تعتبر المحكمة الدستورية العليا – أعلى محاكم البلاد – أن القوانين الجزائية العقابية التي تتصل اتصال مباشر بالحرية الشخصية للأفراد يتعين أن تكون محددة بصورة قاطعة دون التباس بغيرها، لأن الإبهام والغموض الذي من الممكن أن يحيط بالجرائم التي تمثلها هذه القوانين لا يجعل المخاطبين بها – وهم المواطنين – على دراية تامة أو كافية بحقيقة الأفعال التي يجب عليهم أن يتجنبوا فعلها.
وترى المحكمة الدستورية أيضًا أن رغبة الجماعة في إرواء تعطشها للثأر والانتقام، أو سعيها للبطش بالمتهم لا يحقق مفهوم العدالة الذي هو في حقيقته يتحدد بناء على الأغراض الاجتماعية التي يُستهدف تحقيقها بشكل معقول، لأنه كلما كان الجزاء الجنائي بغيضًا أو عاتيا، أو كان متصلاً بأفعال لا يسوغ تجريمها، فإنه يفقد مبررات وجوده ويصبح تقييده للحرية الشخصية اعتسافاً.[1]
هذه الفلسفة العقابية التي أرستها المحكمة الدستورية العليا نجدها مهمة للغاية في ظل السياق الذي وضع به المشرع العقوبات الموضوعة في قانون جرائم تقنية المعلومات أو غيرها من القوانين المماثلة التي تعالج – من وجهة نظر الدولة – فوضى الأفعال المؤثمة التي تتخذ من منصات التواصل الاجتماعي مسرحا لها.
إلا أننا نجد أن هذه العقوبات رغم ضخامتها ترتبط في النصوص التي ترجمتها بعبارات فضفاضة ومبهمة، غير واضحة لفهم المواطن العادي أو حتى المشتغل بالقانون، وتحمل النص العقابي أكثر مما يحتمل خاصة وهو يتعامل مع مسألة حساسة وهي الحرية الشخصية للمواطنين وحقهم الدستوري في التعبير عن الرأي، فمثلا نجد أن المادة 25 من القانون[2] لم تضع حد أقصى للعقوبة التي يمكن للقاضي إنزالها بمن أتهم بمثل هذه الجريمة، فضلا عن ذلك أن الجريمة ذاتها وضعت تحت معيار واسع وغير محدد المعالم وهو الاعتداء على أي مبدأ من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري.
يتبادر في ذهن أي قارئ فورا سؤال مشروع، ألا وهو ما هي تلك المبادئ، ومن أين نستطيع تحديد هذه القيم ومن هو المسؤول عن تحديدها أو تفسيرها؟، هل هو محرر المحضر، أم مأمور الضبط القضائي، أم يترك المتهم تحت سلطة القاضي التقديرية بحسب رؤيته لهذه القيم والمبادئ؟ أسئلة مشروعة تركها مشرع النص العقابي هذا دون إجابة أو تفسير.
ما هي هذه القيم والمبادئ التي تترك فتيات في مقتبل العمر عرضة للحبس في بيئة مثل بيئة السجون مدة طويلة لأنها بثت مقاطع فيديو مصورة تخالف- من وجهة نظر البعض- قيم الأسرة المصرية، هل نحاكم مثل هؤلاء بمبادئ الأسرة التي تسكن في حي شعبي، أم قيم الأسرة التي تسكن إحدى المجمعات السكنية في مستوطنات القاهرة الجديدة، هل نحاكمهم وفقا للتعاليم التربوية التي يتلقاها النشأ في مدارس الحكومة المصرية، أم المدارس الدولية التي يعمل بها المعلمون والمعلمات الأجانب، هل نحاكمهم وفق المظاهر العائلية في مصايف جمصة وفايد، أم وفق المظاهر العائلية في مصايف “الساحل الشرير”؟.
القصد من القول إن الأسر المصرية لا تنبع جميعها من قالب واحد، فلا نستطيع تحديد ماهيتها، ووضعها جميعا على تنوعاتها المختلفة والثرية في شرنقة لتخرج نمط واحدا من التفكير أو تدجينها لتظهر هيئة معينة من الأفراد، لذلك كان يجب – وفق تفسير المحكمة الدستورية العليا – أن تكون الأفعال المؤثمة التي يجب أن يتجنبها الفتيات والشباب واضحة وضوح العيان ومحددة على سبيل الحصر لا المثال حتى تحقق العقوبة الغرض التي شرعت من أجله.
إن تحويل المحتوى الترفيهي الإلكتروني الذي يبدعه الشباب والفتيات ليصبح مصيدة يقعون فيها كلما بث فردا منهم مقطع مصور لم يعجب البعض فيكون ذلك تهديدا مباشرا لمستقبلهم ومستقبل ذويهم بالحبس والسجن مددا طويلة في بيئة لن يتعلموا فيها أي شيء صالح، لهو ثمن فادح نرتكبه جميعا تجاه هذه الأجيال، والسياسة العقابية من المفترض أن تحمي المجتمع لا أن تهدم أساسه، والتشبع من الثأر وتشييع عادية الانتقام ستذهب بهذا المجتمع إلى ما لا يحمد عقباه، وما لا يمكن لنا إصلاحه بعد ذلك.
[1] حكم المحكمة الدستورية العليا – الدعوى رقم 114 لسنة 21 قضائية – بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 2 يونيه سنة 2001.
[2] مادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري أو انتهك حرمة الحياه الخاصة…….”
