الاغتصاب كأداة حرب

 

في هذه اللحظة، يعاني الشعب السوداني انتهاكات مروعة، نزوحًا وقتلًا وتهجيرًا قسريًا. ولكن هناك معارك موازية تقام على أجساد النساء أيضًا.

أجسادنا التي طالما أقيمت عليها معارك الأبوية، تقام عليها معارك وانتهاكات الحروب أيضًا، من استعباد جنسي واغتصابات جماعية من دون أن يُحاكَم أو يجرَّم أحد، ونبقى نحن الضحايا والناجيات وحدنا عالقات مع الألم.

لكن هذه ليست مجرد جرائم عشوائية وليدة لحظة، بل هي نمط منهجي واسع الانتشار على مر التاريخ.

عرّفت تقارير الأمم المتحدة العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات بأنه "الاغتصاب، والاستعباد الجنسي، والدعارة القسرية، والحمل القسري، والتعقيم القسري، وأي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي على نفس الخطورة، يُرتكب ضد النساء أو الرجال أو الأطفال بشكل مباشر أو غير مباشر، مع التأكيد على الارتباط غير المباشر (المؤقت أو الجغرافي أو السببي) بالصراع".

ويمكن أن يرتكب جرائم اغتصابات الحرب قوات نظامية أو مليشيات أو المدنيون في أوقات الصراعات المسلحة أو الحروب الأهلية أو خلال الاحتلال العسكري، كما تشمل اغتصابات الحرب أيضًا إجبار النساء على ممارسة الدعارة أو الاستعباد الجنسي من قبل قوة احتلال، كما في حالة "نساء المتعة" أثناء الحرب العالمية الثانية.

اقرأ أيضًا:لماذا تتمسك المرأة بحقها في العمل؟

نساء المتعة أثناء الحرب العالمية الثانية

هي صيغة تلطيفية لوصف النساء اللواتي عملن قسرًا لصالح الجيش الياباني في الحرب العالمية الثانية في اليابان، كوريا، الصين، الفلبين وغيرها من البلدان الواقعة تحت الاحتلال الياباني. يقدر المؤرخون أعدادهن بـ 200000 امرأة تم توظيفهن لإشباع رغبات الجيش الياباني.

الاغتصابات خلال حرب البوسنة

أخذ العنف الجنسي شكلاً يستهدف طبقات اجتماعيّة محدّدة من خلال استخدام الاغتصاب خلال حرب البوسنة. وفي حين قام الرجال من مختلف الجماعات العرقيّة باغتصاب النساء، قامت أيضًا القوات الصربية البوسنية (جيش صرب البوسنة) والجيش الصربي بعمليات اغتصاب جماعية كنوع من الإذلال، وكجزء من التطهير العرقي. يقدّر عدد النساء اللواتي تمّ اغتصابهنّ خلال تلك الحرب بـ 12000 إلى 50000 امرأة.

الاغتصابات خلال حرب استقلال بنجلاديش

"شهدت شبه القارة الهندية أهوال الاغتصاب المنهجي لمئات الآلاف (تتراوح الأرقام بين 200000 إلى 400000 من النساء والفتيات البنغاليات، في جهود ممنهجة من الاغتصاب الإبادي من قبل الجيش الباكستاني لسحق حركة تحرير بنجلاديش عام 1971".

حيث أعلنت فتوى صادرة من باكستان خلال الحرب عن اعتبار مقاتلي حرب التحرير البنغلاديشيين «هندوسًا»، وأن نساءهم يمكن أن يُؤخذن كـ "غنيمة حرب".

الاغتصابات في إيران أثناء الانتفاضة

اتهمت منظمة العفو الدولية في تقرير صدر لها، قوات الأمن في إيران باستخدام "عمليات الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي التي وصلت إلى حد التعذيب، لترهيب وإذلال المحتجين السلميين ومعاقبتهم"، خلال الانتفاضة التي انطلقت في سبتمبر 2022.

وتحدث التقرير عن جرائم جنسية مروعة واجهها 45 ناجية وناجيًا اعتقلوا خلال قمع المظاهرات، من ضمنهم 26 رجلاً، و12 امرأة، و7 أطفال، تعرضوا لـ "الاغتصاب الفردي و/أو الجماعي و/أو لأشكال أخرى من العنف الجنسي".

لكن لماذا يستخدم العنف الجنسي كأداة حرب؟

كانت سوزان براون ميلر أول مؤرخة حاولت فهم ودراسة الاغتصاب في الحرب. حيث قضت أربع سنوات في التحقيق في هذه القضية، وصدر كتاب لها عام 1975 بعنوان "ضد إرادتنا: الرجال والنساء والاغتصاب"؛ ودرست الاغتصاب على مر التاريخ. تقول سوزان إن الاغتصاب تم تعريفه مسبقًا من قبل الرجال وليس النساء، الرجال يلجؤون إلى الاغتصاب ويستفيدون من ثقافته، ويستخدمونها لصالحهم كوسيلة لتكريس الهيمنة الذكورية بإبقاء النساء في حالة من الخوف.

كما نلاحظ أيضًا أنه في سياق الحروب، وبسبب انعدام القانون، يترسخ مفهوم الإفلات من العقاب تجاه انتهاكات الحقوق الإنسانية للمدنيين. كما تُعزز بعض الميليشيات ثقافة النهب بين قواتها، كتعويض عن النصر. ويمكن اعتبار اغتصاب النساء بمثابة مكافأة على الانتصار في المعركة.

وهناك أيضًا بعض الآراء التي ترى أن بعض جماعات الميليشيات تستعمل الاغتصاب الجماعي كوسيلة لتقوية حس الجماعة لدى الجنود ولتعزيز التماسك بين القوات، خصوصًا عندما يتم تجنيد الجنود إجباريًا. وتَعتبر منظمة العفو الدولية أنه يتم استخدام الاغتصاب في النزاعات الحديثة كاستراتيجية عسكرية، وتصفه بأنه سلاح حربي ووسيلة من وسائل الإبادة الجماعية؛ يُستخدم لغزو منطقة وطرد سكانها والقضاء على المدنيين المتبقين من خلال تقويض إحساسهم بالانتماء، ونشر مرض الإيدز بينهم، والقضاء على تقاليدهم وأعرافهم الثقافية والدينية.

في النهاية تتعدد الأسباب والدوافع، وتدفع النساء وحدهن الثمن.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة