أسوأ مصير، قد تشهده مدينة رفح الواقعة على الحدود المصرية، بات في انتظار إشارة من آلة الحرب التي يديرها رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، والذي يسعى إلى إشعال المنطقة، مغامرًا بمعاداة مصر وحتى الخلاف مع جيشه، في سبيل تنفيذ خطة تنقذ وجوده الحكومي في دولة الاحتلال.
رفح التي تنتظر هذا التطور العسكري المدمر المتوقع حدوثه في رمضان المقبل تكتظ بالنازحين الفلسطينين، تستضيف أكثر من مليون ونصف المليون لاجئ من مناطق أخرى في قطاع غزة، فرّوا بسبب الحرب الجارية منذ نحو أربعة أشهر، إضافة إلى نحو 250 ألفًا من سكانها. كل هؤلاء يتركزون في مساحة لا تتعدى 64 كيلومترًا مربعًا، يعيشون في ظروف إنسانية كارثية في مراكز إيواء ومدارس وشوارع تمتلئ بهم، محاطين بالسياج الحدودية المصرية والإسرائيلية والبحر الأبيض المتوسط، تحت قصف إسرائيلي متواصل برًا وبحرًا وجوًا.
وسط هذا الدمار، يكافح الأطباء وعمال الإغاثة لتوفير المساعدات الأساسية، ووقف انتشار الأمراض بين النازحين. تقول وكالات الإغاثة إنها لا تستطيع نقل الناس إلى مناطق أكثر أمنًا، لأن القوات الإسرائيلية متمركزة في الشمال، بينما المساعدات المسموح بدخولها إلى القطاع محدودة للغاية.
المدينة تعاني على المستوى الصحي، فلا يوجد بها إلا عدد قليل من المستشفيات؛ أبرزها مستشفى رفح المركزي، والكويت التخصصي، والشهيد أبو يوسف النجار، وجميعها تعاني نقصًا بالإمدادات الطبية، وغياب الكهرباء ومصادر الطاقة، ما يؤثر على قدرة الأطباء والفرق الصحية في توفير العلاج، ومراعاة المرضى.
تحذيرات أممية وأوروبية من مهاجمة رفح
وقد حذرت الأمم المتحدة من وضع كارثي في رفح، التي تقع جنوبي قطاع غزة، في حال أقدمت إسرائيل على تنفيذ تهديدها باجتياحها عسكريًا.
كما حذر مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل من تداعيات أي هجوم إسرائيلي. وقال في منشور على حسابه عبر "إكس": "أكرر التحذير الذي أطلقته العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بأن الهجوم الإسرائيلي على رفح من شأنه أن يؤدي إلى كارثة إنسانية لا توصف وتوترات خطيرة مع مصر"، مطالبًا بـ"استئناف المفاوضات لتحرير الرهائن وتعليق الأعمال العدائية هو السبيل الوحيد لتجنب إراقة الدماء".
I echo the warning by several EU member states that an Israeli offensive on Rafah would lead to an unspeakable humanitarian catastrophe and grave tensions with Egypt.
Resuming negotiations to free hostages and suspend hostilities is the only way to avert a bloodshed.
— Josep Borrell Fontelles (@JosepBorrellF) February 10, 2024
أكاذيب نتنياهو عن آمان رفح
يخطط رئيس وزراء الاحتلال ويدفع جيشه إلى مهاجمة رفح بعد الانتهاء من القتال في خان يونس، حيث تتواصل الاشتباكات الضارية في غرب المدينة، في آخر معركة كبيرة للجيش الإسرائيلي قبل الهجوم على رفح.
وقد كثف جيش الاحتلال وعمّق هجومه في غرب خان يونس، في حين قالت "كتائب القسام" -الذراع العسكرية لحركة حماس- إنها واصلت تكبيده خسائر في الأرواح والمعدات. بينما صرح نتنياهو في مقابلة مع شبكة "أيه بي سي" الأميركية بأن الذين "لا يريدون لنا الوصول إلى رفح لا يريدون لنا النصر".

واضاف أن "النصر في متناول اليد.. ولا يمكن تحقيق هدف الحرب، وهو تدمير (حماس)، مع إبقاء 4 كتائب تابعة للحركة في رفح". وقال: "سوف نسيطر على كتائب (حماس) الإرهابية المتبقية في رفح، وهي المعقل الأخير، لكننا سنفعل ذلك".
يخطط نتنياهو لإجلاء السكان المدنيين من مناطق القتال، كما أعلن، وسيتولى جيشه الذي ارتكب جرائم حرب داخل القطاع خلال الأشهر الأربعة الماضية هذه المهمة، أيضًا مع ادعاء توفير ممر آمن للسكان المدنيين حتى يتمكنوا من المغادرة. وهو الأمر الذي أثبتت الحرب تنافيه مع الحقيقة الواقعة على سكان غزة.
من رفح إلى شمال غزة.. النزوح المستحيل
يقول القيادي في حركة فتح، أيمن الرقب، الذي ينقل عنه موقع "سكاي نيوز عربية": "نتنياهو تحدث عن فتح ممر آمن بشكل طبيعي من رفح إلى خان يونس، ولكن الأمور ليست بالسهولة التي يتصورها. بل ستكون صعبة للغاية في حال الإقدام على نقل السكان أو السماح بعودتهم إلى شمال غزة مرة أخرى، والذي تعرض لدمار شديد سواء من القصف الجوي أو العمليات البرية".
ويضيف: "سيتم السماح بانتقال كتلة سكانية نحو الشمال على أن تشمل المرحلة الأولى النساء والأطفال ثم الرجال الطاعنين في السن من خلال بوابة سيتم إنشائها على شارع صلاح الدين، ثم في المرحلة الثالثة سيتم السماح بعبور الرجال بعد تفتيشهم والتحقيق معهم، وربما تؤدي هذه الإجراءات لو تم تنفيذها كما يتم تصويرها لتخفيف من الضحايا المدنيين، ولكنها محفوفة بالمخاطر".

وقد كشفت "القناة 13" الإسرائيلية، أن نتنياهو طلب إعادة تعبئة جنود الاحتياط من أجل الاستعداد للاجتياح العسكري لرفح. ونقلت القناة عن مسؤول إسرائيلي كبير، لم تكشف عن هويته، قوله إن "العملية في رفح تقترب".
اقرأ أيضًا: ما نعرفه عن أزمة محور فيلادلفيا
ووفق القناة، فإن رئيس الأركان الإسرائيلي هرتسي هاليفي قال إن الجيش "سيكون قادرًا على إنجاز أي مهمة، لكن هناك تحديات سياسية يجب الاهتمام بها أولًا". وأشارت القناة إلى وجود خلاف على المستويين السياسي والعسكري حول العملية المتوقعة في رفح.
نتنياهو يتهم الجيش بالمماطلة
جاءت هذه الخلافات على وقع تصاعد الاحتجاجات التي تطالب بصفقة تبادل شاملة تفضي إلى إعادة جميع الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لدى حركة المقاومة حماس، والتحذيرات من كارثة إنسانية في حال اجتاح الجيش الإسرائيلي رفح، وتصاعد التوتر مع مصر التي تخشى تهجيرًا قسريًا للغزيين إلى سيناء.

وقد ذكرت صحيفة "يديعوت أحرنوت" أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتهم الجيش الإسرائيلي بأنه يماطل في تنفيذ تعليماته بالاستعداد لتنفيذ هجوم على رفح، معللة ذلك بأن الجيش له وجهة نظر تجعله لا يريد صدامًا مع مصر في الوقت الراهن.
وتتماشى حسابات الجيش التي تُشير إليها الصحيفة الإسرائيلية، مع ما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، السبت، حيث نقلت عن دبلوماسي غربي كبير في القاهرة قوله إنّ المسؤولين المصريين حثّوا نظراءهم الغربيين على إبلاغ إسرائيل بأنهم يعتبرون أي تحركٍ لإجبار سكان غزة على العبور إلى سيناء، بمثابة انتهاك من شأنه أن يعلّق فعليا اتفاقية السلام الموقّعة بين البلدين عام 1979.
الجيش يخشى التوترات مع مصر
وجاء في تقرير “يديعوت أحرنوت” عن حسابات الحكومة والجيش في إسرائيل بشأن خطوة اجتياح رفح، وتأثيرها على العلاقات مع مصر، أنه منذ أن أطلق نتنياهو تصريحاته الجمعة بشأن نيّته الهجوم على رفح لتدمير 4 كتائب لحركة حماس موجودين بها، وهناك تنديد عالمي وخلاف واضح مع مصر.
وقال مسؤولون أمنيون إن أي عملية عسكرية في رفح، وبالتأكيد أي عمل على ممر فيلادلفي، يجب ألا يتم إلا بالتنسيق مع القاهرة وبدعم دولي، ومن دون كليهما فإن العملية العسكرية التكتيكية يمكن أن تصبح مشكلة استراتيجية قد تؤثر على قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها من الحرب.

واستعرضت مراسلة الشؤون السياسية للقناة 13 الإسرائيلية، موريا أسرف فولبيرغ، المواقف الداخلية الإسرائيلية حيال العملية البرية في رفح. وذكرت أن رئيس هيئة الأركان أشار إلى أن إعادة تجنيد قوات الاحتياط تحتاج إلى وقت طويل، مشددًا على أن عملية برية من هذا النوع تتطلب الاهتمام بالجوانب السياسية، سواء كانت داخلية أو مع مصر، في المقام الأول.
وأشارت إلى أن العملية البرية تصطدم بمعضلة إجلاء مئات الآلاف من النازحين الغزيين الموجودين في رفح، حيث أن اجتياح رفح يتطلب إجراء تنسيق المستوى السياسي الإسرائيلي مع المصريين.
وأضافت أن رئيس الأركان قال لرئيس الوزراء إن "هناك قضايا سياسية يحتاج المستوى السياسي إلى حلها أولًا، وعندها سيفعل الجيش الإسرائيلي ما هو مطلوب منه".
وفي السياق العسكري، كشف مراسل الشؤون العسكرية والأمنية في القناة 12 الإسرائيلية، نير دفوري، النقاب عن أن خطة التوغل البري في رفح جاهزة، زاعمًا أن "الخطة المنسقة مع المصريين تتضمن -كذلك- إخلاء المدنيين من المدينة"، حيث ينتظر الجيش الإسرائيلي منذ حوالي أسبوعين الضوء الأخضر من المستوى السياسي للشروع بالاجتياح.
وأشار "دفوري" إلى أن خطة الجيش لاجتياح رفح تتضمن -أيضًا- العمل على إجلاء النازحين إلى أماكن جنوب غزة، وإلى المنطقة الساحلية جنوب غزة، وليس شمال القطاع.
وعلى الصعيد السياسي، أوضح مراسل الشؤون السياسية في صحيفة "هآرتس"، يهوناتان ليس، أن إسرائيل تصطدم بمعارضة المصريين لخطة التوغل البري في رفح، وذلك خشية من نزوح جماعي للفلسطينيين من المدنية إلى سيناء.
وحيال ذلك، يقول الصحفي الإسرائيلي إن "المستوى السياسي لم يحدد بعد جدولًا زمنيًا لعملية الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة حتى رفح، علمًا بأن نتنياهو أوضح خلال مناقشات مجلس الحرب أن العملية البرية في رفح يجب أن تنتهي بحلول العاشر من مارس المقبل، وهو اليوم المقدر لبداية شهر رمضان.
مصر تتأهب للقادم في رفح
نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، السبت، عن مسؤولين مصريين قولهم إن القاهرة حذرت إسرائيل من أن أي عملية برية في رفح ستؤدي إلى تعليق فوري لاتفاقية السلام الثنائية.
وأضاف المسؤولون المصريون أن وفدًا مصريًا زار تل أبيب يوم الجمعة الماضي لإجراء محادثات مع المسؤولين الإسرائيليين حول الوضع في رفح. وأضافوا أن المسؤولين الإسرائيليين يحاولون إقناع مصر بالموافقة على إبداء بعض التعاون فيما يتعلق بعملية برية في رفح، وهو ما يعارضه الجانب المصري، بحسب الصحيفة.
ونسبت "وول ستريت جورنال" إلى المسؤولين المصريين، الذين لم تكشف عنهم، القول إن مصر أعادت خلال الأيام الأخيرة نشر العشرات من دبابات القتال الرئيسية ومركبات المشاة القتالية قرب "معبر رفح الحدودي".
وجرى نشر آليات مصرية تحسبًا لتوسيع إسرائيل عملياتها العسكرية في رفح، لكن الوزير آفي ديختر، العضو في "الكابينيت" السياسي الأمني الإسرائيلي، قال أمس (الأحد) إن مصر ليست صاحبة الرأي وكلمة الفصل إزاء ما يحدث في رفح؛ لأنها رفضت تسلم المدينة في معاهدة السلام مع إسرائيل. ورفض ديختر في حديث لإذاعة "كان" العبرية، القول إن نشاطًا عسكريًا في رفح أثناء شهر رمضان قد يؤدي إلى اشتعال الأوضاع.
وقال في هذا الصدد إن "الطرف المصري سمى حرب يوم الغفران بحرب رمضان؛ لأنها حلت في هذا الشهر، وشهر رمضان ليس خاليًا من الحروب ولم يكن قَطّ كذلك". وأضاف: "خلال رمضان تتكاثر الإنذارات من ارتكاب عمليات إرهابية"، متسائلًا: "هل يمكن أن نرتكب اعتداءات ونقول لا للحرب أثناء هذا الشهر؟". ويشير حديث ديختر إلى أن الهجوم على رفح ما زال بحاجة إلى وقت.
من يضرب معاهدة السلام؟
ونظمت معاهدة السلام في فقرتها الثانية ضمن ما سمى "الحدود النهائية" الأنشطة العسكرية في سيناء ورفح؛ إذ تم تقسيمهما إلى 4 مناطق: "أ" و"ب" و"ج" و"د".
وفي عام 2021، أعلنت مصر وإسرائيل تعديلًا في معاهدة السلام يعزز وجود الجيش المصري في رفح، بزيادة عدد قوات حرس الحدود وإمكاناتها في المنطقة الحدودية في رفح (المنطقة ج). وهو التعديل الأول في مسار معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.
ونقلًا عن وكالة الشرق الأوسط، يوضح الخبير العسكري المصري العميد سمير راغب أن "الوجود في رفح وسيناء يحكمه الملحق الأمني لمعاهدة السلام، وآخر تعديلاته"، مشيرًا إلى أنه "لم يطرأ تعديل على توزيع القوات في المناطق (أ) و(ب)، في حين تمت زيادة عدد القوات المصرية في المنطقة (ج)، بحيث يكون 750 فردًا في الوقت الواحد، مع سيارات مدرعة".
وفيما يتعلق بالمنطقة "د"، أوضح الخبير العسكري المصري أنها "تمتد بعمل كيلومترين ونصف من شرق مدينة رفح الفلسطينية إلى إيلات، وهي لا تقتصر على (محور فيلادلفي)، الذي يصل أقصى عرض له إلى نصف كيلومتر فقط". وقال إن "هذه المنطقة هي التي يتركز فيها معظم الفلسطينيين النازحين إلى رفح".
وأشار راغب إلى أن "تسليح إسرائيل في هذه المنطقة هو تسليح خفيف لكتيبة مشاة مكونة من 4 آلاف جندي وضابط بطول الحدود حتى إيلات، وليس فقط الـ14 كيلومترًا طول الحدود مع قطاع غزة، ولا يمكن لإسرائيل زيادته حتى لأغراض تدريبية دون تنسيق واتفاق مع مصر، وإلا يعد إخلالًا بشروط معاهدة السلام".
وخلال الآونة الأخيرة تحدثت إسرائيل عن رغبتها في إعادة السيطرة على "محور فيلادلفي" ونشر قوات عسكرية به، الأمر الذي رفضته مصر، ونفت على لسان مصدر أمني أكثر من مرة "وجود تنسيق بين البلدين بهذا الشأن".