بنسبة 38.3% أمام الدولار منذ بداية العام الجاري، وجاءت العملة المحلية يعد الليرة اللبنانية التي تراجعت بأكثر من 83%، والنيرة النيجيرية التي تراجعت بنسبة 42% منذ بداية 2024.

وقفزت مشتريات المؤسسات الأجنبية في ‎البورصة المصرية بمؤشرها الرئيسي EGX30، الذي يقيس أداء أكبر 30 شركة مقيدة بالسوق المالية، بنسبة 5.11% إلى 30,542 نقطة، ليسجل أعلى إغلاق يومي له منذ تدشينه في يناير 1998.

الدخول السريع لتلك الأموال، يدفع الكثير من الدراسات للمطالبة بقواعد تنظيمية تجنب مصر أزمة مارس 2022، خاصة فيما يتعلق بالقيود على تدفقات رأس المال إلى الخارج في وقت الأزمات، مع التركيز على جذب الاستثمارات الطويلة الأجل وتعزيز المدخرات والاستثمارات المحلية.

تدفقات الاستثمارات الأجنبية دويلة الأجل مهمة

يقول الدكتور أحمد العطيفي، محلل سوق المال، إن الأهم في الفترة الحالية هو ضمان تدفق استثمارات أجنبية مباشرة  طويلة الأجل، وتدفقات نقدية مستمرة من الدولار لسنوات مع تطوير الصناعة والزراعة وتحقيقها نموًا بنسبة أسرع من نمو السكان.

ويضيف العطيفي أن نجاح التعويم متوقف على استمرار تواجد الدولار،  وأن يجده التاجر في البنوك، وأن يتم الافراج عن كافة السلع بالموانئ، فليس المهم سعر لكن المهم إتاحته واستمرار توافره.

وتؤكد الدراسات على ضرورة تحقيق التوازن بين فوائد ومخاطر الأموال الساخنة في الاقتصاد العالمي، ففي حين أنها تعزز النمو الاقتصادي، فإنها يمكن أن تؤدي أيضًا إلى عدم الاستقرار المالي والتقلبات حال خروجها سريعًا في وقت الأزمات. وهو أمر عانت منه مصر مرتين؛ أولهما في أعقاب ثورة يناير 2011، وثانيهما في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية ورفع الفائدة الأمريكية في مطلع 2022.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة