الإثنين, يناير 19, 2026
spot_img

ضم الهيئات الاقتصادية.. توحيد للموازنة أم “تجميل للديون”؟

يناقش مجلس النواب، هذا الأسبوع، مشروع قانون تعديل بعض أحكام قانون المالية العامة الموحد، لتتضمن (توحيد الموازنة” بضم موازنات 59 هيئة اقتصادية خلال خمس سنوات، كانت لها موازناتها الخاصة، ولا تتبع الموازنة العامة، إلا في إحالة الفائض أو تغطية العجز.

حال إقرار مجلس النواب التعديلات الجديدة، سيبدأ تطبيقها من موازنة العام المالي 2024/ 2025 التي تعدها وزارة المالية حاليًا، لتتضمن 40 هيئة اقتصادية، على أن تتسع الهيئات التي يتم إرفاقًا تباعًا على مدار السنوات الخمس، لتشمل جميع الهيئات.

توحيد الموازنة.. تجميل للديون

بحسب وزارة المالية، فإن هذه الخطوة هدفها زيادة الشفافية، وزيادة إيرادات الموازنة العامة للدولة التي تبلغ 2.1 تريليون جنيه للعام الحالي، بينما الهيئات الاقتصادية تناهز 2.9 تريليون جنيه. لكنها خطوة لا تخل ـ بحسب خبراء ـ من محاولات لتحسين صورة الموازنة من ناحية العجز والفوائد.

يقول النائب محمد فؤاد، عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب سابقًا، إن مبدأ وحدة الموازنة يضيف 2.7 تريليون جنيه لبند الإيرادات ويحل مشكلة مزمنة سبق أن تحدث عنها وزير المالية محمد معيط حينما ذكر 20% من حجم الايرادات في مصر خارج الموازنة. وهو أمر لا يستقيم ولا يجب أن يستمر.

يُقصد بوحدة الموازنة إدراج جميع نفقات الدولة وإيرادات الموازنة العامة في وثيقة موازنة واحدة، وفي الوضع القائم، فإن الهيئات لها موازنتها الخاصة ولا تتعامل مع الموازنة إلا بمبدأ الفائض والعجز، فإن كان لديها فائضًا يتم تحويله للوزارة وفي حالة العجز تتم تغطيته منها.

توحيد الموازنة.. مطلب سابق للصندوق

وقد سبق وأن طالب صندوق النقد الدولي وزارة المالية بتطبيق “وحدة الموازنة” على أن تشمل الهيئات الاقتصادية ومعها الصناديق الخاصة التي يبلغ عددها 6 آلاف و667 صندوقًا، ولا يوجد تقدير كامل بإجمالي المبالغ الخاصة بها التي يقدرها البعض بمئات المليارات.

وحدة الموازنة أحد معايير الحكم على الشفافية لتعزيز القدرة على محاسبة الحکومة والثقة في السياسات، وتعزيز الرقابة البرلمانية، وتفعيل المشارکة المجتمعية في صنع الموازنة العامة، والسيطرة على الإنفاق العام ولحد من الأزمات المالية، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

يضيف “فؤاد” أن توحيد الموزانة أمر جيد، إذ يُسمح بالتحكم في المصروفات بشكل أدق، ويضع كل إيرادات الدولة تحت تصرفها وتحت أعين مجلس النواب وقت المناقشة، كما يعمل على تحسين الشكل المحاسبي، بعدما ارتفعت نسبة إيرادات الضرائب لدى مقارنتها بالدين العام لمرحلة حرجة جدًا.

وبحسب وزير المالية، فإن معدل الدين للناتج المحلي انخفض من 103% في يونيو 2016 لنحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي خلال يونيو 2020، لكنه عاود الارتفاع مرة أخرى بسبب التضخم وارتفاع معدلات الفائدة، ليصل إلى 95.7% في يونيو 2023.

توحيد الموازنة يحسن شكل الاستدانة

تستهدف الحكومة أن ترتفع حصيلة الضرائب خلال العام المالي الحالي 2023-2024 إلى تريليون و530 مليار جنيه، ورغم زيادة الحصيلة المستهدفة، إلا أن نسبة الضرائب تراجعت لتمثل 71% من إجمالي إيرادات الدولة للعام الحالي مقابل 75% للعام الماضي.

يتابع فؤاد: “في 2010 كانت الضرائب تغطي خدمة الدين مرتين، في العام الماضي غطت خدمة الدين مرة واحدة.. وبالتالي فإن توحيد الموازنة يحسن شكل الاستدانة، لكن المشكلة في عدم وجود بيانات واضحة مُحدثة عن الدين المحلي على عكس الأجنبي، وكذلك بالنسبة للهيئات، ما يجعلها “نقطة عمياء” (مصطلح دارج في قيادة عربات النقل الثقيل إذ لا يمكن للقائد رؤية الجانب الآخر من مقطورته بالمرآة).

وارتفع الدين المحلي المصري في الربع الأول من العام الحالي (يناير ـ مارس) بنسبة 8% ليصل إلى 6.86 تريليون جنيه مقابل 6.352 تريليون في الربع الأخير من 2022، بحسب بيانات وزارة التخطيط، ما يعني أن الدين المحلى الداخلى قفز بنسبة 109% بزيادة 2497 تريليون في الفترة من 2016 إلى 2022.

خبراء يحذرون من التحسن المزيف

ويحذر الخبراء وزارة المالية من استغلال ضم الهيئات الاقتصادية في الترويج لنجاح اقتصادي لها بإعطاء مؤشرات على تراجع نسبة الدين العام أو الضرائب بالنسبة لإيراد الموازنة، لأنه في هذه الحالة تراجع محاسبي صرف وليس لها علاقة من قريب أو بعيد بتحسن المالية العامة.

يقصد الخبراء أن إضافة 59 هيئة اقتصادية كما تستهدف وزارة المالية يصل بالإيرادات في الموازنة لنحو 5 تريليونات جنيه مقابل 2.1 تريليون جنيه، وبالتالي تلك الإيرادات ستمثل “المازورة” التي سيتم قياس مؤشرات مثل الدين والضرائب عليها فتؤدي إلى مؤشرات غير واقعية على النحو الدقيق.

على سبيل المثال، فإن فوائد والأقساط في الموازنة الحالية تمثل 2.4 تريليون جنيه في “الموازنة الجديدة” وحال حسابها على الموارد الحالية تصبح معادلة تقريبا لإيرادات الموازنة لكن حال حسابها بناء على إيرادات 5 تريليون جنيه تصبح 48% فقط من إيراد الموازنة.

اقرأ أيضًا: رغم الضرائب والقروض.. كيف التهمت فوائد الديون 60% من مصروفات الموازنة؟

إنهاء انقسام الاقتصاد لموازنة مصر

النائب محمد بدراوي عوض، عضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، يقول إن الاقتصاد المصري كان مُقسمًا لجزأين أولهما الوزارات، والثاني الهيئات التي لها ميزانية خاصة بها منذ السبعينيات بهدف جعلها وحدات اقتصادية رابحة أو على الأقل تجنيبها الخسائر.

بحكم القانون، فإن الهيئة هى وحدة ذات شخصية اعتبارية عامة تنشأ بغرض إدارة مرفق عام يقوم على مصلحة أو خدمة عامة أو لمباشرة نشاط اقتصادى، وتنقسم إلى عدة أنواع هى: هيئات القطاع العام، الهيئات المستقلة، الهيئات الرقابية، والهيئات العامة الاقتصادية”.

تستهدف وزارة المالية يشكل أساسي الهيئات الاقتصادية التي تتوزع على عدة قطاعات خاصة قطاع الصناعة والبترول والتعدين، الذي يضم 6 هيئات اقتصادية، هى، “الهيئة العامة للتنمية الصناعية، الهيئة المصرية العامة للبترول، الهيئة العامة لتنفيذ المشروعات الصناعية والتعدينية، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، جهاز تنظيم أنشطة سوق الغاز، جهاز تنظيم إدارة المخلفات”.

بينما يضم قطاع النقل 10 هيئات أهمها سكك حديد مصر، هيئة قناة السويس، الهيئة العامة للموانئ البرية والجافة، الهيئة القومية للأنفاق”، بينما يضم قطاع الإسكان خمسة هيئات أهمها: المجتمعات العمرانية الجديدة، الهيئة العامة لتعاونيات البناء والإسكان، صندوق التنمية الحضارية”.

يقول بدراوي: “يجب دراسة المسألة كل حالة على حدى .. وأي هيئة اقتصادية أو خدمية خاسرة لابد من إعادتها للتوازن لها خلال ما بين  24 و36 شهرًا فإن استمرت في الخسائر، لابد من إلغائها ونقل الموظفين للهيئات الأخرى.

تابع: “لدينا 59 هيئة.. 30 منها نجحت في تحقيق إيرادات والباقي خاسر.. تلك الهيئات، لها امتيازات من بينها أنها غير خاضعة للحد الأقصى للأجور مثل باقي الوزارات”.

على سبيل المثال، يبلغ راتب رئيس هيئة البترول شهريًا من مرتب وحوافز وبدلات حضور ما يقرب من 300 ألف جنيه يضاف عليها 58 الف جنيه أخرى (شهريًا) حال تقسيم بدل حضوره الجمعيات العمومية وعضوية مجالس الادارات التي تقدر وحدها بـ 700 ألف جنيه سنويًا، بينما يبلغ الحد الاقصى للأجور والذي يمثل بالمناسبة رواتب الوزارء الصافي 42 ألف جنيه.

وتنشأ الهيئة العامة الاقتصادية بقانون يبين اسمها ومركزها وغرضها وتبعيتها ومجلس إداراتها واللوائح الداخلية التى تنظم أعمالها وغيرها من الأحكام التى تبين كيفية مباشرة الأعمال التى من شأنها تحقيق الغرض الذى أنشئت من أجله.

تحديات أمام توحيد الموازنة

تامر عبدالحميد، الخبير الاقتصادي، يقول إن تطبيق وحدة الموازنة يواجه تحديين الأول فى الصناديق الخاصة.. فهل ستستمر بوضعها الحالى خارج الموازنة أيضًا أم يشملها التعديل بالضم هى الآخرى؟ دون ذلك يبقى الحديث عن شمولية الموازنة العامة منقوص وغير متحقق، لأنها فى النهاية يجب أن تعكس وبشكل واضح وشفاف كافة الإيرادات التى تتحقق لأى جهة حكومية أيا كان مسماها، وكافة مصروفات هذه الجهات، فى وثيقة واحدة فقط هى الموازنة العامة للدولة.

لا يوجد تعريف قانوني للصناديق الخاصة بمصر وهي عبارة عن كيانات حكومية لها شخصية قانونية منفصلة وقدر من الاستقلالية وفي الغالب تؤسس لخدمات الصحة والتعليم،لكن وزارة المالية اعتبارا من أول يوليو 2023 تحصل على 20% من جملة إيرادات تلك الصناديق شهريًا اعتبارًا من أول يوليو 2012.

قال وزير المالية محمد معيط، في تصريحات صحفية الأربعاء الماضي، إنه لن يتم ضم الصناديق الخاصة إلى الموازنة العامة للدولة، بل ستخضع لما يسمى بالموازنة الشاملة المجمعة، والتعامل معها بنفس النظام المطبق في الشركات القابضة والتابعة.

ولا يوجد رقم حديث عن موارد تلك الصناديق لكن بحسب دراسة لمرصد الموازنة العامة وحقوق الإنسان بعنوان “مغارة الحسابات الخاصة والصناديق في مصر” فإن إيراداتها بلغت في 2011/2012 نحو 10.3 مليار جنيه مقابل مصروفات 3.6 مليار بفائض 6.6 مليار جنيه، مطالبة الحكومة بمراجعة منتظمة لتلك الصناديق بهدف  تخفيض عددها للحد الأدنى الضروري وتضمين البيانات الخاصة بوثيقة الموازنة.

يقول عبدالحميد إن وحدة الموازنة تواجه تحديًا آخر يتمثل في  الحديث عن التطبيق التدريجي لضم الهيئات الاقتصادية بالبدء بضم 40 هيئة فى البداية فيما يسمى موازنة الحكومة العامة، ولا نعرف حتى الآن على أى أساس سيتم اختيار الهيئات التى ستنضم أولا؟، ولماذا لا يتم ضم كافة الهيئات مباشرة فى الموازنة العامة؟.

موازنات ضخمة.. فوائض قليلة

يبلغ حجم مشروع موازنات الهيئات الاقتصادية للسنة المالية الحالية نحو 3 تريليونات و657 مليارا و69 مليون جنيه، وتتوع وزارة المالية تحقيقها فائضًا يؤول للخزانة العامة بقيمة 66.1 مليار جنيه، غالبيتها العظمى من ثلاث جهات فقط هي هيئة قناة السويس بقيمة 50.7 مليار جنيه، وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة بقيمة 3.04 مليار جنيه والجهاز القومى لتنظيم الاتصالات بفائض 3.6 مليار جنيه.

بحسب أحمد جلال، وزير المالية الأسبق، فإن وحدة الموازنة كانت إحدى مطالب الحوار الوطني، فهيئة المجتمعات العمرانية على سبيل المثال تبيع أراض وعقار ويأتي لها دخل، لابد أن يكون تحت يد وزارة المالية التي تحدد  المشروعات التي يفترض إنفاقها عليها، وفق لأولويات الدولة.

ارتفعت موازنة هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة من 60 مليارًا و890 مليونًا في العام المالى 2019/2020 إلى 64 مليارًا و111 مليون جنيه فى 2020/2021، ثم 120 مليارًا و273 مليون جنيه في 2021/2022، ثم 144 مليارًا و127 مليون جنيه في 2022/2023، وأخيرًا 145 مليارًا و455 مليون جنيه في العام الحالي.

يقول جلال إن مصر “ستكون أفضل حالًا عندما تطبق بها وحدة الموازنة، فمصلحة المجتمع في وضع الأموال في حزمة واحدة وإعادة توزيعها على الصالح العام، وتابع: “يجب تجنب تمويل عجز الموازنة بالاقتراض أو طباعة نقود باعتبار هما أمر يزيد التضخم، ويؤثر على الدخول الحقيقة للناس تنعكس على الرضا المجتمعي”.

الدولة تتجه نحو الحياد التنافسي

تقول سهر الدماطي، الخبيرة الاقتصادية ونائب رئيس مجلس ادارة بنك مصر سابقًا، إنه من الطبيعي ضم جميع الهيئات الاقتصادية للموازنةالعامة للدولة في ظل توجه الدولة نحو الحياد التنافسي مع القطاع الخاص، وإلغاء الامتيازات للشركات الحكومية.

وقدمت الحكومة مشروع قانون لمجلس النواب وتم الموافقة عليه متعلق بإلغاء كل المواد القانونية التي تمنح معاملة تفضيلية للشركات المملوكة للدولة، في كافة المجالات الضريبية والجمركية والرسوم، بجانب وثيقة ملكية الدولة التي تضمنت التخارج من العديد من الأنشطة.

تضيف الدماطي أن إضافة الهيئات أحد محاور اتفاق مصر مع صندوق النقد، وهو أمر سيغير شكل الموازنة ويجعلها أقرب للحقيقة، مؤكدة أن الصندوق الوحيدالذي يمكن أن يدخل الموازنة العامة للدولة هو الصندوق السيادي أما باقي الصناديق فقدراتها المالية محدودة.

بحسب الدماطي، فإنه لا يوجد تخوف من ملف الديون، فالدين الخارجي لا يتجاوز 50% من الناتج المحلي، وهو رقم ليس بكبير، لكن المشكلة في خدمة الدين التي ارتفعت أعبائها منذ رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي “البنك المركزي” الفائد إلى 5.5%.

التعليقات

موضوعات ذات صلة