التهمة”ازدراء أديان”.. هل يحبس مطران المنوفية “أستاذ جامعي” بسبب الانتقادات؟

في الثالث من يناير الجاري، وقبل أيام من احتفالات عيد الميلاد المجيد، ألقت قوات الأمن بمحافظة المنوفية القبض على المهندس كيرلس ناشد- المعيد بكلية الهندسة- منوف بتهمة “ازدراء الأديان”، على خلفية انتقادات وجهها الأستاذ الجامعي للأنبا بنيامين مطران المنوفية وبعض الكهنة.

وكان المهندس “كيرلس ناشد” قد ظهر في أكثر من فيديو موجهًا انتقادات شديدة للأنبا بنيامين وعدد من كهنة المطرانية، واتهمهم جميعًا بأنهم غير جديرين بالزي الأسود الذي يرتدونه، وتعهد بأن يحصل على حقوقه بالقانون، وهو الأمر الذي فسره قريبون منه بأنه ردًا على تعرضه للضرب داخل إحدي كنائس مدينة منوف، ومنعه من دخول كل الكنائس التابعة للمطرانية.

على خلفية الواقعة اشتعل موقع التواصل الاجتماعي – فيس بوك- بالتدوين، تنديدًا بما اعتبره مدونون “تنكيلًا” بالأستاذ الجامعي من قبل مطرانية المنوفية للأقباط الأرثوذكس، لكن الأنبا بنيامين مطران المحافظة نفى صلته تمامًا بالقضية، لافتًا إلى أن محاميًا متطوعًا وراء البلاغات المقدمة ضد “كيرلس”.

وترجع أزمة “أستاذ الهندسة” مع الكنيسة إلى خلاف تصاعد على خلفية طلبه شهادة “خلو موانع” وهي إحدى الشهادات المطلوبة للزواج، ورفض أحد الكهنة طلبه متذرعًا بضرورة حصوله عليها من الكنيسة التابع لها- حسب مسقط رأسه- بالأقصر.

وفي رواية أخرى، ترجع الأزمة، وبحسب تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي لأصدقاء المعيد، حيث تحدث ناشد عن عدم اقتناعه ببعض الأمور في القصص الكنسية التاريخية، ما وتر العلاقة بينه وبين كهنة الكنيسة التابع لها، وبحسب الراوية فإن مناقشات دينية كانت تدور بين الأستاذ الجامعي وبعض الكهنة، اتهموه على إثرها بأنه ليس قبطيًا أرثوذوكسيًا، ولكنه بروتستانتي ” أحد الطوائف المسيحية”. كما منعوا دخوله الكنائس في مدينتي منوف وشبين، وهما أكبر مدن محافظة المنوفية التي تقع شمال القاهرة.

ازدراء الأديان في القانون

تندرج جريمة ازدراء الأديان في الباب الثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات، تحت عنوان “الجرائم المضرة بأمن الدولة من جهة الداخل”، إذ تنص المادة 98 على الآتي: “يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تجاوز 5 سنوات، أو بغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تجاوز ألف جنيه لكل من استغل الدين في الترويج أو التحييذ بالقول أو بالكتابة أ بأي وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو التحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الضرر بالوحدة الوطنية أو بالسلم الاجتماعي”.

وفي قانون العقوبات المصري أيضا، تنص المادة 160 على أنه “مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد يعاقب بالحبس مدة 3 سنوات وبغرامة لا تقل عن ألف جنية ولا تزيد عن 5 آلاف جنية كل من شوش على إقامة شعائر ملة أو دين أو احتفال أو رموز أو أشياء أخرى لها حرمة عند أبناء ملة أو فريق من الناس”.

فيما تُشدد العقوبة في أحداث الفتنة أو زعزعة الوحدة الوطنية، وتكون العقوبة المُشددة لمدة 7 سنوات، مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد منصوص عليها في قانون آخر، تكون العقوبة الحبس 3 سنوات لكل من انتهك حرمة القبور أو الجبانات أو دنسها، وتكون العقوبة السجن المشدد الذي لا تقل مدته عن 5 سنوات إذا ارتكبت أي من الجرائم السابقة لغرض إرهابي.

كيرلس ناشد المعيد بهندسة المنوفية
كيرلس ناشد المعيد بهندسة المنوفية

تخبط في الأقوال

وينفي الأنبا بنيامين مطران المنوفية  في تصريحات خاصة، صلته بتحرير محضر ازدراء أديان ضد “كيرلس”، مشيرًا إلى أن محامي المطرانية قدم بلاغًا لمباحث الانترنت من أجل إغلاق صفحته، وفقط، نظير ما تضمنته من إساءة متكررة للكنيسة، والآباء، والكهنة.

وعلى إثر الانتقادات التي وُجهت له، واتهامه بحبس “ابن من أبناء الكنيسة”، قال الأنبا بنيامين في مقابلة على قناة “مي سات” التلفزيونية التابعة للكنيسة، أنه طلب فقط من محاميه ” أن يُغلق صفحة المعيد بكلية الهندسة” بحسب نص كلامه، ولم يطلب تقديم بلاغات.

وبسبب تصريحات الأنبا بنيامين الأخيرة على قناة مي سات، طلبت النيابة حضوره في الجلسة القادمة يوم الإثنين 23 يناير الجاري. لتأكيد صلته بالبلاغ المقدم ضد الأستاذ الجامعي.

لكن شقيق المتهم “بولا رفعت” يقول: إن “كيرلس” يواجه 5 اتهامات وفق المحضر المُحرر ضده، من بينها تهمة “ازدراء أديان”، رغم تعرضه لاعتداءات داخل كنائس المنوفية، وعرض الأمر على الكهنة قبل ذلك، وتحريره محضرًا ضد أحد خدام الكنيسة، دون احتواء للأزمة.

ويقول الأنبا بنيامين: إن المطرانية لم تشارك من قريب، أو بعيد في سجن أحد، مشيرًا إلى أن لقاءً جمعه بـ”والدة المتهم”، وأخيه، وخالته، في أعقاب القبض عليه، وطلبوا التدخل لأجل إنهاء الأزمة.

ويضيف: أبلغتهم عدم صلتي بهذا الأمر، لكن إحداهن اتهمتنا بأننا “ليس في قلوبنا رحمة”.

وأردف قائلًا:” الذين يهاجمونني لا يعرفون شيئًا، لأن موضوع البلاغ المقدم ضد “كيرلس” جاء من محام لم توكله المطرانية”.

اتهامات متبادلة

يأتي ذلك مقابلًا لتصريحات “بولا رفعت” عن المقابلة، والتي ذهبت إلى أن والدته اتصلت بمطران المنوفية، وقالت له نصًا:” هذا ابنك، والمفروض تاخدوه تحت باطكم”، وقيل لها: لا بد أن يرحل عن المنوفية”- على حد قوله.

البلاغ المقدم ضد "ناشد" يظهر فيه اسم الأنبا بنيامين
البلاغ المقدم ضد “ناشد” يظهر فيه اسم الأنبا بنيامين

ويقول شقيق “كيرلس”: إن القضية وصلت إلى المقر البابوي بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية عبر وسطاء، كما أن الأسرة تلقت طلبات من قبل محامين للتطوع دفاعًا عن شقيقه.

ويستطرد قائلًا:” لدينا نسخ من محاضر محفوظة ضد الكهنة خلال 3 سنوات ماضية”.

وحسب مصدر – رفض ذكر إسمه- من مدينة منوف، فإن “كيرلس” المتهم بازدراء الأديان ليس منتميًا للطائفة الأرثوذكسية، وأن طلبه لشهادة خلو موانع من إحدى كنائس المطرانية يتنافى مع القواعد الصحيحة.

ويقول المصدر: إن “الباحث”- رافضًا وصفه بـ”الأستاذ الجامعي- متورط في إساءة متعمدة، ومكررة على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي – فيس بوك-، لافتًا إلى أنه شوه صورة مطران المنوفية، والكنيسة.

ويضيف: هذا الخلاف يرجع إلى شهر سبتمبر من العام الماضي، بعد أن قدمت المطرانية عبر محاميها شكوى لمباحث الانترنت من أجل إغلاق صفحته، لكنه منذ تاريخه لم يتوقف عن حملات الإساءة الموثقة بالصوت، والصورة.

وفي المقابل ينفي “بولا رفعت” مزاعم خروجه عن الطائفة الأرثوذكسية مستشهدًا بشهادات موثقة تدعم موقفه، لافتًا إلى أن شقيقه كان ضمن خدام كنيسة “منوف”، ويحرص دائمًا على حضور الصلوات، لكنه بعد تطاول أحد الكهنة عليه، وحرمانه من دخول الكنائس، ورفض القيادة الكنيسة التدخل لاحتواء الأزمة، اضطُر إلى نشر ما جرى معه على حسابه الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي – فيس بوك.

من جانبه يقول الباحث إسحاق إبراهيم- مسؤول ملف حرية الدين، والمعتقد بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية: إن تدوينات “كيرلس ناشد” مجرد انتقادات لأسلوب رجال الدين، لافتًا إلى أنه وفق أوراق القضية فإن الأستاذ الجامعي يواجه عدة اتهامات من بينها ازدراء الأديان، والتعدي على قيم الأسرة.

ويضيف : لدينا بُعدين في هذه القضية، أولهما: أن قضايا الفكر، والرأي لا يمكن التعامل معها من خلال المحاكم، وإنما يتم الرد على الرأي بالرأي.

أما البعد الثاني –على حد قوله- فإن علاقة المؤسسة الكنسية بأبنائها، والمفروض، لكونها مؤسسة دينية، أن تكون أكثر حرصًا على مستقبل شاب ينتمي إليها، وتسامحًا معه، ومع سلوكه، ومع ما اعتبرته إساءة.

ورغم أن الأنبا بينامين مطران المنوفية يؤكد عدم تعرض الكنيسة لحملة تشويه مثل التي قادها “كيرلس” على حسابه الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي – فيس بوك- على حد وصفه، نافيًا انشغاله بهجوم معارضيه، فإن كمال زاخر – مؤسس جبهة “العلمانيين الأقباط” يرى: أن مثل هذا الوضع يضرب الرعاية في مقتل، ويكشف الصراع الموروث، وجنوح البعض إلى تبني الإدارة بالسلطة، مع غياب القواعد الآبائية الصحيحة.

ويقول “زاخر”: إن الكنيسة بحسب “القديس يوحنا” – ذهبى الفم – مستشفى لعلاج الخطاة والمنحرفين، وتحرم قوانينها على الرعاة شكاية أبنائها للمحاكم المدنية.

ويضيف لـ”فكر تاني”: حتى وإن لم يكن المطران مسؤولًا عن البلاغ الثاني المتسبب في سجن “كيرلس”، فإنه منذ البداية انتهج طريق تحرير محضر ضده وفق ما يحمله التوكيل المتداول على صفحات – فيس بوك.

ويتساءل: هل المطران راعيًا أم قاضيًا؟، وعلى أية حال بالنسبة لسبب سجن “كيرلس”، فإن الأنبا بنيامين مطالب باحتواء الأزمة، وإنهائها.

ويستطرد: “هناك العديد من القنوات لاحتواء الأمر، وعلاجه”.

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة