ذكرى الخطيئة الجميلة

إنها الذكرى الثالثة عشر، ذكرى أعظم حدث في تاريخ هذا الجيل، جيل كامل آمن بها فإن دعوتُها خطيئة فهي أنقى خطيئة ارتكبها شعب استيقظ للحظات ثم عاد إلى سباته العميق. كنت طفلة في السادسة عشر من عمري تفتحت عيني على نقاءها حلمت نفس الحلم وعشته ومنذ ذلك اليوم ولمدة تجاوزت العقد من الزمن لا أتذكر سواها.

في ٢٣من يناير ٢٠١١ كنا نجتمع علي مائدة الإفطار، قال أبي بثقة "العيال ولاد ال… عايزين يخربوا البلد فاكرين أننا زي تونس دوول ممولين من أمريكا "، حاولت الرد على كلامه "يابابا مش ممولين ولا حاجه دوول مش عايزين ظلم وعايزين البلد أحسن "

رد أبي: "وانتي إيه عرفك بالكلام ده اخرسي خالص "، حاولت كتم الضحك وفي ذهني أكملت الحديث: "وماأدراك ؟ ماأدراك بمن هم وما نواياهم ؟ كيف تحكم على أشخاص لا تعرفهم؟ أشخاص لم يطلبوا سوى العدل ؟ أيعقل أن الناس ترى المطالبة بالعدل والحق والحرية جريمة ؟ أيعقل أن تكون المطالبة بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية أجندة خارجية ؟ لماذا يهوى الناس العيش في قهر؟ لماذا يرضخون للظلم؟"

أنهيت طعامي ودخلت غرفتي لأكمل دراستي، كنت في وقت امتحانات الصف الأول الثانوي وقد قررت أن آخر يوم في الامتحانات سأشارك في التظاهرات.

حاولت إقناع زميلاتي بالمشاركة وفي اليوم الأخير خرجت أهتف، لم تكن مظاهرة ولا حتي مسيرة فمعظم زميلاتي فضلن الخروج للتسكع مع أصدقائهم، وقفت أهتف وحدي (ياجمال قول لأبوك شعب مصر بيكرهوك) حتى جاءت إحدى زميلاتي وجذبتني من يدي قائلة "بيقولوا في بوكس جاي إمشي يلا"

مشيت وأنا أتذكر تلك الجملة وترديدي لها، كنت أشعر بالهواء يدخل صدري لأول مرة مع خروج تلك الكلمات، لأول مرة أصرخ بما أريد، لأول مرة أهتف دون خوف.

بعد أن انتهت امتحاناتي منعني أبي من مغادرة المنزل بسبب الأحداث، كنت أجلس طوال اليوم أمام التلفاز أتابع مايحدث وأتفاعل معه وأكتب القصائد تأييداً لثورتنا، وأبي ينظر للتلفاز ليسُب الفوضى وطريق الانهيار والتمويل الأمريكي فأضحك ساخرة من عدم منطقية كلامه.

يوم خرج مبارك بخطابه الشهير يعلن عن رغبته أن يموت في بلده بكت أمي وأخذت تردد: "حرام، يدوله فرصه هيحصل ايه يعني؟"  قلت لها: " ياماما ده بيشتغلكم، لو الناس رجعت بيوتها وسابت الميدان مفيش حاجه هتتغير".

في يوم التنحي سعدت كثيراً و كنت أقفز من الفرح والأمل، أحسست وكأنه نما لي جناحان كنتُ أطير ولا أريد النزول على الأرض مرة أخرى، كنت طفلة ولدت من رحم الأمل والثورة.

آخر ماأتذكره -أو ربما آخر ما أود تذكره-  تنحي حاكم ظالم، كنت وقتها أتمنى لواستمرّ الاعتصام لحين حدوث تغيير، لم أكن أدرك ما هو التغيير المنشود بالضبط  لكن كنت أعلم أن خلع مبارك وحده لن يغير شيء.

عقب خطاب التنحي أصابتني الحيرة لماذا اختار هو من يحل محله؟ لقد ثُرنا عليه بسبب فساده فكيف نسمح لفاسد بأن يختار نيابة عنا؟ وهل سيأتي فاسد بقرار في صالح من تسبب في خسارته كل ما يملك؟

لم يكن مايحدث منطقياً بالنسبة إليّ لكنه أيضاً كان كبيراً جداً على أن يستوعبه عقل  طفلة مازالت في بداية الطريق.

بعد الثورة أنشأت حساب على موقع التواصل الاجتماعي بدون علم والدي حتى لا يمنعني من ذلك وأسميته وقتها "عاشقة الحرية"، ثم أصبحت "أدمن" في عدة صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي التي كانت تنشر الأخبار وتغطي الأحداث التالية للثورة، كنت أحلم..هذا فقط ما أتذكره.

الآن أشعر أنني كنت في فجوة زمنية دخلتها حالمة وخرجت منها محملة بالهزيمة واليأس والخذلان، ألم تقل أروى صالح أننا قد مسنا الحلم مرة وستبقى تلاحقنا ذكرى الخطيئة الجميلة إلى الأبد؟ هذا بالظبط ما حدث معي، لقد مسني الحلم ومازالت تلاحقني ذكرى تلك الخطيئة.

بعد ثلاثة عشر عام أصبحتُ الآن في نظر البعض "رد سجون"، تلك الفتاة عديمة الحياء التي رفعت صوتها واعتقِلت، تلك الفتاة التي نقلت الأحداث والأزمات فاتهموها أنها "بتاعت مشاكل"! تلك الفتاة التي  آمنت بالحلم المشروع وتمنت أن تعيش في وطن لا يعامل مواطنيه كالعبيد وشعب يدرك أن الحاكم مجرد موظف عام وليس أب او اله ، ولكن للأسف أصابني اليأس كما أصاب معظم أبناء جيلي.

لقد ربطت كل حياتي بالثورة أو ربما كما قال ذلك الاقتباس الذي قرأته ذات يوم "لقد كانت الثورة أملنا الذي ربطنا نفسنا به .. كل شيء جميل سيحدث حين تنجح الثورة، ولكن إحذر ماذا؟ الثورة لم تنجح ".

لقد فشلت الثورة، أو ربما لم تفشل لكن قُتلت عن عمد مع سبق الإصرار، قتلوا أجمل ما حلمنا به كي يعيشوا ويعيثوا في الأرض فساداً، قتلوا الثورة وقتلوا فينا الأمل والحياة، أصبحنا أجساد بلا أرواح وكل من عاش حلم الثورة لم يعد أبداً كما كان. لم نعد نستطيع أن نعيش بعضنا ارتقى للسماء برصاص الغدر والبعض مات من القهر، بعضنا هاجر والبعض الآخر مازال في السجون والكثيير منا يتلقى العلاج النفسي ليساعده على عدم الانهيار أو ربما عدم الإنتحار، لم تنهزم الثورة بل نحن من هُزمنا أمام بطش الظلم والقوة والمال لذلك لا نستطيع نسيان أهم لحظات حياتنا، لحظات الحلم والثورة وذكرى الخطيئة الجميلة .

ربما لا أستطيع ترتيب كلماتي لأن العاطفة تسبقني، مجرد تذكر فشل الثورة يجعلني أجاهد لمنع دموعي من السقوط، كلنا حاليا ياسادة كل ذلك الجيل الذي حلم وآمن بحلمه العادل يشعر القهر والوجع مع مرور كل ذكرى تبعدنا عن ذلك الحلم، لقد آمنا..آمنا بالعدل والحق والحرية وقوبل إيماننا بالتكفير والنبذ والقهر، ولم تنهزم الثورة بل انهزم جيل كامل.

مازال أملنا أنه ربما يأتي جيل آخر يحقق ذلك الحلم ذات يوم، يوم يجد فيه أبناء وطني "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية"، يوم قد لا أعيشه فقد يقتلني قهري من طول الانتظار أو ربما يكون انتظار تحقيق الحلم أطول من عمري، وربما لن يستيقظ ذلك الشعب مره اخرى وينفض عنه خوفه ليتنفس، لكني لا أستطيع العيش بدون ذلك الأمل.. ذلك الأمل الذي ربما يكون مجرد أمل "كاذب" لكني لا أستطيع تصديق ذلك.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة