14 مليار دولار أمريكية.. إعادة بناء دفاعات إسرائيلية فاشلة

بينما تواجه إسرائيل وضعًا متعثرًا عسكريًا في غزة، رغم الدمار الذي أحدثته بالقطاع وأعداد الشهداء والمصابين بالآلاف من المدنيين، فإن أزمة دولة الاحتلال تتفاقم إلى أبعاد أخرى، على رأسها البعد الاقتصادي، وهي في مثل هذه الظروف تكون في أمس الحاجة للدعم المطلق الذي تتلقاه من الولايات المتحدة.

من هذا المنطلق حاول الباحث الإسرائيلي وعضو الكنيست السابق عوفر شيلح وزميلته هداس شبتاي في "المركز الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي INSS"، تحليل تفاصيل المقترح الذي تقدمت به إدارة جو بايدن مؤخرًا إلى الكونجرس الأمريكي لمنح تل أبيب 14.25 مليار دولار مساعدات خاصة للحرب في قطاع غزة.

يرى تقرير الباحثان الإسرائيليان إن البنود الواردة في مقترح إدارة بايدن، والذي لم يحصل بعد على موافقة نهائية من الكونجرس، من شأنها أن تُمكن إسرائيل من تجديد مخزونها من الذخائر الأساسية، وقبل كل شيء، الصواريخ الاعتراضية للدفاع الجوي. بينما سيتم تخصيص ربع المبلغ لتنفيذ الدروس المستفادة من الحرب، وعلى رأسها صياغة مقاربات مناسبة للاستخدام السليم لهذه الحزمة.

إسرائيل أكبر المستفيدين من أمريكا

تأتي إسرائيل على رأس الدول التي تتلقى مساعدات دفاعية من الولايات المتحدة في إطار برنامج التمويل العسكري الأجنبي (FMF)، إذ تلقت أكثر من 130 مليار دولار منذ تأسيسها في عام 1948.

وفي 2016، وقع الجانبان الأمريكي والإسرائيلي مذكرة تفاهم مدتها 10 سنوات بين البلدين، تمتد حتى عام 2028، تحدد المساعدات السنوية الأمريكية لإسرائيل بمبلغ 3.8 مليار دولار، إضافة لإنفاق 500 مليون دولار سنويًا على برامج الدفاع الصاروخي المشتركة من السنة المالية 2019 إلى السنة المالية 2028. بينما تشير مذكرة التفاهم إلى إمكانية تقديم مساعدات تكميلية في حالات الطوارئ مثل الحروب.

وتنص مذكرة التفاهم الحالية على تخفيض تدريجي في بند المشتريات الخارجية، حيث يمكن تحويل 26.3 في المائة من المساعدات السنوية، التي تبلغ 815 مليون دولار، إلى شيكل، ما يعني أنه يمكن لمؤسسة الدفاع الإسرائيلية استخدامها لشراء منتجات أو خدمات من الشركات الإسرائيلية في الولايات المتحدة، ودفع ثمنها بالشيكل الذي يتم الحصول عليه عن طريق تحويل المساعدات الأمريكية من الدولار إلى الشيكل. وبذلك يبلغ متوسط المساعدات الدفاعية الأمريكية لإسرائيل 16 في المائة من إجمالي المساعدات الدفاعية الأمريكية.

لماذا عطل الكونجرس مساعدات إسرائيل؟

يتطرق التقرير الإسرائيلي إلى قيمة المساعدات التي طلبتها الإدارة الأمريكية من الكونجرس لصالح إسرائيل، فيذكر عسكرية تكميلية غير مسبوقة، بقيمة 14.25 مليار دولار. أي ما يعادل أقل بقليل من المبلغ الذي كان من المقرر أن تتلقاه إسرائيل كمساعدات على مدى أربع سنوات، وفقًا لمذكرة التفاهم في 2016.

ويشير التقرير الإسرائيلي إلى أسباب تأجيل قرار الكونجرس بشأنها، فيضيف أن بايدن ضمّن هذه المساعدات بأخرى موجهة لأوكرانيا في حربها ضد روسيا بقيمة 106 مليارات دولار، وبناء حاجز لمنع المهاجرين غير الشرعيين من دخول الولايات المتحدة سرًا، والمساعدات لتايوان. فكان هذا المبلغ الكبير، الذي يشمل معظمه مساعدات لأوكرانيا، هو مصدر خلاف بين الديمقراطيين والجمهوريين.

وهو ما يتحفظ عليه الجمهوريون الذي يصرون على أن يتم دفع ثمن هذه المساعدات من خلال خفض ميزانية مصلحة الضرائب.

الجمهوريون والديمقراطيون يدعمون إسرائيل

ويقول التقرير إن كلا الحزبين السياسيين في امريكا (الديمقراطيون والجمهوريون) يدعمون إرسال المساعدات لإسرائيل، لكن الرئيس غير مستعد للموافقة عليها في مشروع قانون منفصل، بينما مشروع القانون العام متوقف في مجلس النواب، ما يعني أن المساعدات المقترحة لإسرائيل لا تزال غير متوفرة.

يأتي ذلك في وقت أدرجت وزارة المالية الإسرائيلية بالفعل المبالغ المحددة في حسابها لتمويل الحرب والميزانية المقترحة لعام 2024. ففي 30 ديسمبر 2023، أعلن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن عن بيع قذائف مدفعية ومعدات أخرى لإسرائيل بمبلغ 147.5 مليون دولار.

وهو ما يحق له القيام به دون موافقة الكونجرس (كانت هذه هي المرة الثانية التي تتم فيها الموافقة على المساعدات؛ كانت المرة الأولى في 9 ديسمبر). لكن من غير الواضح ما إذا كان سيتم إدراج هذا المبلغ في نهاية المطاف في إجمالي المساعدات المعتمدة أمريكيًا، كما يشير التقرير.

وعلى افتراض أن نزاع الكونجرس بشأن المساعدات سيتم حله في نهاية المطاف بالموافقة على حزمة المساعدات لإسرائيل، يحاول التقرير الإسرائيلي تقديم مراجعة لمحتويات هذه المساعدات لفهم ما ستتمكن وزارة الدفاع الإسرائيلية من تلقيه بالفعل، سواء أثناء تمويلها للحرب أو التخطيط لليوم التالي.

تجديد المخزون الدفاعي

يتناول البند الأول من المساعدات، وفق التقرير الإسرائيلي، تجديد المخزون الدفاعي لجيش الاحتلال، والذي يشهد نقصًا كبيرًا نتج عن الحرب، وأضر في المقام الأول بالقبة الحديدية ومقلاع داود وصواريخ السهم الاعتراضية، في وقت تُظهر المؤشرات احتمالية امتداد أمد الحرب.

وبينما لا يحتوي مشروع القانون الذي قدمه بايدن لمساعدة إسرائيل على تفاصيل حول الاستخدامات المحددة لبند زيادة مخزون صاوريخها الدفاعية، فإن المبلغ المخصص هو ثمانية أضعاف المبلغ السنوي المخصص لهذا البند، وبالتالي يمكن استخدامه ليس فقط لزيادة مخزون الصواريخ الاعتراضية ولكن أيضًا للبطاريات الإضافية.

وقد أرسل بايدن بالفعل مليار دولار أكثر من المبلغ الوارد في اتفاقية المساعدات بعد عملية "حارس الجدران" في عام 2021. ويتم تصنيع صواريخ القبة الحديدية الاعتراضية في كل من إسرائيل والولايات المتحدة. وتم نقل بعض الإنتاج إلى الولايات المتحدة بناءً على طلب أمريكي. كما لا يحدد مشروع القانون نفسه أين سيتم إنفاق الأموال، وقد تضطر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى التوصل إلى اتفاق منفصل لهذا الغرض.

شراء الذخيرة

يتناول البند الثاني من اتفاقية المساعدات التي يتمناها بايدن لإسرائيل "شراء الذخيرة وتسليح الجيش". ومن المفترض أن هذا يشير إلى ذخيرة القوات البرية، التي تظهر بشكل كبير في القتال الحالي.

اقرأ أيضًا: محور المقاومة.. يد إيران بالمنطقة وسلاحها في حرب غزة

ولكن ليس من الواضح ما إذا كان هذا البند يغطي تكلفة الذخائر التي أرسلتها الإدارة الأمريكية إلى إسرائيل بالفعل في الجسر الجوي في الأيام الأولى من الحرب على غزة.

ومع ذلك، فإن المبلغ المخصص لهذا البند كبير وقدره 3 مليارات شيكل؛ لتجديد مخزون جيش الاحتلال أثناء القتال وبعده. ويأتي هذا بالإضافة إلى الإمدادات الأمريكية المتمركزة بالفعل في إسرائيل، والتي يحق لإسرائيل استخدامها في حالات الطوارئ بموجب اتفاق بين البلدين تم توقيعه منذ سنوات عديدة، والمشار إليه في البند 8 من مشروع بايدن أمام الكونجرس. وينطبق الشيء نفسه على البند 3، الذي يتعلق بالبحرية، والبند 4، الذي يتعلق بالقوات الجوية.

مضاعفة المساعدات السنوية (العادية)

يشير البند الخامس من مشروع بايدن، وفق التقرير الإسرائيلي، إلى مضاعفة (لمرة واحدة) ميزانية المساعدات السنوية "العادية" البالغة 3.3 مليار دولار. على أن تستخدم هذه الميزانية بشكل أساسي لشراء ما يسمى "العناصر الرئيسية"، مثل طائرات F-35 وطائرات الهليكوبتر للنقل. ووقعت إسرائيل صفقة شراء مع شركة بوينج من أجل استبدال مروحياتها القديمة من طراز ياسور.

وتم تصميم هذه الميزانية لتمويل المشتريات الناتجة عن الدروس المستفادة خلال الحرب، مثل زيادة ترتيب طائرات الهليكوبتر العسكرية للمعركة، وأنظمة الدفاع النشطة لمركبات القتال المدرعة (AFVs).

12 مليار شيكل

ومن منظور آخر، يمكن النظر إلى هذا المبلغ على أنه زيادة في مبلغ المساعدات "العادية" في 2019-2028 من 33 مليار دولار إلى 36.5 مليار دولار.

وينص مشروع القانون صراحة على أنه يمكن لإسرائيل استخدام مبلغ 3.5 مليار دولار إضافي "لشراء مواد دفاعية وخدمات دفاعية في إسرائيل".

وهذا يشكل زيادة كبيرة في المبلغ الذي يمكن تحويله إلى شيكل - أي ما يعادل أربع سنوات من هذا التحويل في الجدول العادي - أو ثلثي مجموع مبلغ التحويل خلال كامل فترة اتفاقية المساعدة الحالية.

وبسعر الصرف الحالي، يصل هذا المبلغ إلى 12 مليار شيكل، يمكن لإسرائيل إنفاقها في السنوات المقبلة، وفقًا لمشروع القانون المقترح. وهذا له أهمية كبيرة بالنسبة لوزارة الدفاع والصناعات الدفاعية في إسرائيل، وخاصة الصناعات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

وهنا يلفت التقرير إلى سياسة الطرق التي تستخدم بها إسرائيل الأموال المحولة، حيث تعتبر الولايات المتحدة المساعدات وسيلة لتعزيز دفاع إسرائيل، وليس بالضرورة الصناعة الإسرائيلية. وهو ما يحذر منه الباحثان الإسرائيليان.

تطوير الدفاع ضد الأسلحة قصيرة المدى

يناقش البندان السادس والسابع في مشروع بايدن، وفق التقرير الإسرائيلي، ميزانية منفصلة لتطوير نظام الليزر Iron Beam للدفاع ضد الأسلحة قصيرة المدى عالية المسار.

ونظام Iron Beam لم يعمل بعد. يقول الباحثان الإسرائيليان إنه على الرغم من النجاحات العلمية التي حققتها شركة رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة في تطوير هذا النظام، إلا أن هناك بعض الخلاف حول تفضيلها على الدفاعات البديلة ضد الصواريخ.

التشغيل والصيانة للرد على الهجمات

يتطرق البند الثامن من مشروع المساعدات المقترح من بايدن، إلى "التشغيل والصيانة على مستوى الدفاع للرد على الهجمات على إسرائيل". ويذكر أن ميزانية هذا البند سيتم استخدامها لتجديد مخزون وزارة الدفاع الإسرائيلية، وتمويل الخدمات المقدمة لإسرائيل. بينما لا يقدم أي تفاصيل أخرى.

لكن الباحثان الإسرائيليان يتوقان أن ينطوي هذا البند على تجديد المخزونات المتمركزة في إسرائيل (معظمها قذائف المدفعية والدبابات)، والتي استنفدت حتى قبل 7 أكتوبر بسبب الحرب في أوكرانيا؛ إذ سحبت الولايات المتحدة من إسرائيل ما يقرب من 1000 حاوية من المعدات العسكرية خلال العام 2023 تحتوي على مئات الآلاف من قذائف المدفعية عيار 155 ملم. ومن المرجح أن جيش الاحتلال يستخدم ما تبقى في حربه الحالية، وفق التقرير الإسرائيلي. ولأن هذا البند يتضمن تكملة لميزانية الدفاع الأمريكية، وليس مساعدات للدول الأجنبية (كما في البند 5)، فمن المفترض أن يقرر البنتاجون مقدار ما سيتم إرساله بالفعل إلى إسرائيل.

نفقات إجلاء الأمريكيين

أما البند التاسع من مشروع بايدن، فقد خُصص لتمويل نفقات وزارة الخارجية المتكبدة نتيجة للحرب على غزة، ومنها إجلاء المواطنين الأمريكيين من محيط القتال.

اليوم 102 للحرب على غزة

ومع دخول الحرب على غزة يومها الـ102، تدور معارك ضارية وسط مدينة خان يونس جنوبي القطاع، حيث أعلنت المقاومة الفلسطينية أنها قتلت جنودًا إسرائيليين في عمليات بهذا المحور القتالي، بينما يشن الاحتلال قصفًا كثيفًا على جباليا شمالًا.

وأطلقت المقاومة الفلسطينية دفعة صاروخية كبيرة من قطاع غزة باتجاه نحو 19 بلدة بغلاف غزة والنقب الغربي، وأصيب مبنى بمدينة نتيفوت بشكل مباشر.

يأتي ذلك في وقت سحبت فيه إسرائيل جانبًا من قواتها تمهيدًا لتقليص عملياتها العسكرية إلى حد كبير في القطاع، وذلك بعد أكثر من 100 يوم تكبدت خلالها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

وبالتزامن، اندلعت مواجهات ليلية في الضفة الغربية المحتلة، في وقت يعزز فيه الاحتلال انتشاره العسكري هناك، بعد أن حذّر مسؤولون أمنيون إسرائيليون من أن الوضع بات على شفا الانفجار.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة