تدخل امرأة ثلاثينية شابة إلى مقر عملها بذراع مكسور، حين تسألها زميلاتها عن السبب تكون الإجابة: “أصلي وقعت ع السلم..” أو “اتزحلقت وأنا بامسح..”، وأخرى تدخل على أسرتها في زيارة عائلية فتكشف عن ذراعها المصاب برضوض زرقاء اللون، وحين تسألها أختها أو أمها عن السبب تدعي أنها “اتخبط وأنا بنقل التلفزيون…” الإجابات كثيرة ولا تنتهي وإنما الحقائق الغائبة أكثر.
هذه المشاهد التي نسردها ليست من وحي الخيال، بل هي مشاهد متكررة ومتعددة الصور تواجهها المرأة في المجمتع المصري، بل وفي أي مجتمع آخر. إن مشاهد العنف الأسري هذه هي الأكثر عنفًا بين صور العنف التي تملأ مجتمعنا مؤخرًا في ظاهرة متنامية الأطراف والأسباب، وسبب ذلك أنه في أغلب الأحوال عنف مستتر تخفيه المرأة إما خوفا أو خجلا أو “علشان المركب تمشي..”.
تكلف ظاهرة العنف الأسري الدولة والمجتمع ثمنًا غاليًا من المقومات الأساسية لاستقرار الأسر المصرية، ثمنًا اجتماعيًا، واقتصاديًا، وبشريًا تبذله الدولة نتيجة الأفكار الدينية والعادات والتقاليد المجتمعية التي تكون في كثير من الأحيان ليست من الدين في شيء سوى أن ذلك ما وجدنا عليه أبائنا من قبل.
تعرف الأمم المتحدة العنف الأسري على أنه “نمط سلوك في علاقة ما يُمارَس لإحراز السلطة والسيطرة على شريك حميم أو لمواصلة إخضاعه”، وقد رصدت تقديرات معدل العنف ضد المرأة الصادر عام 2018 أن امرأة واحدة من كل 3 نساء يتعرضن للعنف الأسري على مستوى العالم، لكن ما الذي يتكلفه المجتمع نتيجة ذلك؟
تؤدي ظاهرة العنف المنزلي في الغالب إلى مشكلات نفسية خطيرة لدي المرأة والأطفال كذلك، مما يخلق دائرة عنف لا ينتهى تأثيرها عن حدود الأسرة فقط بل انه يخرج إلى دائرة المجتمع الأكبر كذلك، وتتحمل الدولة تكلفة علاج آثار ذلك العنف سواء الجسدي أو النفسي نتيجة التعرض للاصابات والامراض، فضلًا عن تكلفة التقاضي إذا ما قدم الجناة إلى المحاكمة، وكذلك تكلفة الفرصة البدلية التي تتمثل في فقدان الإنتاجية نتيجة الانقطاع عن العمل، وتقويض قدرات المرأة، وضعف النمو الاقتصادي.
أما في مصر، رصدت دراسة أجرها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في يناير 2022 أن 75% من عينة المبحوثات تعرضن للعنف المجتمعي سواء في الشارع أو داخل الأسرة أو في أماكن العمل لكن أخطر مخرجات هذه الدراسة – في نظري – كانت أن 50% من هذه العينة لم تتخذ أي ردة فعل على ممارسة العنف ضدهن وآثرن السلبية لأنه – وفقا لما يؤمننن به – لن تستطعن أخذ حقهن في كل الأحوال!
تلك النسبة نسبة مآساوية، لك أن تتخيل أن نصف نساء المجتمع ترى أن لا الدولة ولا القانون ولا حتى دائرة الدعم الأسري من الأهل أو الأصدقاء قادرة على تصحيح الأوضاع وإرجاع حق هؤلاء النسوة ممن مارس ضدهن العنف أو الإهانة، ذلك في حد ذاته يمثل إهانة صريحة لما تتشدق به الجهات المعنية بحقوق المرأة.
منذ 7 سنوات أعلن رئيس الجمهورية أن عام 2017 هو عام المرأة المصرية لتكون قضاياها ومشكلاتها أولوية لدى الدولة، ثم بعد ذلك بخمس سنوات أي عام 2022 أصدر الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء إحصائيات مخجلة في المسح الصحي للأسرة المصرية، حيث أشارت الدراسة ثلث السيدات التي سبق لهن الزواج تعرضن للعنف الاسري، وذلك بنسة 25% من نصيب العنف الجسدي، و22% بالنسبة للعنف النفسي، و6% للعنف الجنسي وهذه نسبة من استطعن التعبير عن تلك المشكلة دون مواربة أو خوف.
وفي دراسة أخرى لبحث التكلفة الاقتصادية أعلن المركزي للإحصاء أن أطفال 300 ألف أسرة يعانون من الكوابيس والاحلام المزعجة نتيجة العنف المستمر الممارس داخل جدران منازلهم على يد الزوج، ويفقد أطفال الجمهورية 900 ألف يوم دراسي نتيجة تغيبهم عن الدراسة بسبب العنف داخل الأسرة، فأي مستقبل ينتظره هؤلاء، ولماذا لا يتم تفعيل دور الاخصائيين الاجتماعيين في المدراس العامة لمساعدة هذا العدد الضخم من الأطفال ضمن مشروع اجتماعي تتبناه الدولة؟
مليونان ونصف المليون امرأة تصاب بنوع واحد على الأقل من الإصابات نتيجة العنف على يد الزوج، فإذا كانت إحصائية الجهاز المركزي تقدر ذلك العدد لنوع واحد فقط من الإصابات على العنية المبحوثة، فكيف يكون العدد الحقيقي للمصابات في الأنواع الأخرى. تتكبد الدولة تكلفة اقتصادية ضخمة نتيجة العنف المنزلي ضد المرأة والأطفال – وفي ظل الازمة الاقتصادية الحالية فعلى الدولة النظر للحلول الاجتماعية التي ستعزز من نمو الاقتصاد على المستوى البعيد – مثل القضاء على ظاهرة العنف المنزلي وتوفير المساعدة والتعليم للأطفال المعنفين، وكذلك الدعم للمرأة المعنفة والمعيلة في ذات الوقت – كما تبحث عن الحلول الآنية.
