أوضحت مصر، اليوم السبت، طبيعة أعمال إنشاء تجري على الحدود مع قطاع غزة، في وقت تتصاعد فيه تهديدات إسرائيلية باجتياح بري لرفح الفلسطينية، وتنتشر أخبار عن بناء مصر منطقة عازلة لاستضافة أعداد منهم. وهو ما نفته مصر على لسان محمد عبد الفضيل شوشة، محافظ شمال سيناء، والذي أعلن أن القوات المسلحة تقيم منطقة لوجستية لاستقبال المساعدات الموجهة إلى غزة.
كيف بدأت أخبار جدار سيناء؟
ظهرت الأنباء عن المنطقة التي تبنيها مصر قبل يومين، مع صور نشرتها مؤسسة تُعرف نفسها بـ"سيناء لحقوق الإنسان"؛ تتحدث عن إنشاء منطقة عازلة أمنية لاستقبال فلسطيني غزة في حالة حدوث نزوح جماعي، حيث أظهرت مقاطع فيديو نشرتها إلى بناء جدار زعمت أن ارتفاعه 5 أمتار أو 16 قدمًا.
وقالت المنظمة - التي تصف نفسها بأنها مجموعة غير حكومية لحقوق الإنسان مكونة من نشطاء وباحثين وصحفيين ومقرها لندن - إن اثنين من المقاولين المحليين أخبروها أن القوات المسلحة المصرية هي التي نفذت المهمة.
اقرأ أيضًا: لماذا الكل يخشى التصعيد الإسرائيلي في رفح؟
وقد أكدت هذا الحديث "سي إن إن"، التي نشرت صورًا بالأقمار الصناعية، قالت إنها تظهر جرافات وصلت إلى الموقع في 3 فبراير، وأن الأعمال الأولية للبناء بدأت في 6 فبراير، وكانت هناك زيادة كبيرة بها في الأيام الخمسة الماضية.

كما أكدت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية نقلًا عن مصادر مصرية -لم تحدد هويتها- ومحللين أمنيين أن مصر تقيم منطقة ما محاطة بجدران خرسانية قرب الحدود مع قطاع غزة. وذكرت أن هذه المنطقة بُنيت تحسبًا لاحتمال تدفق كبير للنازحين الفلسطينيين، بسبب العملية العسكرية الإسرائيلية المحتملة في رفح.
وأضافت الصحيفة أن المنطقة التي تقع في شمال سيناء وتقارب مساحتها 13 كيلومترًا مربعًا تقع بعيدًا عن التجمعات السكنية، ونشرت صورًا التقطتها أقمار صناعية لشركة "لابس بي بي سي" ومقرها في سان فرانسيسكو، تظهر تجريف التربة في المنطقة المغلقة المفترضة بين 4 و14 فبراير الجاري. وأضافت أن هذه المنطقة قد يقام فيها مخيم يستوعب نحو 100 ألف نازح فلسطيني.
ما قالته القاهرة عن جدار سيناء؟
كانت القاهرة نفت على مدار اليومين الماضيين صحة هذه التقارير الغربية عن إنشاء منطقة لاستقبال لاجئين محتملين من قطاع غزة.
ومعبر رفح على الحدود مع مصر هو الشريان الرئيسي لدخول المساعدات إلى غزة.
وأوضح "شوشة" أن المنطقة التي يجري إقامتها وتجهيزها تضم أماكن لانتظار الشاحنات ومخازن مؤمنة ومكاتب إدارية، وأماكن مبيت لسائقي الشاحنات.

وهو ما يؤكد بيان الهيئة العامة للاستعلامات، الذي نفى قطعيًا مزاعم مشاركة مصر في عملية تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء. حيث أوضح البيان أنه "لا يمكن لمصر اتخاذ أي إجراءات على أراضيها تعطي انطباعًا يروج له البعض تزويرا بأنها تشارك في جريمة التهجير التي تدعو إليها إسرائيل".
وقد أشار هذا البيان أيضًأ إلى أن مصر لديها بالفعل منذ فترة طويلة منطقة عازلة وأسوار على حدودها مع غزة للحفاظ على أمن حدودها وسيادتها على أراضيها.
ويتسق هذا مع رفض القاهرة المحاولات الإسرائيلية لدفع سكان قطاع غزة إلى العبور إلى أراضيها، الأمر الذي تعتبره القاهرة مساسًا بسيادتها وتهديدًا لأمنها القومي ومحاولة لتصفية القضية الفلسطينية. واتفقت معها فيه عديد من الدول العربية وحتى الغربية التي حذرت من مغبة إقدام إسرائيل على تنفيذ مخطط من هذا النوع.
ما الذي يدفع الصحافة الغربية لتبني رواية المنطقة العازلة؟
في تقريرها، تنقل صحيفة "واشنطن بوست" عن مسؤول مصري -لم تسمه- إنه ينبغي التعامل مع أسوأ السيناريوهات، مضيفًا أن الجيش المصري لا يمكنه إطلاق النار على الفلسطينيين في حال تدفق عشرات آلاف منهم عبر الحدود.
بينما ذكرت وكالة "رويترز" نقلًا عن عن 4 مصادر، أن "مصر متفائلة بأن المحادثات الرامية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار يمكن أن تؤدي إلى تجنب مثل هذا السيناريو، لكنها تعمل على إنشاء المنطقة على الحدود كإجراء مؤقت واحترازي"، وفق ما نقلته الوكالة الغربية.

وقد صرحت ثلاثة مصادر أمنية -لم تذكرها الوكالة- بأن مصر بدأت تمهيد منطقة صحراوية وإقامة بعض المنشآت البسيطة التي قد تُستخدم لإيواء لاجئين فلسطينيين، مشددةً على أن هذه خطوة طارئة. ورفضت المصادر، التي تحدثت إليها "رويترز"، الكشف عن هويتها بسبب حساسية الأمر.
من جهة أخرى، نقل موقع "العربية" عن شهود عيان أن ديوان محافظة شمال سيناء استدعى الأهالي الذين تهدمت منازلهم في تلك المنطقة وطلب منهم تقديم كل المستندات التي تثبت ملكيتهم للبيوت من أجل دفع تعويضات لهم، وفق ما نقلت وكالة أنباء العالم العربي. وهو ما أكده محافظ شمال سيناء في تصريحات سابقة يوم الخميس.
محادثات القاهرة أفشلتها إسرائيل
وقد انتهت المحادثات التي جرت في القاهرة الأسبوع الماضي، وشاركت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر وقطر، من دون أي مؤشر إلى تحقيق انفراجة، ولم يتم الإعلان عن موعد للاجتماع التالي، مع رفض حكومة إسرائيل إعادة فريقها للتفاوض.
اقرأ أيضًا: الحرب القادمة.. أي رمضان ينتظر رفح ومعاهدة السلام؟
وكانت المسودة النهائية التي تمت مناقشتها -ضمن المفاوضات- تتضمن وقفًا للنار لستة أسابيع، على أن تواصل الأطراف خلال هذه الفترة المفاوضات لوقف دائم للنار، وهو ما ترفضه إسرائيل، كما تطالب بالعودة للمعادلة الأولى المبنية على الإفراج عن ثلاثة أسرى فلسطينيين مقابل كل أسير إسرائيلي، وترفض الإفراج عن العدد الكبير للأسرى الفلسطينيين الذين تطالب بهم "حماس" وبينهم 500 أسير ممن يقضون أحكام مؤبدة وأكثر.
وتقول "اندبندنت بالعربية" أن الوفد الإسرائيلي برئاسة رئيس جهاز "الموساد" ديفيد برنياع، وصل إلى القاهرة في الدقيقة الـ90 بعد رفض متواصل لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إرساله إلى القاهرة، بادعاء أن الصفقة التي يتم التفاوض حولها متبلورة بما يتوافق وشروط "حماس"، لكن بعد نقاش طويل وخلافات وافق نتنياهو على وصول الوفد، وبعد عودته، نُقل عن مقرب من رئيس الحكومة أن الوفد لن يعود قريبًا للقاهرة بسبب الشروط المرفوضة بالمطلق من إسرائيل.
وتبين في سياق تلخيص الإسرائيليين ليوم المفاوضات في القاهرة أن نتنياهو لم يمنح الوفد برئاسة برنياع تفويضًا كاملًا، بل طلب منه أن تكون مشاركته مجرد استماع لما يحدث، وفي الوقت نفسه واصل تحذيراته وتهديداته بأنه لا ينوي الخضوع لطلبات "حماس" وبأن إسرائيل ستواصل عملها بقوة في محاولة لإنقاذ المخطوفين.
وكرر نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت ورئيس أركان الجيش هرتسي هليفي مقولتهم إن الضغط العسكري على "حماس" وحده الذي سيُخضع الحركة وتتراجع عن شروطها، وبذلك يضمن صفقة أسرى بما يتوافق والشروط الإسرائيلية، وضمن هذه التصريحات اجتياح رفح.
رفح وفلادلفيا على طاولة المفاوضات
وخلال المفاوضات ناقشت الأطراف الأربعة ملفي رفح ومحور فيلادلفيا، وكان هذا الطرح معروفًا لنتنياهو مما دفعه إلى إرسال مستشاره السياسي أوفير بليك، مع الوفد ليضمن إطلاعه على جميع التفاصيل لعدم ثقته برئيسي "الموساد" ديفيد برنياع و"الشاباك" رونين بار، خصوصًا بعدما وقعت مشادة كلامية بينهم قبل وصول الوفد إلى القاهرة لرفض نتنياهو اقتراحًا جديدًا للصفقة وضعه برنياع وبار ونيتسان ألون، وهو اقتراح أكد الثلاثي أنه سيقرّب صفقة الأسرى ويسهل التوافق مع "حماس".

وفي شأن محور فيلادلفيا، أعربت إسرائيل عن رغبتها في التنسيق والاتفاق مع المصريين بالنسبة إلى كل الخطوات التي سيتخذها الجيش الإسرائيلي، فيما أصر الوفد على تنفيذ الاجتياح في رفح، مؤكدًا أن عدم التوصل إلى تفاهمات حول صفقة أسرى سيقرّب موعد الاجتياح، ونقل الإسرائيليون غضب المسؤولين المصريين من هذا الموقف وقلقهم من أي اجتياح مفاجئ لغزة.
وفي الوقت نفسه، نقلت القناة 13 الإسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي قوله إن مشاركة وفدهم في محادثات القاهرة كانت "مجاملة"، تلبية لطلب الرئيس الأميركي جو بايدن.
كما نقل موقع "أكسيوس" الأمريكي عن مسؤولين قولهم إن الرئيس الأميركي جو بايدن يعتقد أن على إسرائيل إبداء المزيد من المرونة في ملف تبادل الأسرى.
وقالت المصادر لأكسيوس إن بايدن يتفق مع نتنياهو على أن طلب حماس الإفراج عن آلاف الأسرى "مبالغ فيه". بينما نقلت قناة "القاهرة الإخبارية" عن مصدر مصري رفيع المستوى أن أجواء اجتماع القاهرة "إيجابية"، مشيرًا إلى استمرار المشاورات على مدار الأيام الثلاثة المقبلة.
ومن جانبها، قالت وزارة الخارجية الأميركية اليوم إنها تعتقد أن اتفاقًا لتبادل الأسرى بين إسرائيل وحماس لا يزال ممكنًا.
وبينما تستمر المباحثات في القاهرة حيث من المتوقع أن يلتقي وفد من حماس، برئاسة عضو المكتب السياسي لحماس خليل الحية، رئيسي الاستخبارات المصرية والقطرية، حسبما أفاد مصدر في الحركة وكالة فرانس برس. قال رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في تغريدة بالعبرية على حسابه الرسمي على تطبيق "إكس": "سنقاتل حتى النصر الكامل، وهو ما يتضمن تحركا قويًا في رفح".
الوضع في رفح الفلسطينية
إلى ذلك، توتر الوضع أمس في محيط معبر رفح من الجانب الفلسطيني، إذ أعلن وائل أبو عمر، المتحدث باسم المعبر، أن مجموعة من المواطنين الفلسطينيين أشعلوا الإطارات أمام شاحنات المساعدات، قبل أن تتمكن السلطات المحلية من السيطرة على الوضع. وكان النازحون غاضبين بسبب عدم دخول المساعدات منذ أسبوعين.
وقد أكد عبد الفتاح دولة، مسؤول الإعلام في مفوضية التعبئة والتنظيم والمتحدث باسم حركة فتح، أن ما حدث في معبر رفح يعكس المعاناة التي يواجهها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة نتيجة العدوان المتواصل. وأضاف أن قلة وصول المساعدات وفوضى التوزيع أدت إلى زيادة الغضب بين السكان. بينما أثيرت أنباء عن مقتل نازح في هذه الأحداث.