بينما تتجه أنظار العالم إلى مدينة رفح الفلسطينية التي صارت ملاذا لما يقارب مليون ونصف من سكان غزة النازحين على أثر العدوان الصهيوني الممتد منذ أربعة شهور ونصف تقريبا، وفى ظل التهديدات والتصريحات الصهيونية بعملية عسكرية في رفح فإن كل الاحتمالات تبقى مفتوحة بعد أن أثبتت الحكومة الصهيونية اليمينية المتطرفة بلوغ جنونها وحماقتها الذروة دون اعتبارات أو حسابات سوى تحقيق نصر وهمى غير قابل للتحقق ردا على الضربة الموجعة التي وجهتها المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر واحتفاظ بنيامين نتنياهو بموقعه في السلطة وهو أمر صار مؤقتا في كل الأحوال، بينما أثبت ما يُعرف بالمجتمع الدولى عجزه وازدواجية معاييره فضلا عن تواطؤ غالبية حكومات الدول الكبرى مع العدوان الصهيوني تحت ذريعة (حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها)، أما الدول العربية فحدث ولا حرج في ظل تهاوي واضح لنظرية الأمن القومى العربى، وفى ظل تراجع أولوية القضية الفلسطينية لدى الغالبية العظمى من الأنظمة العربية، وفى ظل سعي وهرولة رأيناها رأى العين في السنوات السابقة نحو التطبيع مع العدو الذى أصبح حليفًا.
ومع ذلك، فإن أي نظرة موضوعية وجادة لما يجري الآن، لا يجب أن تبدأ من يوم 7 أكتوبر 2023، فهذه قد تكون بداية فصل راهن في صراع ممتد، لكن ما جرى في 7 أكتوبر بكل ما له وما عليه هو رد فعل لكثير مما سبقه من احتلال واعتداء واستيطان وحصار وأيضًا انقسام فلسطيني وتخاذل عربى وتواطؤ دولى، ومع حجم الشهداء والضحايا والمصابين المزلزل إنسانيًا وحجم الدمار المرعب الذي تسببت فيه آلة العدوان الصهيوني الغاشم، إلا أنه في المقابل فقد عادت فلسطين لتكون الراية والعنوان ومحط الأنظار والاهتمام، كما أن موجات الوعي التي انطلقت وانتشرت بين الأجيال الجديدة مصريًا وعربيًا وعالميًا تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أننا أمام قضية عادلة ورئيسية لحق شعب في التحرر من الاحتلال ومقاومته، ثم أن تداعيات كل ما يجرى الآن سيكون لها أثرها فيما بعد على كافة المستويات والأصعدة.
******
(1)
كل حديث عن فلسطين لا ينطلق من رؤية الوجود الصهيوني كاحتلال ويدعم حق المقاومة في مواجهته هو حديث لا يعول عليه.
من هنا فإن السعي للمساواة بين العدوان الصهيوني القائم والمستمر على غزة منذ أربعة شهور ونصف وبين ما جرى من ضربة مفاجئة ونوعية للمقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر، وتبرير كل هذه الجرائم والمذابح باعتبارها رد فعل وحق الدفاع عن النفس، يكشف بوضوح لا فقط عن ازدواجية معايير وإنما عن إنحياز واضح وأعمى تحكمه المصالح بالأساس، وعن صدمة سببتها مفاجأة التطور المذهل في أساليب وأدوات وتأثير المقاومة الفلسطينية كما شاهدناها في 7 أكتوبر وبما يمثل في حال استمراره تهديدًا وجوديًا حقيقيًا للكيان الصهيوني. ولهذا تحديدًا ثار جنون الكيان الصهيوني، ولهذا تحديدًا يأتي تواطؤ أمريكا والدول الكبرى إزاء رد الفعل الصهيوني، لأنه لا أحد يعلم ماذا قد يجري لاحقا إذا استمرت المقاومة في تطوير أدواتها وعملياتها على هذا النحو، ولا أحد في خططه أو تصوراته السماح بانهيار الكيان الصهيوني أو تفككه أو هزيمته على هذا النحو.
منذ عقود يجري التخطيط والترتيب والسعي لمنطقة تقودها إسرائيل باعتبارها صارت كأمر واقع جزءا من تكوين المنطقة، وبشراكة مع عدد من الدول العربية الرئيسية، ومع تسوية شكلية للقضية الفلسطينية عبر دولة مفتتة منزوعة السيادة والسلاح وغيرها من مقومات الدولة، وفى مقابل تطبيع شبه كامل بين الكيان الصهيوني والدول العربية كافة، وعبر ذلك التصور يمكن تطويع المنطقة بالكامل وبقيادة إسرائيلية وشراكة عربية في مواجهة وتقييد أي مشروعات أخرى مثل إيران أو غيرها.
لذلك، فإن ما جرى في 7 أكتوبر لم يكن تهديدًا للكيان الصهيوني فحسب، بل لمجمل هذا التصور، الذى كان يواجه عثرات وعقبات عديدة، لكن هذه العملية واحتمالات تكرارها قد تكون ضربة قاصمة له، كما أن العدوان الصهيوني المجرم وآثاره التي أثارت موجات غضب شعبية واسعة تجاوزت حدود العالم العربي، فضلا عن فشل الحكومة اليمينية الصهيونية حتى الآن في تحقيق أي نصر مقنع للداخل الإسرائيلي وانعكاس ذلك على حجم الخلافات السياسية العميقة بين المكونات السياسية الصهيونية، بالإضافة لارتفاع نسبي في سقف الخطاب العربى الرسمي رغم عدم انعكاسه فعليا في الممارسات والأفعال، فضلا عن توترات ملحوظة وملموسة في العلاقات بين الحكومة الصهيونية وبعض الدول العربية، كل ذلك وغيره يؤشر بشكل واضح على أن تداعيات ما يجري حاليا ليست قليلة ولن يمكن تجاوزها ببساطة، ورغم كل السيناريوهات التي طرحت وتطرح حول (اليوم التالي للحرب) في إشارة لخارطة طريق سياسية بعد انتهاء العدوان الصهيوني على غزة لا يبدو لها آفاق تحقق واقعي حتى هذه اللحظة على الأقل في ظل معطياتها القائمة.
******
(2)
وكل حديث عن فلسطين لا يرى الأثر المفجع للانقسام الداخلي الفلسطيني القائم منذ سنوات هو حديث لا يعول عليه.
جزء رئيسي ومهم في تراجع القضية الفلسطينية عبر السنوات الماضية، فضلا عن عوامل أخرى عديدة، هو ما تسبب فيه ذلك الانقسام بين مختلف القوى والفصائل الفلسطينية، وما وصل به الحال إلى فصل غزة وحكم حماس المنفصل لها، والخلافات التي تصل إلى حد المواجهات الداخلية، وتعثر كل سبل ومحاولات وفرص توحيد الصف الفلسطيني على كلمة سواء عنوانها الرئيسي مواجهة الاحتلال الصهيوني بكافة السبل والوسائل.
وكي لا نغض الطرف عن قضايا رئيسية وجوهرية قد تكون جزءًا من ذلك الإشكال، فإن وحدة الصف الفلسطيني لا ينبغي أبدا أن تكون على حساب الحق في المقاومة بل أن تكون هي العنوان الجامع والناظم، وفي المقابل أيضا فإن استئثار طرف أو فصيل بعنوان المقاومة باعتباره تمثيلا وتجسيدا لها هو خطيئة كبرى لها آثارها وتداعياتها، وصحيح أن هذا ليس وقت الخوض في كثير من التفاصيل والمعركة لا تزال فصولها دائرة، لكن لا حل ولا أمل ولا خطوة ممكنة للأمام إلا عبر برنامج توافق فلسطيني فلسطيني مدعوم عربيا يفرز قيادة فلسطينية جامعة جديدة تتبنى كل الأدوات والسبل والوسائل من أجل تحقيق الحق الفلسطيني المشروع في مواجهة الاحتلال الصهيوني وصولا إلى التحرر، وهذا عنوان قد يبدو بعيدا لكن الحقيقة أنه صلب القضية.
جانب مما تسبب فيه الانقسام الفلسطيني هو ترك المساحات لتعدد المآرب والمشارب والمساعي لاستقطابات إقليمية ودولية، فصار فصيلا أقرب لطرف وفصيلا آخر أقرب لطرف مناقض، والجميع يستخدم عنوان فلسطين لمصالحه الإقليمية والدولية إلا من رحم ربي، وما بين أطراف عربية متراجعة أو متخاذلة أو متواطئة لم تعد فلسطين سوى عنوانا للشعارات، أما الحقيقة أن الغالبية العظمى هرولت نحو التطبيع السري الذي أصبح علنيا بعدها، ولا يمكن لعنوان المصالحة الفلسطينية أن يتم ويكتمل إلا بحاضنة عربية جادة وداعمة.
ربما لو كانت عملية 7 أكتوبر قد جرت في أجواء مختلفة ليس بها آثار الإنقسام الفلسطيني لكانت النتائج مختلفة، وربما لو كانت تمت في ظل إمكانيات لموقف عربي مختلف لكانت حسابات ردود الفعل مختلفة، لكن المؤكد الآن أن أحد الدروس الواجبة بعد 7 أكتوبر أنه آن الأوان لإنهاء الإنقسام الفلسطيني الداخلي وضرورة السعي لبلورة قيادة فلسطينية جديدة.
******
(3)
وكل حديث عن فلسطين لا يرى حجم الإهتراء والتفكك والهشاشة الصهيونية هو حديث لا يعول عليه. جزء رئيسي من جنون نتنياهو وحلفائه في الحكومة اليمينية المتطرفة هو إدراك أن ما أنتجته عملية 7 أكتوبر كان انكشاف مدى خداع الصورة التي تم تصنيعها وتصديرها على مدار عقود عن الكيان الصهيوني ومدى قوته وقدرته وصلابته.
وجانب رئيسي من الدعم الأمريكي والدولي والغربي رغم كل بشاعة العدوان الصهيوني وإجرامه هو إستعادة تلك الصورة التي تحمي الكيان الصهيوني من أي آثار محتملة أو عمليات مماثلة لاحقا.
وواجب رئيسي على القوى الفلسطينية والعربية إدراك أن هناك نقاط ضعف جوهرية كامنة في قلب بنية هذا الكيان الصهيوني المحتل والعمل على إبرازها والضغط عليها. صحيح أنه قد يبدو على السطح تململ أمريكي أو غربي من إستمرار العمليات العسكرية الصهيونية بهذا المعدل وبهذا القدر من الإجرام وبهذه الأعداد من الشهداء والضحايا، لكن هذا التململ مستمر منذ أسابيع وشهور ولم يسفر عن شيء فعليا سوى المزيد من التهديدات الصهيونية بإجتياح رفح الفلسطينية، وبالتالي فالرهانات على الدور الذي قد تلعبه الأنظمة والحكومات الرسمية في الوقت الراهن يبدو رهانا خاسرا إلا في حدود ضيقة ومحددة، وبقدر ما يمثله ذلك من إحتمالات مخيبة للمعركة القائمة ومساحات المتحقق منها، بقدر ما يفتح الأعين بالضرورة على مساحات أخرى أولها سبل وأدوات وآليات التأثير على دوائر صنع القرار في أمريكا والدول الكبرى، وثانيها وهو الأهم كيفية التشبيك والتنسيق مع دوائر أوسع كثيرا تحركت ورفعت صوتها عاليا في مواجهة العدوان الصهيوني رغم التأثير الأولي الذي تسببت فيه ضربة المقاومة في 7 أكتوبر والتي ساهم كثيرا الإعلام الغربي والدعاية الصهيونية في تصويره كجريمة اعتداء لا حق مقاومة، وهذه الدوائر المناصرة للحق الفلسطيني المنتشرة عبر أرجاء العالم والتي تضم أجيالا شابة ليست بالضرورة متأثرة بالدعاية التقليدية والصورة المرسومة عن الصراع الصهيوني الفلسطيني، تستحق جهدا كبيرا وتنسيقا واسعا لأنه قد يبنى عليها الكثير في المستقبل.
وبقدر ما قد يمثل تشكل قيادة فلسطينية جديدة في مدى منظور نقطة ضوء في ذلك الإتجاه يجعلها قادرة على هذا التواصل والتنسيق والتشبيك، بقدر ما تمثل تلك القيادة الجديدة أيضا طرح إمكانيات وفرص لمواجهة الداخل الإسرائيلي والضغط بشكل أكبر على نقاط هشاشته وضعفه وإبرازها سواء عبر خطاب مقنع وذكي أو عبر تحركات مؤثرة وفاعلة، وبما في ذلك أيضا إعادة الترابط مع الفلسطينيين المقيمين بالداخل المحتل الذين لعبوا أدوارا بالغة الأهمية والتأثير في فصول سابقة وقريبة من الصراع.
******
(4)
وكل حديث عن فلسطين لا يعتبرها قضية العرب المركزية هو حديث لا يعول عليه.
ربما سادت في الآونة الأخيرة موجات من الخطاب في الحديث عن فلسطين بإعتبارها قضية إنسانية – وهي كذلك بالتأكيد – لكن المقصود هنا بمنطق الإغاثة والمساعدات وتدارك المأساة الإنسانية فقط، وهو في ذاته ووحده جانب كفيل بالاعتبار والدعم وبذل كل ما يمكن من أجل أرواح وحياة ما يزيد على مليوني فلسطيني يعانون أبشع الظروف وأسوأ أنواع المعاناة على صعيد الاحتياجات اليومية الأساسية. لكن الاكتفاء بهذا الجانب وحده كزاوية للنظر إلى القضية الفلسطينية به قدر كبير من التسطيح.
الإنسان هو الأهم في كل قضية، لكن هذا الإنسان الفلسطيني قضيته بالأساس هي أرضه ووطنه، وكل ما يجرى له وبه على مدار عقود منذ عام 1948 وليس فقط منذ 7 أكتوبر 2023 سببه هو دفاعه عن أرضه وسعيه لتحريرها، وما يجرى لأهل غزة تحديدا الآن ليس جديدا وإنما هو صار في صورته الأبشع وبلغ ذروته إلا أنه أيضا مستمر منذ فرض الحصار على غزة وتحويلها إلى سجن كبير.
وبالتالي محاولة تسطيح الأمر لتصبح فلسطين قضية إنسانية فقط بهذا المعنى ومن هذه الزاوية فيه نوع من التحايل على حقائق الأمور، لأن فلسطين قضية إنسانية بمعنى أن يتم تقديم حل عادل ونافع لأهلها يضمن حقهم في التحرر والحياة بحرية وكرامة وليس تحت رحمة احتلال استيطاني عنصري توسعي مجرم.
ولهذا – من بين أسباب أخرى عديدة – فإن فلسطين كانت ولا بد وستبقى قضية العرب المركزية، لأن العرب هم شركاء هذا الصراع تاريخيا وواقعيا، مهما بدا من خذلان وتراجع في مراحل، ومهما كانت الحسابات والقيود في مراحل، ولعل من اللافت أن كل النداءات العلنية – مهما غلب عليها من يأس وإحباط وغضب – من الشعب الفلسطيني في غزة كانت بالأساس تتوجه إلى العرب.
وفي القلب من العرب، تأتى مصر، بكل ما فيها وما بها، تظل محط الأنظار ومحل الرهان، في أي دور سياسي أو دبلوماسي أو إنساني أو حتى عسكري، ورغم كثير من النقد الواجب والتساؤلات المشروعة، إلا أنه في لحظات مثل تلك فلا بد أن نسمع صوتا مصرياً واضحاً عالياً، رسمياً وشعبياً، أولا إزاء التهديدات الحالة بخصوص رفح الفلسطينية وما قد تواجهه في الأيام المقبلة، أو إزاء استمرار هذا الوضع القائم منذ أربعة أشهر ونصف، وصحيح أن مصر أعلنت مبكرا رفضها للعدوان ورفضها لتهجير الفلسطينيين الذي قد يتحول إلى نكبة جديدة، لكن بما يجرى على حدود مصر الآن صار واجبا أن نرى خطاب وتحركات بمستوى مختلف يلائم اللحظة وما يجرى فيها، بما يبدأ – ولا ينتهي – بالتأكيد أن ارتكاب مجازر جديدة في رفح والسعي لتهجير الفلسطينيين الذين أووا إليها سيكون بمثابة إعلان عن إنهاء – أو تجميد أو تعليق – اتفاقية السلام القائمة .. كما صار واجبا أن نرى مساحات للشعب المصري ليؤكد دعمه ومساندته للشعب الفلسطيني بكافة الأدوات والوسائل، ولعل بعض المشاهد مثل بائع الفاكهة الذي تبرع ببعض البرتقالات لقافلة مساعدات متوجهة إلى معبر رفح والدعم الذي لاقاه من المحيطين به، أو التبرعات المادية والعينية على مدار الشهور الماضية، أو حملات المقاطعة التي انتشرت بشكل طبيعي وتلقائي لا تزال قائمة لمنتجات الشركات الداعمة للكيان الصهيوني، أو حملات المساندة والدعم الإعلامية عبر وسائل التواصل الإجتماعي التي شارك فيها كثير من الأجيال الجديدة، كل ذلك وغيره يؤكد بما لا يدع مجالا للشك عن وعي الشعب المصري وانحيازه الواضح لدعم الشعب الفلسطيني، وهو ما يحتاج لمساحات أوسع للتعبير عنه وبلورته، خاصة في مثل تلك اللحظة التي تقترب فيها الجرائم الصهيونية إلى أقصى درجة من حدود مصر.
******
“وأنا العطشان مليش ميه
إلا فلسطين
ولا تشيل أرض رجليَّ وتنقل خطوتي الجاية
إلا فلسطين”
