هل يحصل العابرون جنسيًا من السجناء على عفو صحي؟

من منا لا يدري بشاعة تجربة السجن ومن لم يسمع بسوء الرعاية الصحية داخله؟

لا أحد يتخيل أن يُحبس مرتين، حبس في جسد لا يتفق مع هويته وحبس خلف القضبان بسبب أنظمة لم تتفهم التجربة بعد، هذا هو ما يمر به العابرون جنسيًا داخل السجون في معظم دول العالم. وفي الوقت الذي بدأت فيه بعض الدول النظر في هذا الشأن مؤخرًا، تظل مصر تقرر العقوبات وتزج بالمزيد من العابرين والعابرات جنسيًا في السجون على ذمة قضايا ملفقة.

التهم التي توجه إليهم هي نشر الفسق والفجور وممارسة الدعارة وذلك بصدد قوانين وظيفتها الحد من انتشار الجنس المدفوع، إلا أنها اليوم تُستخدم كأداة للتنكيل بمجتمع الميم حيث تستخدم ملابسهم وصورهم الشخصية كأحراز لإثبات التهمة.

في السجون يتم إجراء كشوف شرجية ومهبلية للعابرين والعابرات جنسيًا، ثم يتم حبسهم كمتهمين في زنازين وفقًا للجنس المحدد في شهادة الميلاد وهو المثبت في البطاقة الشخصية ولا يناسب الهوية الجندرية لديهم، مما يعرضهم/هن للتحرش والإهانات.

وبالحديث عما يواجهه السجناء العابرون جنسيًا من التحرش والعنف الجنسي من قبل الموظفين والسجناء الآخرين، وجدت دراسة أجرتها إدارة الإصلاح والتأهيل في كاليفورنيا عام 2007 أن 59% من العابرات جنسيًا داخل سجون كاليفورنيا أبلغن عن تعرضهن لانتهاكات جنسية، وهو معدل أعلى بثلاثة عشر مرة من العنف الموجه للسجناء الآخرين، كما أبلغ 50% من النزلاء العابرين جنسيًا عن تعرضهم للاعتداء الجنسي أثناء وجودهم في السجن.

وبالمثل، وجد مكتب إحصاءات العدل أن 35% من السجناء العابرين جنسيًا الذين تمت مقابلتهم في الفترة من 2007 إلى 2012 قد تعرضوا لاعتداءات جنسية في غضون 12 شهرًا من دخول المنشأة، بالإضافة إلى 17% من السجناء العابرين جنسيًا الذين أبلغوا عن سوء سلوك الموظفين خلال نفس الفترة.

اقرأ أيضًا:الوقوع في قبضة “تصنيفك”.. عن “الميول الجنسية” المختلفة

مأساة دلال وغزل

في عام 2011  وجد المسح الوطني للتمييز بين الجنسين أن 38% من المشاركين الذين عرّفوا أنفسهم على أنهم متحولين جنسيًا قد أبلغوا عن تعرضهم للتحرش من قبل نزلاء آخرين، وأن 37% أبلغوا عن تعرضهم للتحرش من العاملين فى المنشأة.

نفس الشيء يحدث داخل سجون مصر من أشكال الانتهاكات والتعديات على آدمية العابرين جنسيًا ولعل قصة "دلال" و"غزل" كاشفة للكثير من الحقائق حول خطورة السجن على العابرين.

في أكتوبر عام 2022 تم القبض على دلال وغزل - وهما فتاتين عابرتين جنسياً- وتم إيداعهما في حجز الرجال، وتعرضتا للتحرش والتعذيب للاعتراف بالجريمة الموجهة إليهما وهي "نشر الفسق والفجور" كما منعت عنهما أي مساعدات تصلهما من طعام أو ملابس.

دلال 47 عام لاجئة يمنية كان من المقرر لجوئها إلى فرنسا في نفس الشهر الذي تم إلقاء القبض عليها فيه، ولذلك كانت هناك محاولات لتوصيل الأغراض والعلاج لها على اعتبار أنها لاجئة، لكن كل المحاولات باءت بالفشل، ورغم أن تقدم دلال في العمر مع نقص العلاج الهرموني  يشكل خطرًا على صحتها لم ينظر المسئولون إلى هذا الأمر بجدية، وتم الحكم على غزل ودلال بالحبس ثلاث سنوات تقضيانها في عنبر الرجال.

نبذ.. فعزل

أحياناً يتم وضع العابرين في حبس انفرادي لتفادي تعرضهم للتحرش مما يؤدي إلى منعهم من التريض والتعامل مع الآخرين، وتعد تجربة الحبس الانفرادي من أكثر التجارب قسوة فهي تترك آثارا نفسية جسيمة تمتد لسنوات.

في عام 2014 أجرى "كراغ هايني" أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا دراسة بناءً على 500 مقابلة مع سجناء معزولين معظمهم كان في الحبس الانفرادي لسنوات طويلة، الحالات موضع البحث كانت تعيش في زنزانة مساحتها 7 مترات مربعة بلا نافذة وكان يسمح لهم بالتمارين الرياضية لوقت قصير في قاعة مغلقة ولا يسمح لهم بالزيارات أو الاتصالات.

توصل كراغ في النهاية إلى أن هؤلاء الأشخاص يصابون بعدد من الاضطرابات النفسية منها الاكتئاب وفقد الهوية لفقدانهم التواصل مع العالم الخارجي، بالإضافة إلى خوفهم المستمر من مقابلة الناس، وبناءً على هذه الدراسة اعتبر "جول لوبل" رئيس مركز الحقوق الدستورية أن السجن الانفرادي يعد انتهاكاً للدستور الأمريكى والقانون الدولي.

عند النظر إلى تفاصيل هذه الدراسة نرى أنها لم تُجرَ على عابرين أو عابرات معايشين لظروف بيولوجية لها خصوصيتها بالإضافة إلى أن العابرين في الحبس ممنوعين حتى من التريض والخروج من  الزنزانة.

بالإضافة لذلك، فالعزل الانفرادي له أضرار واضحة على الصحة الجسدية، فهناك أعراض ثابتة ارتبطت بالمعزولين، منها الصداع المزمن وتدهور البصر والدوخة ومشاكل في الجهاز الهضمي والإرهاق والخمول والحساسية المفرطة للضوء والضوضاء وفقدان الشهية واضطراب النوم وألم العضلات والمفاصل وفقدان الوزن، هذه الأعراض مع ظروف العزل تنذر بمشكلات صحية تهدد كل من يعاني من مرض أو ظرف صحي مزمن يتطلب ضمان المداومة على العلاج.

هذا هو حال كل عابر أو عابرة في السجن، فهم لا يحصلون على جرعات العلاج الهرموني الذي يتطلب المداومة عليه طوال الحياة مما يهدد الصحة العامة للفرد.

أمل في عفو صحي للعابرين

توجد عدة قوانين تتعلق بالعفو الصحي للمساجين وأغلبها يتضمن العفو عن السجين ومتابعة حالته الصحية حتى الشفاء ثم استكمال فترة عقوبته، وهناك مواد التزمت بشرط إصابته داخل السجن كالتالي:

"أما إذا تسبب بعد دخوله السجن إصابته بهذا المرض الذي يهدد حياته، يُعرض أمره على مدير القسم الطبي لمصلحة السجون لفحصه بالاشتراك مع الطبيب الشرعي للنظر في الإفراج الصحي عنه، ويتم تنفيذ ذلك القرار باعتماد من مدير عام السجون وموافقة النائب العام، وتكون الفترة التي يقضيها المحكوم عليه خارج السجن لاستكمال علاجه كأنها قُضيت داخل السجن، وتُحتسب من مدة عقوبته".

مع تعديل هذه المادة قد تصبح بمثابة طوق نجاة للعابرين جنسيًا نظراً لضرورة المواظبة على العلاج الهرموني، ولكن الدولة في الأساس لا تعترف بالنوع الاجتماعي ولا تنظر في الظروف الصحية التي يمر بها العابرون، بل تظل توجه لهم الاتهامات وتمنع عنهم الزيارات والإمدادات. من هنا يجب النظر جديًا في كل ما يتعلق بالعابرين جنسيًا، عن طريق توفير زنازين تتناسب مع هويتهم الجندرية وتوصيل العلاج الهرموني ومتابعة حالتهم الصحية، بالإضافة إلى ضرورة سن بعض القوانين التي قد تساعد على تقليص مدة الحبس.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة