خسائر إضافية كبدتها سياسات المنع والحظر لقطاع النشر في مصر، الذي يعاني بالأساس أزمة غير مسبوقة في تضاعف أسعار الورق ومستلزمات الطباعة، تزامنًا مع انخفاض قيمة الجنيه المصري وشٌح العملة الأجنبية بشكل أدى لارتفاع تكلفة صناعة الكتب، وجعل كثيرون يعزفون عن شرائها ويلجؤون للنسخ الإلكترونية من الكتب المُقرصنة.
قبل ساعات من انطلاق الدورة الـ55 من معرض القاهرة الدولي للكتاب، صُدم الوسط الثقافي بإعلان بعض دور النشر، وأبرزها: الكتب خان، تنوير للنشر والإعلام، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، منعها تعسفيًا من المشاركة في المعرض دون إبداء أسباب، وفي حين نجح تضامن المثقفين في فرض مشاركة "الكتب خان" بالمعرض إلا أن دورًا أخرى لا تزال ممنوعة.
سلسة المنع المستمر

هذه حوادث تكررت خلال السنوات الأخيرة مع دور أخرى، أبرزها: "عصير الكتب" في 2022، بسبب نشر كتب لأحمد خيري العمري، ودار نشر ومكتبة "تنمية" منذ 2018، بعد إلقاء القبض على مؤسسها خالد لطفي، على خلفية طباعته نسخة مصرية من كتاب "الملاك".
وكانت النسخة الـ54 من المعرض قد شهدت منع كتب أبرزها: "تاريخ الحركة الصهيونية وتنظيماتها" للمؤلف الدكتور محمد مدحت مصطفى، وكتابي "ترويض الاستبداد" و"الديكتاتورية الجديدة" للكاتب السياسي أنور الهواري، وكتاب "42 شارع القصر العيني" للدكتور خالد عبدالرحمن، والذي منعته الرقابة من الحصول على رقم إيداع دون إبداء أسباب، وذلك بحسب التقرير ربع السنوي الأول الصادر عن مؤسسة "حرية الفكر والتعبير" في مايو 2023.
قيود الرقيب لم تقتصر فقط على المنع وحظر المشاركة بمعارض الكتاب، بل امتدت لتشمل إغلاق بعض المكتبات، أبرزها: الفروع الستة لمكتبات "الكرامة"، المملوكة للمحامي الحقوقي جمال عيد، والتي أغلقها الأمن بالشمع الأحمر، في ديسمبر 2016، ومكتبة البلد بوسط القاهرة، المملوكة للمرشح الرئاسي السابق فريد زهران، في سبتمبر 2017، وفي 2019، أصدر القضاء قرارًا بالتحفظ على الشركة العربية الدولية للتوكيلات التجارية، المالكة لسلسلة مكتبات "ألف"، التي كانت تمتلك 37 فرعًا بمحافظات مصر.
قص أجنحة التنوير تهديد للأمن
في تصريحات لـ"فكّر تاني"، اعتبر الروائي أحمد الفخراني أن مثل تلك القرارات لا تليق بحكومة في القرن الواحد والعشرين، ويراها ضد صانعها ومتخذها أكثر مما هي ضد الثقافة، مؤكدًا أنه لا فائدة من المنع في هذا العصر، فكل شيء متاح.
ويضيف "الفخراني" أنه "في حال منع دار الكتب خان التي تراجع عنها العقلاء في اللحظة الأخيرة، كان ذلك يعني أن نتجه بشكل كبير لفرعي المكتبة في وسط البلد والمعادي للتضامن مع المكتبة". ويتساءل: ما الذي يدعوهم للخوف من الكلمات، في ظل السيطرة الأمنية الواسعة؟ خنق المنافذ في ظل ذلك الهوس بتفعيل القبضة الأمنية، هو أكبر تهديد للأمن.
غلق السوق المصري يفتح الباب للسعودي
ويظن "الفخراني" أن الأثر المباشر على سوق النشر المصرية، سيتمثل في الاتجاه للنشر عربيًا، مستشهدًا بما حدث مع السينما المصرية من اتجاه للممثلين والصناعة وقريبًا قيادة هذه الصناعة إلى السوق السعودي، واصفًا قرارات مثل تلك بأنها تقود إلى المزيد من اضمحلال الدور المصري الرائد دومًا في قطاعي الثقافة والفن.
منع التنوير جزء من مناخ عام
لا يفصل الكاتب باسل رمسيس حالات منع الكتب أو بعض دور النشر من المشاركة في معارض الكتاب، عن المناخ العام في مصر، المتمثل في سلطة تؤمم المجال العام، وتمنع الأفكار النقدية أو المغايرة في أي مجال، بحسب تعبيره.
ويؤكد أن الكتب مثلها مثل بعض الأفلام التي منعت دون تقرير واضح من الرقابة، وبـ"قرار سلطوي" غير معلن؛ إذ يتم منع كل دار نشر أو كتاب على حدة بشكل فردي كي لا يحدث تضامن معه أو ضجة.
ويؤكد "رمسيس"، في حديثه لـ"فكر تاني" أن تأثير المنع وتقييد حرية الإبداع والفكر والتعبير، يؤدي لبحث الناشرين عن المناطق الآمنة في إصداراتهم تجنبًا للمنع المستقبلي أو المصادرة، ممارسين نوعًا من الرقابة الذاتية. ويلفت إلى قسوة إجراء الحرمان من المشاركة، كونه يسبب خسائر تجارية كبيرة لدور النشر، ويجعلها تمتنع عن التعاقد مع الكاتب الذي تسبب كتابه في ذلك.
التحرش أمنيًا بدور النشر
قيود الرقيب والتحرش أمنيًا بدور النشر، دفع أدباء كبار إلى نشر أعمالهم الأدبية خارج مصر، ومنهم الروائي إبراهيم عبدالمجيد، الذي يكشف لـ"فكّر تاني"، أن هناك أشخاص يتربصون بدور النشر وإصداراتها ويمارسون نوعًا من الرقابة غير الرسمية عليها، عبر بلاغات تقدم ضدها. وهو أمر جعل الناشرين أكثر تحفظًا وتخوفًا من بعض النصوص والأعمال الأدبية والمؤلفات، تجنبًا للمتاعب، لذا قرر بدوره أن يتجه إلى دور النشر خارج البلاد خلال السنوات الأخيرة.
اقرأ أيضًا: أهذا هو الفن فعلًا؟
أسعار الكتب والاختناق الاقتصادي
ويبدي "عبد المجيد" انزعاجه من ارتفاع أسعار الورق ومستلزمات الطباعة بشكل جنوني، ما أثر على أسعار الكتب ومنها ثلاثية صادرة له وصل سعرها لألف جنيه مصري، وانعكس أيضًا على جودة الطباعة وحجم خط الكتابة بشكل يجعل كبار السن يواجهون صعوبة في القراءة، إضافة إلى سرقة الأعمال الأدبية على المواقع الإلكترونية، رغم اشتراك مصر في اتفاقية المؤلف العالمية، وفي ظل عدم تدخل المصنفات والجهات المختصة.

ويطالب الروائي الكبير الدولة برفع الضرائب عن الورق ومستلزمات الطباعة، ما يساهم في خفض أسعار الكتب، وأن تشارك الوزارات في دعم قطاع النشر بشراء نسخ من الكتب ووضعها في مكتباتها، مؤكدًا أن صناعة النشر مهددة، وأن الزحام في معارض الكتاب هو "زحام كاذب".
العزوف عن شراء الكُتب
وبنظرة سريعة إلى أسعار الكتب الحالية في مصر سواء في المكتبات أو تلك التي تباع عبر الإنترنت، فستصيبك صدمة وخيبة أمل كبيرة حين ترى مثلًا: أن كتاب "الكامل في التاريخ" لابن الأثير يبلغ سعره 4155 جنيهًا، و"البداية والنهاية" لـ"ابن كثير" نحو 1350 جنيهًا، وكتاب "شخصية مصر" لجمال حمدان بأجزائه الأربعة بسعر 1440 جنيهًا، وكتاب "الحيوان" للجاحظ يبلغ سعره 1850 جنيهًا، فيما وصل سعر سلسلة "لعبة العروش" إلى 11 ألف جنيه.
في حين يتجاوز متوسط سعر الكتاب الذي يبلغ حجمه حوالي 200 صفحة من القطع المتوسط، حاجز المائة جنيه ليتراوح بين 100-150 جنيهًا، والذي كان قبل عام من الآن يتراوح بين 50-80 جنيهًا، بينما الكتاب الواقع في حدود 300 صفحة، فإن سعره ممكن يتراوح ما بين 150-200 جنيه، وتتجاوز أسعار الكتب الواقعة في حوالي 400 صفحة الـ 200 جنيه، وتصل أسعار الكتب المترجمة إلى مئات أو آلاف الجنيهات وتختلف باختلاف دار النشر وطبيعة الكتاب ومقاييس وجودة طباعته وشهرة كاتبه.
الورق تضاعف بمعدل 400%

ويوضح الناشر شريف الليثي مدير دار "تويا" للنشر، أن الورق تضاعف سعره بمعدل نحو 400% وهو قابل للزيادة بشكل يومي، لكونه يعتمد على الاستيراد ويخضع لاحتكار اثنين أو ثلاثة من التجار يتحكمون بالأسعار، كما أن دورة الاستيراد والإفراج الجمركي تستغرق نحو 4 أشهر، ما يؤدي لزيادات كبيرة مقارنة مع الأسعار العالمية، ومع الخفض الأخير لقيمة الجنيه صُدم الجميع بأسعار الكتب الصادرة حديثًا، مبينًا أنه كلما زادت الأزمة الاقتصادية كلما عزف القراء عن شراء الكُتب ولجأوا إلى النسخة الإلكترونية المُقرصنة عبر الإنترنت، والتي تضر بدور النشر وحقوق المؤلفين.
كثير من الناشرين أصبحوا غير قادرين على إنتاج كتب جديدة، وحتى كبار الناشرين خفضوا عدد العناوين التي تم إنتاجها، نتيجة ارتفاع التكاليف، وتخوفًا من انخفاض المبيعات في ظل انخفاض القوة الشرائية، بحسب عماد الدين الأكحل، مدير مؤسسة منشورات إبييدي، والذي يرى أن ارتفاع أسعار الورق وباقي عناصر إنتاج الكتاب، أثر بشكل كبير على صناعة النشر، التي تتفاقم معاناتها نتيجة الأزمة الاقتصادية.
نتجه إلى ضعف الدور المصري الثقافي
ويوضح أن هناك عددًا من الناشرين توقفوا تمامًا عن النشاط، بينما أغلب من استمر من الناشرين خفض عدد الإصدارات، وبالتأكيد كل من استمر يحاول تخفيض مصاريف وتكلفة التشغيل والعمالة، ليستطيع أن ينجو من هذه الأزمة بأقل الخسائر. وهذا التأثير يضعف من قدرة الناشر المصري على الساحة العربية، ويقوض تأثير وريادة مصر الثقافية؛ فمعظم الإنتاج الثقافي يقع على عاتق دور النشر الخاصة، وضعفها يؤدي بالضرورة لتراجع الدور الثقافي المصري بالمنطقة العربية.
التنوير على أرصفة بيع الملابس
وفي الوقت الذي لم تستطع فيه بعض دور النشر الاستمرار أمام الصعوبات التي تواجه هذا القطاع، فإن بعضها حمّل المؤلفين الشباب تكاليف إنتاج كتبهم على نفقتهم الشخصية كاملة أو عبر نظام المناصفة، في حين أصابت دور أخرى حمى "الترند"، فلجأت إلى مشاهير مواقع التواصل الذين تحولوا فجأة إلى كُتّاب للأدب والتنمية البشرية، مستغلين الترويج لأعمالهم بين متابعيهم وتحقيق المبيعات والأرباح.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بلغ مداه إلى بيع التنوير على أرصفة منتجات الملابس، استعانةً ببعض مشاهير السوشيال ميديا للترويج للكتب في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2024؛ حيث لجأت دار "ارتقاء" للنشر الدولي والتوزيع، للاستعانة بالتيكتوكر المعروف الشاذلي للملابس، في محاولة للترويج لكتبها بمقطع فيديو لا يتناسب مع رسالة الكتب، لاقى غضبًا واستياءً واسعًا قبل أن تتقدم الدار باعتذار رسمي عن أسلوب الدعاية الذي لجأت له.
وهذا أمر يصفه سعيد عبده، رئيس اتحاد الناشرين ومدير دار المعارف، بـ"مشاهد مؤسفة لا ترقى إلى صناعة النشر"، مشيرًا إلى أن دار النشر التي استعانت ببائع ملابس شهير على مواقع التواصل قد تم تحويلها إلى التحقيق ومنعها من المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب.
ويعتبر "عبده"، في تصريحات لـ"فكّر تاني"، أن أصحاب دور النشر التي تتقاضى أموالًا من الكُتّاب نظير نشر أعمالهم ليسوا بناشرين بل سماسرة وتجار يعيشون على امتصاص دم الكاتب؛ لأن الناشر هو المنتج الذي يتحمل تكاليف صناعة الكتاب، مؤكدًا أن صناعة النشر هي رسالة تهدف لتوعية الناس وليست بتجارة تهدف للربح فحسب، وأن ارتفاع أسعار الورق ومستلزمات الطباعة الذي شكّل تحديًا أمام تلك الصناعة لا يعني أن تخسر دور النشر لأنه يجب ألا يمارس مهنة الناشر إلا من يفهمها بشكل جيد.
ما يحدث للتنوير في مصر جريمة
الروائية الدكتورة سهير المصادفة، الرئيس السابق للإدارة المركزية للنشر بالهيئة المصرية العامة للكتاب وسلسلة الجوائز التابعة للهيئة، تصف المشهد الثقافي الراهن بالمأساوي والمحبط. وترى أن ما تقوم به بعض دور النشر من تقاضي تكاليف إنتاج الكتب من مؤلفيها، هو جريمة متكاملة الأركان، لاسيما أن غالبيتها يتعاقد مع الكاتب من أجل طباعة ونشر وتوزيع ألف نسخة لكنها لا تطبع أكثر من 50 نسخة رقمية، فهذه الكتب تكون مخصصة للاحتفاء بها على مواقع التواصل الاجتماعي لا أكثر، مضيفةً أن ورش الكتابة تحولت إلى سبوبة وكارثة كبرى.
وترى "المصادفة" أن هناك تواطئ بين الناشر الذي يبحث عن تحقيق الربح وبين الشخص ذي الجماهيرية على مواقع التواصل الاجتماعي أو الإعلامي الشهير، يدفع الأخير لكتابة رواية أو كتاب ويجذب طوابير من زوار معرض الكتاب كل عام. وهو الأمر الذي تحول إلى ظاهرة ناتجة عن ثورة التكنولوجيا الحديثة وما بعد الحداثة، رافضة أن يتم تبرير الأمر بأن دور النشر تحاول تعويض خسائرها، لأن هناك أعداد جديدة من دور النشر تنضم إلى السوق في مصر كل عام، وأعدادها في تزايد، في حين أن بعض الناشرين الجادين تعرضوا للخسارة واضطروا للخروج من السوق وتصفية أعمالهم.
