منذ فترة قصيرة تابعت مسلسل الخادمة “The Handmaid’s Tale” الذي بدأ عرضه على منصة إلكترونية عام 2017 واستمرت أجزاؤه تاليًا، وهو معالجة تليفزيونية لرواية "حكاية أمَة" للكاتبة "مارجريت آتودد" 1985.
يحكي عن سيدة "أوفريد" خُطفت من قِبل جماعة دينية "جلعاد" مع نساء أخريات ليعمل بعضهن كخادمات والأخريات كإماء للإنجاب، نساء من جميع الأعمار والجنسيات وظيفتهن إنجاب الأطفال لأسر هؤلاء المحتلين.

لفت انتباهي لأول مرة عندما شاهدت ذلك المسلسل كيف تقاطعت سبلنا نحن النساء رغم أنه مصنّف "خيال علمي"، تقاطعت مشاهد بعينها معي عندما عملت مساعدة منزلية، رغم أن عملي كان التنظيف والتنظيم وإعداد الطعام، ولكني شعرت بما أرادت الكاتبة "مارجريت آتوود" أن تقصّه علينا.
والتقاطعية -والمقصود هنا نظرية التقاطعية- هي نظرية "نسوية" طرحتها الباحثة القانونية النسويّة "كيمبرلي كرينشو"، بهدف تحليل تجارب النساء الملونات، وتقاطع التفرقة العرقية والجندرية التي تواجهها النساء الملونات على مستوى النظام القانوني والقضائي، والحق في الخدمات العامة والقدرة على النفاذ إليها، بعد ذلك تطوّرت النظرية لتشمل جميع تقاطعات أشكال وأنظمة القهر والهيمنة والتمييز، وتقاطعها مع الجندر (النوع الاجتماعي) والإثنية واللون والطبقة الاقتصادية والاجتماعية والميل الجنسي والتوجه الجندري والقدرات العقلية والجسدية، بهدف تفكيك وفهم تجارب النساء المركبة.
في زمن غير بعيد تعرضت أختي الصغرى لأزمة مجتمعية في القرية بالفيوم عندما خلعت الحجاب، واضطررنا إلى مغادرة مسكننا ومحاولة النجاة والاستقرار في القاهرة حيث التمست بعض الأمان، وهربًا من النظام الأبوي القائم في الريف حيث نشأت. بعد فترة نفد كل ما أملك من مال وكان لا بد أن أجد عملاً وإلا لن أستطيع أن أفي بالتزاماتي والتي كان أبسطها إيجار السكن.
أجريت مقابلات عمل كثيرة في أماكن مختلفة، أعدّ مني المجتمع الريفي المنغلق "أَمة" تعمل في المنزل ولم يتم إعدادي لشغر وظائف أخرى، قبلت بالعمل كعاملة منزلية حيث توفر السكن ووجبة دافئة في آخر اليوم، ورغم ظروف العمل الصعبة وافقت مقابل الوجبة الدافئة ومكان المبيت.
في البداية اعتقدت أنه عمل مؤقت كي أفي بالتزاماتي المالية، ولكن بعد مرورعام ونصف عملت خلاله في منازل مختلفة أدركت أن تربيتي وتنميط المجتمع لي هو ما وضعني في هذا الإطار، وهذا النوع من العمل الشاق لا يعطيني أي حقوق ولا توجد له نقابة تدافع عني إذا تعرضت لإصابات نفسية أو جسدية، أو شكوى نتيجة لعدد الساعات التي قد تصل إلى عشرين ساعة متواصلة دون نوم.
كنت أصرف أغلب أجري القليل على العلاج النفسي والجسدي نتيجة إصابات تعرضت لها أثناء العمل، كل ذلك يفوق استيعابي الآن عندما أنظر خلفي وأتذكر المعاملة التي كانت تعاملني بها ربات المنازل التي عملت فيها، كان الأمر أقرب ما يكون للعبودية، فعندما تمتلك إرادة شخص، أحلامه، طموحاته، طريقة رؤيته للحياة، أن يكون تابعًا لك وأن تجعله دائمًا في المرتبة الأدنى، كثيرة هي المشاهد والمواقف التي تقاطعت معها قصتي مع بطلات هذا العمل المصنف ديستوبيا.
واقع أبطال المسلسل أصبح "حياتي" في تلك الفترة، أحد هذه المشاهد عندما حاولت إحدى النساء الأسيرات الهرب، لكنها فشلت وتم القبض عليها من قبل جنود "جلعاد" وعقابًا لها أُخذت إلي المستعمرات، كانت تقوم بتفتيت النفايات المشعة بأيديها المجردة حتى تنزف. ولأن العمل المنزلي ليس له توصيف دقيق، فأنا كنت أقوم بالكثير من العمل الشاق في التنظيف باستخدام مواد قوية مثل الكلور لغسل الملابس، والفلاش لبقع على الأرض عمرها سنوات. كنت أغسل المواعين وأواني الطبخ يوميًا بمواد غير مألوفة لي، لم أعتد العمل بها، مثل سائل غسيل الأطباق كانت تصر السيدة التي أعمل لديها على وضع الكلور به حتى تآكلت يدي، وفي نهاية كل يوم كنت أنظر إلى يدي وهي تنزف دمًا، خلال تلك الفترة سددت إيجار غرفتي بدمائي، كنت أستيقظ في الصباح أتحسس أذني لعلي أجد ذلك الشيء (الختم) الذي يعرّفني كوني خادمة، كما في المسلسل.
هذا المجال الشاق شديد الصعوبة في التعامل مع أصحاب العمل، خصوصًا السيدة التي لم يكن يرضيها أي شيء أقوم به، فهي لم تكن معجبة بي بما يكفي لتراني خادمة كفء، كانت دائمًا تهددني بالطرد، على مدار شهور كنت أترنح، أستيقظ كل صباح وفي رأسي فكرة قتل نفسي، فلم يمر يوم واحد دون أن أُعنف وأُلام على شيء لا أراه، دائمًا كانت هناك تلك النظرة في عيونهم مشمئزة من يدي، التي تنزف نتيجة استخدام المواد الخام في التنظيف مثل الكلور والفلاش والكربونات والأملاح والخل، في أحيان كثيرة شعرت أن يدي ليست ملكي، كنت أتعامل معهما كأداة فقط، ليست أعضاء محسوسة بالنسبة لي، وأحيانًا كانت تتسلل نظرتهم إلي وأنفر أنا أيضًا من يدي.
اليوم أنظر إليهما بإعجاب شديد، كونهما أصبحا ملكي أخيرًا ومن حقي أنا الوحيدة تقرير ماذا سيفعلان.
عندما بدأت العمل في هذا المجال كنت أعرف أنه لا يوجد قانون منظم للعمالة المنزلية في مصر. في الشهر الأخير لم أحصل على راتبي كاملاً، ولأنه لا مجال للشكوى تركت العمل وأنا أشعر بالامتنان كوني تمكنت من الخروج من المنزل دون قضية، أو محضر اتهام بالسرقة أو التعرض للضرب أو السحل، فذلك المتعارف عليه في العمل المنزلي، كثيرًا ما تتعرض العاملة للضرب والسحل والاتهام بالسرقة وتفتيش أغراضها.
تنص المادة 4 بند (ب) من قانون العمل رقم 12 لسنة 2003، على أنه "لا تسري أحكام هذا القانون على عمال الخدمة المنزلية ومن في حكمهم". استخدم المشرع هنا قاعدة تشريعية قديمة من القرن العشرين لا يزال معمولًا بها حتى الآن، حرمة المنازل وخصوصيتها، فلا يُقبل أن يتم تفتيشها مثل منشآت العمل الأخرى، وبالتالي لن يتم الاقتراب منها إذا ما أبلغت خادمة عن تعرضها للإيذاء في مقر عملها وهو المنزل، وفي الغالب هي تعمل دون عقد عمل، يضمن لها حقها في ساعات عمل مناسبة، أو أجر منصف يتناسب مع ساعات العمل والجهد المبذول، وفترات الراحة والإجازات، كل هذه الحقوق في يد أصحاب المنزل طبقًا لمقدرتهم وحالتهم المادية. والنساء العاملات في العمالة المنزلية في أحيان كثيرة مضطرات للعمل رغم ظروف العمل غير القانونية، حيث منهن أميّات، ومعنّفات هاربات من أسرهن، أو معيلات لأسرهن.
أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 2024 أن معدل البطالة بين الذكور بلغ 4.8%، فيما سجلت البطالة بين الإناث 17.3% في الربع الثاني.
يكفل قانون المنظمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابي (رقم 213) لسنة 2017 (المعدل سنة 2019) الحق للعمال في حرية إنشاء أو تكوين النقابات العمالية بالإضافة إلى حماية حرية التنظيم النقابي، فيما عدا العاملين بالقوات المسلحة، وهيئة الشرطة، وغيرها من الهيئات النظامية، تسري أحكام هذا القانون على العاملين المدنيين بوحدات الجهاز الإداري للدولة، والعاملين بشركات القطاع العام، وقطاع الأعمال العام، والعاملين بالأنشطة الاقتصادية، والعاملين بالقطاع الاستثماري، وعمال الزراعة، وعمال الخدمة المنزلية، والعمالة غير المنتظمة، والعمالة الموسمية.
وتسري أحكام قانون التنظيمات النقابية 213 لسنة 2017 على العمالة المنزلية، وبالتالي يُتاح لهم تأسيس نقابة لها الشخصية الاعتبارية، ولهم الحرية في الانضمام إلى نقابة عامة، ما يقوي قدرتهم على التفاوض بشأن حقوقهم، كما يساعد الانخراط في التنظيم النقابي على بلورة مطالبهم وطرحها ضمن الحركة النقابية والعمالية، بما يعزز وصول صوتهم إلى صنَّاع القرار وخلق مزيد من فرص التضامن والدعم.
المصدر: قانون المنظمات النقابية العمالية (رقم 213) لسنة 2017 (الذي تم تعديله بقانون رقم 149 لسنة 2019).
وعلى الرغم من أن القانون صادر منذ 2017 وتم تعديله 2019 لم تتكون نقابة العمالة المنزلية حتى الآن، ورغم الحوادث التي يتعرض لها من يعمل في مهنة العمالة المنزلية -وأغلب العاملين بها نساء- تضيع حقوقهم، وتضيع فرص إحصاء عددهم وتوفير خدمات نقابية لهم، وتدريبهم مهنيًا، و توفير رواتب عادلة وخدمات قانونية لهم.
لذا يجب تكوين نقابة للعمالة المنزلية، يمكنها أن تنظم هذه المهنة الشاقة، لكل من الأسر والنساء العاملات، توفر عقود عمل وإثبات المهنة في البطاقة الشخصية، حتى تسقط الوصمة المجتمعية لمن تعمل في الرعاية المنزلية.
