عن الحب... "بالراحة"!

 

كيف يكتب المرء عن "الست" أم كلثوم إبراهيم، وهو الذي جاء بعد عشرين عامًا من رحيلها هي عن هذه الدنيا!

يولع الإنسان "العاقل" بصوت الست أم كلثوم، وإن لم يفعل فهو مجنون أو لم يكتمل نضجه بعد، و"الست" هو اللقب الذي لا تستطيع فصله عن اسمها أبدا، بل هو أيضًا - منفردا بذاته - يمثل الدلالة الكاملة عليها، عليها هي فقط دون غيرها من جميع "الستات"، فإذا سألت أحدهم بشكل عشوائي عن "الست" فأول ما يتبادر في ذهنه تكون صورة أم كلثوم.

لم يعرف جيلي الصورة الذهنية لحفلة أول خميس من كل شهر، التي كان ينتظرها بلهفة كل عاشق، نحن الذين تواجدنا في وقت كانت الأغنية فيه إذا تجاوزت الأربعة دقائق اُعتبرت أغنية طويلة!، لم نكن نستطيع صبرا على حفلات تتجاوز الوصلة الواحدة فيها الساعة وأكثر، أما الآن فوصلاتي المفضلة لسماع "الست" في أى وقت هي الوصلات الطويلة الممتدة ذات المقاطع المعادة مرارا وتكرارا حتى تستطيع التشبع بها بمليء أذنيك.

هناك الكثير من الحكايات والروايات، والكتب المتخصصة حول ما تعنيه "الست" لهذا البلد وهذه الأمة، ولست بمتخصص ولا باحث بهذا المجال لآتي بجديد فيه، ولكنى أكتب هنا بفعل الحب، كملايين من العقول التي أذهبتها سكرة حينما سمعتها تغني "صالحت بيك أيامي، سامحت بيك الزمن..." يحمل صوت "الست" أم كلثوم في هذا المقطع غصونًا من الورد المتفتح على صفحات جديدة من حياتك حتى لو لم يكن هناك أي جديد حقًا.

تعرف تكنولوجيا الخوارزميات الجديدة شغفي تجاه كل ما يتعلق بالست، وبحثي الدائم عن مقاطع أغانيها وكلماتها وملحنيها ومتى سمعها الجمهور للمرة الأولى، لتضع في طريقي مقطع فيديو قصير عن رجل سوري عائد إلى بيته في البلدة القديمة في وقت متأخر من الليل وهو يشدو "قربك نعيم الروح.. والعين.. وبسمتك سحر وإلهام..."، تفاجئني الكلمات كأني أسمعها للمرة الأولى في حياتي، أذهب على الفور لأسمع هذه الجملة الموسيقية بالتحديد من قصيدة "عودت عيني" التي كتبها "رامي"... وآه، لكم كتب لها "رامي"!

يقول لها "رامي" في قصيدة أخرى "هجرتك... يمكن أنسي هواك وأودع قلبك القاسي.."، يوحي فعل الماضي هنا للوهلة الأولى أن "رامي" قد نجح في هجرانه، حتى "الست" أم كلثوم حين غنتها وقفت برهة بعد "هجرتك" هذه؛ غنتها بكل كبرياء وكأنها قد اتخذت قرارًا لا رجعة فيه، لكن في القصيدة يغلب التفكير في المحبوب على "رامي" فيقرر أن ينسى فكرة النسيان حيث أنها لا تجدي نفعًا إذ يقول "أقول لروحى من غلبي انسى النسيان.."، يقرر "رامي" أن يترك نفسه للتيار لأنه "غاوي غُلب" حتى لو كان يعرف في قرارة نفسه أنه بذلك قد نال هزيمة ساحقة.

تبدأ المقدمة الموسيقية للسنباطي في "هجرتك" بحوار متوتر بين القانون والكمنجات حوار يعبر فيه عن حيرة "رامي" ولوعته في اتخاذ قراره الحاسم بأن "هجرتك" أو باستسلامه لمعاودة التفكير فى المحبوب مرارا وتكرارا حيث أعادت "الست" أم كلثوم جملة "بفكر فيك" ٣ مرات، دليل منذ الدقائق الأولى للأغنية أنه لا يوجد قرار ولا يحزنون بل هي اللوعة والشوق ومحاولة "الفلفصة" من كليهما.

يتصاعد لحن السنباطي تدريجيًا تعبيرًا عن صراخ داخلي مكتوم بالرغبة الحقيقة بالهجران إلى أن تحدث الصدمة أو بالأحرى تعبر الحقيقة العارية عن نفسها بأنه لا قدرة للمحب على هذا الهجران. يغلق السنباطي جملته اللحنية في مقام الشورى بالكرد تعبيرا عن الانهزام للفكرة "بفكر فيك وأنا ناسي.."، ملحمة مشاعرية يجسدها صوت "الست" باقتدار على مسرح الأزبكية للمرة الأولى في شتاء 59.

تجسد "الست" أم كلثوم بصوتها كافة المواقف التي من الممكن أن تمر بها كإنسان، لكنك ستجدها على المسرح أمام جمهورها في كل حين على صورة صلبة، قوية، شامخة، لا يهتز لها جانب، لكنك إذا أغمضت عينيك، وركزت بكل جوارحك مع هذا الصوت الشجي ستجده يمتثل لكل المشاعر التي يعبر عنها بالكلمات، فمرة ضحوك، ومرة دلوع، ومرة حاسم، ومرة مليء بالكبرياء، ومرة حزين، ومرة تخنقه الدموع، كليلة أول خميس في يناير من العام 61 حين علمت أم كلثوم بين الوصلة الثانية والثالثة لحفلها الشهري الساهر بفقدها بيرم التونسي، أحد رفقاء رحلتها الأقدمين، انهارت أم كلثوم على كرسيها في استراحتها بالمسرح، وبعد برهة من الزمن طلبت من الفرقة الموسيقية تغيير أغنية الوصلة الثالثة والأخيرة لتشدو بــ"الحب كده!" من كلمات بيرم وألحان السنباطي أيضًا.

في الوصلة التي امتدت ساعة إلا ربع وقفت أم كلثوم على المسرح بكل ثبات انفعالي حتى وصلت إلى المقطع الأخير من الأغنية "أوريه الملام بالعين، وقلبي على الرضا ناوي" وجهتها لبيرم الذي رحل فجأة تلومه لأنه لم ينتظر، رغم رضاها الكامل عنه، تكمل أم كلثوم المقطع بصوت مبحوح..."بيجرح قد ما يجرح، ويعطف تاني ويداوي" تكررها ثلاث مرات ثم تنهار فتصمت ويعلو هتاف الجمهور حولها وتصفيقهم فتشجينا "الست" بدقيقتين من الآهات الخالصة التي تفيض بحزنها الكامن في صدرها على بيرم حتى تنهي أغنيتها "بالحب كده!" أو بالأحرى الدنيا كده.

تتضمن الليالي التي نقضيها سويًا على صوت أم كلثوم كطرف ثالث دائم يحل ضيفا على معادلة المزاج، وصمت الأفكار المزعجة، ويشهد كلا من "الليل، وسماه، ونجومه، وقمره" على تطور مفهوم الحب الذي ينتزعه صوت "الست" أم كلثوم وينفرد به في قلبك، ليكبر معك خطوة تلو الأخرى "بالراحة" فتجده يتسلل ليأخذ مساحته دون أن تشعر، ويفاجئك في كل مرة تسمعه قادمًا من بعيد يقول "وقابلتك أنت... لقيتك بتغير كل حياتي" فترتسم ابتسامة على وجهك وتكمل المقطع معها، ويتغير مزاجك نحو الأفضل مهما كان.

 

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة