الأسعار نزلت؟ آه.. الشارع اللي وراه

في محل جزارة، طلب مصري كيلوين من اللحم، اشتاقت له أسرته. قرر أخيرًا أن يغامر بما تبقى من راتب الشهر. استعد الجزار لوزن طلب الرجل، ثم باغته: "تاخد 2.5 بالألف على طول". هذه "نكتة" على ابتذالها تصف حقيقة ما وصلت إليه أسعار السلع في تفاعلها مع انحدارات الجنيه إلى مستويات 70 جنيهًا للدولار، في مقابل حكومة تحبو في سباق لا تدركه بالسوق السوداء.

خلال الربع المالي من يناير إلى الشهر الحالي، اشتعلت الأسعار فطالت كل شيء، بداية من البروتين الحيواني؛ كاللحوم البيضاء "الفراخ" التي ارتفعت إلى 105 جنيهات، والبيض الذي سجلت الواحدة منه 5.5 جنيه، نهاية بأسعار الأجهزة الكهربائية.

كل هذه الارتفاعات وجدت تبريرًا عامًا؛ الدولار بالسوق السوداء.

أخيرًا، وبعد سيل من الأخبار عن صندوق سيشرع أبوابه لنا، واستثمارات آتية على هودج من الجزيرة العربية، تزعزع عرش "الدولار الأسود"؛ فأسقط بعض جنيهات من قيمته، وصولًا إلى ما دون الـ 60 جنيهًا (ربما مؤقتًا)، يبقى السؤال، وهو الاكثر إلحاحًا في أوساط العامة؛ هل تتخفض أسعار السلع بالسوق؟

هذا تساؤل للإجابة عليه؛ سنكون بحاجة إلى نظرة أكثر عمقًا عن التراجع في "الأخضر" وهل هو عرضي أم مدروس يبشر باستراتيجية أكثر استدامة لاستقرار قريب في أسعار الصرف؟ وما علاقة ذلك بضبط تسعير المنتجات؟

أسباب تراجع الدولار

 

تخضغ السوق السوداء، حاليًا، إلى نظرية اقتصادية تهيمن على البورصات؛ فعند هبوط الأسهم يتسابق المشترون على البيع؛ خوفًا من الخسارة وفقدان رؤوس أموالهم، فيزيد العرض دون الطلب، فتنخفض الأسعار.

تُعرف هذه النظرية بـ"سلوك القطيع"؛ فمثلما تتبع الخراف قائدها دون تفكير، كل فرد في فريق يسعى إلى تقليل الخطر عنه باتباع سلوك الأفراد الميهمينة أو الأكثر نفوذًا، وهم قائدو السوق أو المتعاملون الكبار بالسوق السوداء.

خلال الأيام القليلة الماضية، كان "Panic الفزع" يسيطر على السوق السوداء، من المشترين حديثًا للدولار الذين اشتروه بسعر فوق الـ 55 دولارًا، خوفًا من حدوث انخفاض في السعر يعرضهم لخسائر كبيرة.

حملات أمنية بسوق الذهب

شددت الحكومة القبضة الأمنية على السوق خلال الأيام القليلة الماضية، وشنت حملات أمنية بالمحافظات؛ شملت الأسماء الكبيرة في سوق الذهب، وأسفرت عن ضبط العديد من قضايا الاتجار بالعملات، بينها 17 قضية بقيمة مالية تقدر بـحوالي 43 مليون جنيه في يوم واحد.

وروج إعلاميون قريبون من السلطة في الساعات الأخيرة مثل مصطفى بكري وأحمد موسى، لنزول الدولار لمستوى 46.75 جنيه، معلنين عن استثمارات قريبة و42 مليار دولار قادمة للبنك المركزي قبل أبريل المقبل، ما يقضي على السوق السوداء تمامًا. هذا خلق حالة من "البانيك" الراهنة في السوق، الذي ربط معنى هذه الأرقام بصفقة رأس الحكمة، وعزم الحكومة توقيع عقود مع مستثمرين إماراتيين لتطوير المنطقة التي تقع في الساحل الشمالي، تصل قيمتها إلى 22 مليار دولار، تحتاجها مصر لتلبية جزء من التزاماتها التمويلية الخارجية البالغة 42 مليار دولار. 

السيولة الدولارية بالسوق الرسمية

في حديثه لمنصة "فكر تاني"، يكشف مسؤول مصرفي -طلب عدم ذكر اسمه- أن البنك المركزي المصري ضخ قدرًا من السيولة الدولارية بالسوق الرسمي. وهو أمر ساهم في تلبية متطلبات بعض المستوردين، ومن ثم أقلق الحركة في السوق السوداء، خاصة بين الذين اشتروا الدولار عند مستويات مرتفعة.

وأخيرًا، رفع البنك المركزي المصري سعر الفائدة 2%، ما يتفق مع متطلبات صندوق النقد الذي وعد مصر بدعمها بتمويل إضافي يتراوح بين 3 و10 مليارات دولار أمريكي، مع شروط، بينها تشديد السياسة النقدية (رفع الفائدة).

ورغم أن الحديث عن الدعم الأوروبي يعود لشهور مضت، لكن مفوض الاتحاد الأوروبي لسياسة الجوار والتوسع أوليفر فارهيلي، أبلغ وزير الخارجية سامح شكري، رسميًا في اتصال هاتفي، بأن الاتحاد قرر تخصيص دعم مالي واقتصادي إضافي للبلاد. وإن لم يحدد بعد حجم المخصصات الأوروبية الإضافية لمصر.

لماذا الدعم الغربي؟

وعززت التقارير الغربية بشأن تخوف الدول الأوروبية المتزايد من الارتفاع الحاد في الهجرة الشرعية إليها، من إمكانية حصول مصر على المساعدة المالية أخيًرا، فسعت لتعزيز مرونة مصر السياسية والاقتصادية.

ومؤخرًا، زاد عدد المواطنين المصريين الوافدين إلى أوروبا -وخاصة إيطاليا- بشكل ملحوظ. وفي عام 2022 وحده وصل نحو 20 ألف مصري إلى هناك، وفقًا لوزارة الداخلية الإيطالية.

وقد تلقت السوق ضربة مع التخوف من تداول كميات كبيرة من الدولارات المزيفة والمجمدة، بعد ضبط مندوب شركة بمحافظة الغربية أثناء إيداعه 102 ألف دولار بفرع البنك الأهلي بسمنود، بينها 72 ألفًا مُزورة عبارة عن 720 ورقة فئة 100 دولار.

تراجع أسعار السوق السوداء "مؤقت"

يقول محمود العسقلاني، رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء، إن السوق المصرية سريعة الإحساس بالارتفاعات و"عديمة الإحساس" في حال انخفاضها، حيث أن معظم التجار الكبار الذين يتحكمون في السلع الرئيسية معروفون بالأسماء، وهم يتبعون ذلك السلوك.

ويضيف "العسقلاني"، في حديثه لـ"فكر تاني"، أن اللحوم التي ارتفعت لمستوى 500 جنيه في المناطق الراقية كانت مخزون بالسوق، موضحًا أن أي دورة تستمر لمدة 6 أشهر، ما يعني أنه تم استيرادها حينما كان سعر صرف الدولار في السوق السوداء بـ30 جنيهًا، وتباع حاليًا مُقومة بسعر الدولار بالسوق السوداء.

التجار يعظّمون أرباحهم

 

ويشير إلى أن التجار بمصر يعظّمون أرباحهم من المستهلكين، وأعطوا إحساسًا للمواطن بأن "القادم أسوأ"، حتى ساد السوق مبدأ "احتفظ بالبانيه ولا تحتفظ بالجنيه، فالكل يحزن سلع من المسحوبات ويغري التجار بمزيد من رفع الأسعار لعدم وجود ركود.

ويقول "العسقلاني": "السوق حاليًا في فقاعة دولارية؛ فمبجرد الإعلان عن صفقة رأس الحكمة انخفضت الأسعار بالسوق السوداء، لكنه أمر وقتي"، مضيفًا أن ما يحتاجه المواطن في شأن الأسعار هو تنفيذ القانون وتفعيل الرقابة وتعزيز جهاز حماية المستهلك، الذي يفتقر لأغلب الإمكانات، مع تغيير التصور السائد بالسوق؛ التاجر يجب أن يكون خادمًا للمواطن وليس العكس، على حد قوله.

هبوط الأسعار يحتاج أشهرًا

وتستبعد شعبة المستوردين باتحاد الغرف التجارية هبوط الأسعار. تقول على لسان متى بشاي، رئيس لجنة التجارة الداخلية والتموين، إن انعكاس التراجع يتطلب أولًا أن يتواصل هبوط الدولار ويستمر لأشهر، لأن الهبوط الحالي مؤقت، ومرتبط بتخلص بعض التجار من حيازاتهم مع الحديث عن تدفقات دولارية كبيرة، لم تدخل السوق بعد.

ويخشى مستودرون أن يؤدي التشديد على السوق السوداء إلى حرمانهم من المصدر الأساسي للحصول على الدولار اللازم للاستيراد، خاصة في ظل عدم توافر العملة الصعبة في البنوك بالكميات الكافية للجميع.

نحن بحاجة لدعم الصناعة المحلية

ويضيف "بشاي" أن هبوط السلع مرتبط بوضوح الرؤية فيما يتعلق بتوفير الدولار للمستودين، إلى جانب ضرورة تشجيع المستوردين للتحول للتصنيع المحلي مدة لا تقل عن 3-4 سنوات، مع الاهتمام بدعم الصناعات المحلية والتصدير للخارج.

لكن خالد أبو الوفا، رئيس مجلس إدارة الغرفة التجارية بمحافظة سوهاج، يرى أن انخفاض أسعار الدولار والذهب بداية لعملية التصحيح التي تجريها الدولة بكل حزم لمحاصرة السوق السوداء للدولار، وهي تحقق نتائج ممتازة، على حد قوله.

ويتوقع أن ينخفض الدولار إلى مستوى الخمسين جنيه، وأن يحدث معه انخفاض ملموس في سعر الذهب، مضيفًا أن ضبط الأسواق مسألة وقت وفق إجراءات مشددة، مع تنفيذ منظومة التسعيرة، وتوحيد سعر المنتجات الاستهلاكية ووقف المزايدات الفاحشة التي يشهدها السوق المصري.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة