رأس الحكمة.. ما بين الشوربة والزبادي وإعلام الدجالين

هذا المقال كان في كثيره، جزءًا من النقاش الأخير بين الفقير إلى الله، كاتب هذه السطور، والصديق الفقيد والزميل النابغ أحمد شوقي العطار، الذي وافته المنية فجر الإثنين الماضي، فلروحه الطيبة ألفُ رحمة وسلام. 

ثمة ضباب كثيف اكتنف ويكتنف، ما يسميه الخطاب الحكومي الرسمي، وتابعه الإعلامي بالطبع "الصفقة الكبرى".

خرج علينا رئيس الحكومة فأكد أنها كبرى، ثم سكت أربعًا وعشرين ساعةً، ربما على سبيل التشويق، كأفلام ألفريد هتشكوك، فإذا بالناس في حيص بيص؛ في كل وادٍ يهيمون، لا يجدون شرحًا أو تأويلًا، ولا تفسيرًا أو تعليلًا، هناك صفقة كبرى وكفى، ألا إن "بطلوا هري" هي المنهج والطريقة.

إثر ذلك ثارت عواصف الأسئلة والشائعات، التي لم تجد لها مسرحًا إلا ساحات التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية، كونها المساحة الوحيدة المتاحة للتعبير عن الرأي، بعد غلق منافذ التعبير الأخرى، بالمدرعات والجنازير والأسلاك الشائكة، في جمهورية الصوت الواحد والرأي الواحد.

وبعد اختلاط الحابل بالنابل ليلة ويومًا، أطل الدكتور مدبولي، بعينيه الناعستين وصوته الرخيم، ليصرّح بأن الصفقة تتعلق بمنطقة رأس الحكمة، وتتمثل في اتفاق أبرمته القاهرة وأبوظبي، لإقامة مشروع عمراني على مساحة 41 ألف فدان، في المنطقة السياحية والخلابة، على سواحل مطروح الفيروزية، وستتسلم مصر بمقتضى ذلك 24 مليار دولار على دفعتين، خلال شهرين على الأكثر، فضلًا عن 11 مليارًا أخرى، سيتم شطبها من الديون المستحقة للإمارات.

وبعيدًا عن طبيعة الصفقة ذاتها، إذ أن تلك لا تمثل أُسَّ القضية، فالصفقات ليست زواجًا كاثوليكيًا، وواردٌ أن تخضع لتعديلات إثر مستجدات الاقتصاد والسياسة، بما يلبي مصلحة طرفيها، وبعيدًا كذلك عن الاستغراق في سرد تعريفات تجارية، على غرار حق الإدارة وحق الانتفاع والاستحواذ، تظل "أم المعايب" في الصفقة، هي طريقة إبرامها التي لا تتسق من قريب أو بعيد مع مفهوم الدولة الحديثة أو حتى القبيلة الجاهلية، حيث كانت القرارات بإجماع الشيوخ والحكماء، وإنما تتسق مع مفهوم العزبة التي يتصرف أصحابها فيها، كما يشاؤون متى يشاؤون.

هذا ما حدث، ضربت الحكومة عرض الحائط، بكل المسارات القانونية الواجبة، لدى إبرام صفقة تقول إنها استراتيجية، وتصفها بالأكبر في تاريخ البلاد، فلا البرلمان "شاف أو سمع أو حس"، ولا الصحافة ناقشت واستقصت آراء الخبراء، بل إن الحكومة تفاوضت فاتفقت فأبرمت الاتفاق، بطريقة تُعبِّر عن إصرار فظ على المنهج ذاته، الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه، من ضائقة اقتصادية غير مسبوقة؛ منهج نحن نعرف أكثر، وأدرى بالمصلحة من الجميع، ولا يصحُّ انطلاقًا من الثقة في شخص رأس الدولة، أن تركنوا إلى القلق، أو تستسلموا للقيل والقال، فتلك وسوسة شيطان رجيم، إنه كان للإنسان عدوًا مبينًا.

السادة الذين يملكون البر والبحر والنهر والهواء، أبرموا صفقة كبرى، افرحوا يا عيال هللوا يا عيال، وإياكم ثم إياكم أن تسألوا عن أشياء إن تبدو لكم تسوؤكم، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين.

مشهد يؤكد المؤكد من أن أزمة مصر الاقتصادية، ترجع في الأصل إلى علة سياسية مستحكمة، إذ لا تضع الحكومة الرأي الآخر في الاعتبار، إلى درجة أنها لم تسمح قبيل إبرام الصفقة، بنقاش يشارك فيه خبراء السياحة والاقتصاد، فيؤيد فلان، ويعترض علان، بغية الوصول إلى صيغة ما، فيتولى فريق قانوني بعدئذٍ تحرير العقود.

هذه مسلمات بديهية، أو قل مسارات حتمية، في حال إبرام عقد شراكة بين عم أحمد البقال، وأم إبراهيم بائعة الفجل البلدي، فكيف إذا كان الطرفان دولتين لكل منهما مصالحهما التي قد تتعارض في أي محطة كما هو الحال في أي اتفاق اقتصادي؟

تبرير عدم أخذ ذلك في الاعتبار بالعلاقات المتينة بين القاهرة وأبوظبي، ليس مسوغًا لهذا المسار التفاوضي، بل إن الحفاظ على متانة العلاقات، كان يستدعي اتفاقًا واضحًا ومحددًا، وقبل ذلك معلنًا للرأي العام، بما يدرأ احتمالات وقوع خلاف في الغد، لأي سبب من الأسباب.

آليات إبرام الصفقة بمنأى عن المسارات القانونية، وعلى رأسها إطلاع البرلمان مسبقًا، رغم معرفتنا بأن البرلمان لن يرفض طبعًا، تحمل من حيث الشكل، كل معاني الاستهزاء بالإنسان المصري، فرأيه ليس في الاعتبار، فأنتم "عبيد إحساننا"، ولا تنبسوا بحرف اعتراضًا، وإن المعارضين لفي حميم وسقر، أو في سجن مركزي على ذمة اتهام بالانضمام لجماعة إرهابية.

واللافت أن هذه الآليات بالتوازي مع التكتم، قد أشعلت نيران الشكوك في فحوى الصفقة ومردودها، فما دامت المكاشفة غائبة، والإجراءات الدستورية والقانونية غير معوَّلٍ عليها، فمنطقيٌّ عندئذٍ أن يُستمال الناس إلى الآراء السلبية، مهما أمعنت تطرفًا وشططًا.

كشأن أي قرار كبير في مصر، بعد الثلاثين من يونيو، انشق المجتمع بسكين الخلافات إلى معسكرين متصارعين، ثمة فريق من لاطمي الخدود، ممن ينعون بيع قطعة غالية بخسًا من أرض الكنانة، وثمة فريق يُبشِّر بالمن والسلوى إذا يساقط من السماء، بما يزيد تراكميًا من عمق الانقسام في الواقع المصري.

مشهد لزج كان ممكنًا تجنبه، بل كان سهلًا، بمجرد الإعلان بشفافية عن بدء المباحثات، وموضوعها ومساراتها وتطوراتها، لكن السرية المفرطة والإعلان المفاجئ والغامض، أخرج أفاعي الشك من مكامنها في صدور "الذين لسحوا التراب" جراء الغلاء، الذي لا يستقيم الدفع ببراءة الحكومة التي أبرمت الصفقة "هي بعينها"، من مسؤولية اندلاع نيرانه.

الحكومة -أو النظام، لا فرق- هي التي أفسحت المجال للقيل والقال، وهي التي خلقت اتجاهًا شعبيًا جارفًا، يتوجس خيفة من أن تكون رأس الحكمة لحقت بأخواتها.

الثقة راحت في ستين داهية، إثر توالي وعود الرخاء والنماء، من دون أن يرى الناس منها إلا "طق حنك" الإعلاميين إياهم، وصرخاتهم الناعقة الزاعقة، أن أصبروا حتى تروا في مصر ما يجعل عفاريت الجن تستعجب.

جدار الثقة لم يسقط مرةً واحدة، إثر زلزال أو صاعقة من السماء، وإنما تآكل شيئًا فشيئًا، مثلما تفعل عوامل التعرية بالجبال.

على ذكر التعرية، فإنها بدأت مبكرًا مع المؤتمر الاقتصادي الذي أدخل إلى الخزينة 100 مليار جنيه، كما كان يقال، وتفريعة القناة التي حققت دخلًا في سنة، يوازي حجم الإنفاق على "حفرها على الناشف"، كما كان يُقال، قبل أن تغدو بعدئذٍ، مشروعًا التهم 64 مليار جنيه، من مدخرات المصريين، لرفع الروح المعنوية، وكذلك مزارع الثروة السمكية التي وصل سعر الكيلو جرام من السمك البلطي بعدها إلى 90 جنيهًا، وأخيرًا وليس آخرًا، التعويم الذي نحث خطواتنا إليه مجددًا، والذي قيل في مرتيه الأولى والثانية، إنه قرار اقتصادي سيسقط الدولار المتعجرف عن عرشه، أمام الجنيه، فإذا بنا صرنا نسأل الله له الرحمة.

إلى جوار ذلك، فإن استنساخ الخطاب الإعلامي التطبيلي، استدعى إلى العقل الجمعي، إن صح التعبير، كلَّ ما هام الناس وراءه من أضغاث أحلام، تبعثرت كالرماد أمام رياح الواقع، فإذا بالعزف على ربابة الرخاء المنتظر، والتغزل في الإنجاز غير المسبوق، الذي يُنتظر أن "يُنغنِّغ" مصر، لا يجد صدى في العقول، ولا موضعًا في القلوب.

انهيار جدار الثقة خطر داهم على أية دولة أو بالأحرى مجتمع، وليس على النظام السياسي فحسب، والمؤكد أن تشكيك الناس في الصفقة لا يرجع إلى طبيعتها أو سريتها فحسب، إذ ينبثق من عدم الثقة في الحكومة في المطلق، ولعل الخطاب الإعلامي بذاته من أسباب ذلك، نظرًا لما اتسم به من نزعة اختزالية وسطحية، لواقع الأزمة الاقتصادية، والتي لا يكمن حلها في استدرار الأموال كإجراء أحادي، بل في كيفية إدارة هذه الأموال.

وغني عن البيان أن توفير 24 مليار دولار، لن يسد فجوة العجز في صافي الأصول الأجنبية بالجهاز المصرفي، بعد أن بلغت نحو 26 مليارًا في أغسطس من العام الماضي، بما يتسبب حتى الآن في عرقلة الإفراج عن السلع في الموانئ، ومنها سلع إنتاجية واستراتيجية كمستلزمات صناعة الدواء، كما توجد أقساط وفوائد الدين الخارجي التي تزيد عن 42 مليارًا، ولا بديل عن سدادها.

إذن.. إن الصفقة ليست طوق النجاة الذي سينتشل البلاد من دوامات الغرق، كما يُسوَّق لها، وليست رغم ضخامتها فتحًا مبينًا، ذلك أن الاستحقاقات المالية على الحكومة المصرية، كنار جهنم، كلما ألقي إليها سألت: هل من مزيد؟

وهناك تخوف فضلًا عما سبق، من أن تذهب عائدات الصفقة، على المشروعات الاستعراضية المظهرية، كأطول برج وأكبر مسجد وكنيسة وأعظم كوبري، وما نحو ذلك من مبانٍ خرسانية تبتلعها رمال الصحراء، من دون أن تحقق العوائد المأمولة من ورائها.. ما يُضخم تخوفات الناس الذين لسعتهم الشوربة، فإذا بهم ينفخون في الزبادي.

هكذا تبدو الصفقة في وجه من وجوهها، جرعة مسكن ضرورية للاقتصاد المصري، لكن هذا المسكن مؤقت المفعول، والجسد المريض ستباغته لا محالة نوبات الألم مجددًا، والعربة تتجه نحو الحافة، على وقعٍ من ضجيج جوقة المهللين المؤيدين.

إن المقارنة ما بين المستحق واللازم سداده، وما بين الوارد من عائدات، تكشف عن فجوة ليس معلومًا كيفية سدها، على الأقل خلال العام الجاري، إلا إذا كان الإعلام سينصح الحكومة حين تتلقى الفلوس بقراءة المعوذتين مثلًا، كما نصحت سيدة ما، يقدمها الإعلام ذاته باعتبارها خبيرة في الطاقة، المواطنين بقراءة سورة قريش سبع مرات، لدى إدخال بطاقة السحب إلى ماكينة الصراف الآلي في البنك، حتى تزيد مدخراتهم، ربما بتدخل من "عفركوش وشمهورش".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة