"ليه يبقى كيلو السمك أغلى من الفراخ البيضا.. لما الماكريل الروسي غلي قلنا عادي لأنه مستورد، لكن البلطي محلي ليه يزيد تمنه الضعف مرة واحدة".
تمثل الأسماك في مصر المصدر الأول للبروتين، بمتوسط استهلاك للفرد 22 كيلو، ما يزيد قليلًا عن متوسط الاستهلاك العالمي للفرد الذي يبلغ 21 كيلو جرام. بينما يعرف المصريون البلطي بـ"سمك الغلابة"، الذي اعتادوا أسعاره المنخفضة ووفرته بنهر النيل، قبل موجة الغلاء التي ضربت أسعار كل المنتجات تقريبًا في السنوات الأخيرة.
تقول "سالي عطية": "طول عمره موجود وأرخص لحم أبيض ممكن نجيبه وقت الغلا.. ايه اللي حصل بقى".

وصلت أسعار السمك إلى مستويات قياسية بالسوق المحلية مؤخرًا، وارتفع سعر الكيلو إلى قرابة 80 جنيهًا تزيد قرابة 10 جنيهات مقابل التنظيف والتجهيز للطهي.
وفي سوق العبور للجملة، ارتفع سعر البلطي بشكل ملحوظ، فـ"البلطي رقم 1" بلغ مستوى 69 جنيهًا للجملة (سعر الكيلو في الطاولة البلاستيك) بنهاية تعاملات 27 ديسمبر مقابل 65 جنيهًا في تعاملات 25 من الشهر ذاته، مرتفعًا بنسبة تناهز 6% في 3 أيام فقط.
اقرأ أيضًا: “موجود بس تدفع”.. ملابس الشتاء في مصر بأسعار المخدرات
وقفز سعر البلطي 2 (حجم متوسط) من مستوى 55 جنيهًا بنهاية تعاملات 25 ديسمبر إلى 59 جنيها بنهاية تعاملات 27 ديسمبر بنسبة زيادة تناهز 7% في 3 أيام أيضًا.
تضيف "سالي": "كيلو السمك المقلي دلوقتي بقى أكتر من 100 جنيه.. السعر بقى دوار، والمحلات كلها صغيرة ولا كبيرة بتبيع بنفس السعر.. يعني اللي عنده أربع عيال محتاج له 200 جنيه في أكلة السمك الواحدة".
قبل عام ونصف العام فقط، كان سعر كيلو البلطي ما بين 40 و45 جنيهًا للحجم المتوسط "نمرة 2" في محال بيع الأسماك، بسعر أقل بكثير للأنواع صغيرة الحجم "شِر" والتي كان سعرها في غالبية الأوقات لا يتعدى 10 جنيهات (صاحي).
أسعار البلطي تثير التساؤل
يُبدى سعيد عبدالقادر، مواطن مصري يعمل في السعودية، استغرابه من ارتفاع أسعار البلطي المحلي عن أسعاره في الدول المجاورة التي تستورده، قائلًا: "يُباع في السعودية بـ 7 ريال يعني بـ 58 جنيه مصري، والسعر ده يتضمن تكاليف استيراده ونقله وتجميده".
ويأتي ارتفاع أسعار البلطي مخالفًا لواقع زيادة الإنتاج بالمزارع السمكية، مع تقدير أنه قبل سنوات كان يتم تربية ثلاث سمكات بالمتر المكعب كحد أقصى بينما الآن يتم تربية 15 سمكة مع تطور أساليب تحسين جودة المياه والاستزراع والتغذية.
يقول عُمر السماك، صاحب محل لبيع الأسماك: "البلطي رفع في الفترة الأخيرة لارتباطه بأعياد رأس السنة اللي بيزيد فيها الطلب.. لكنه هينزل تاني.. المحلات مضرورة من الارتفاع زيها زي الزبون.. الطلب قل واللي بيشتري 2 كيلو بقى بيشتري كيلو واحد".
خفض "عمر" هامش ربحه ليكسب زبون، يقول: "سعر كيلو البلطي الني بـ80 بنبيعه بـ 97 جنيه بعد التنظيف والشوي والتتبيل ومن غير ما نحسب العمالة والكهرباء والميه والضرائب، يعني ربحي الصافي ما يزيدش عن 2 جنيه في الكيلو".
تهريب السمك.. من يتحمل المسؤولية؟
ينتقد النائب علاء جاد، عضو مجلس الشيوخ إدارة الحكومة للثروة السمكية، فيقول في إحدى جلسات مجلس الشيوخ أواخر ديسمبر الماضي: "اللى بيهرب سمك فى الصعيد النهاردة بيكسب أكتر من اللى بيهرب مخدرات".
تدور اتهامات منذ سنوات لبعض الصيادين المصريين في أسوان بتهريب الأسماك التي يتم اصطيادها من بحيرة ناصر إلى مدينة وادي حلفا السودانية، ما يؤثر على المعروض منها بالسوق المحلية.

يضيف جاد: "التماسيح في بحيرة ناصر تأكل نصف طن يوميًا". متسائلاً: "معقولة عندنا بحر متوسط وأحمر ونيل يشق مصر ومش لاقيين سمك؟.. يبقى أكيد عندنا مشكلة في الإدارة".
وهو ما أشار إليه أيضًا النائب فاروق المقرحي، عضو مجلس الشورى، والذي قال خلال الجلسة: "البلطي كان يُباع بـ5 و6 و7 و8 جنيهات، دلوقتي الناس بتسأل سمك الفقراء راح فين، بقى بـ80 و90 جنيه، ليه؟ عايزين نعرف"، فيما أضاف ملقيًا باللوم على المسؤولين بالحكومة: "الثروة السمكية متفرغة لأشياء أخرى خلاف الثروة السمكية".
وبحسب جهاز تنمية البحيرات والثروة السمكية، فإن إجمالي إنتاج الأسماك بمصر عام 2023 بلغ مليوني طن 1,6 مليون طن منها استزراع السمكي، بنسبة 80%، و400 ألف طن من المصايد الطبيعية كالبحيرات والبحرين والنيل بنسبة 20%.
وقد بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من الأسماك 88%، ومن المتوقع أن يصل حجم إنتاج الأسماك بمصر لـ 3 ملايين طن خلال عام 2030، وفقًا لتقديرات الجهاز.
مشروعات الدولة الكبيرة.. أين الإنتاج؟
استحدثت الدولة مفرخات زريعة الأسماك البحرية مع منع صيد الزريعة من البواغيز لزيادة الثروة السمكية بالبحيرات. كما تم طرح عدد 21 منطقة بحرية 9 منطقة بالبحر الأحمر، و12 منطقة بالبحر المتوسط، إلى جانب إنشاء مناطق لوجيستية على الساحل بمساحة لا تقل عن كم لإنشاء الأقفاص البحرية.
وكذلك، تم تنفيذ مشروعات عملاقة في الثروة السمكية مثل: بركة غليون، والفيروز، وقناة السويس. كما تم إطلاق المشروع القومي لتنمية البحيرات: المنزلة، البرلس، ادكو، والبردويل، وإزالة التعديات عليها والتوسع في المشروعات المرتبطة بالثروة السمكية.
لكن "أحمد. س"، صاحب مزرعة صغيرة لأسماك البلطي في كفر الشيخ، يقول: "العلف والأدوية البيطرية هي المتحكم في سعر البلطي بحوالي 85% من تكلفة الدورة والباقي زريعة وعمالة وتكاليف تانية وإيجار".
تراجع متوسط أسعار العلف من مستوى 38 ألف جنيه في أبريل 2023 إلى مستوى 30 ألف جنيه حاليًا، لكنه لا يزال مرتفعًا مقارنة بالسنوات السابقة التي لم يزد فيها مستوى العلف عن 13 ألف جنيه للطن.
وتراوح علف تركيز 25%، يوم الإثنين الماضي، بين 25.2 و26.6 ألف جنيه وتركيز 27% ما بين 29.3 و31.3 جنيه، وتلك الأسعار يوم التنفيذ وليس الطلب وهي دائمة التغيير، كما أنها تسليم أرض مصنع يضاف إليها رسوم نقل وتحميل بحوالي 300 و500 جنيه حسب المكان.
يضيف صاحب المزرعة: "الناس معتقدة أن البلطي بياكل من المياه ما يعرفوش التكاليف الكبيرة.. والحاجة للمتابعة وتنظيف المياه ومعالجة الأمونيا.. لو حصل أي غلطة ممكن الأسماك تموت ويتخرب بيت صاحب المشروع وممكن يتحبس لو عليه ديون أو واخد قرض".
القراميط أسهل وأرخص
وتؤكد دراسات أن مشروعات أسماك القراميط أكثر ربحية من البلطي لأنها تتحمل التلوث وانخفاض نسبة الأكسجين بالماء، والنوع المصري منها مذاقه مستحب للمستهلك المحلي ومطلوب للتصدير.
وتساهم القراميط بحوالى 4.4% من إنتاج مصر السمكي بحوالي 31.9 ألف طن سنويًا، وهي مصدر غذائي رئيسي للطبقات الفقيرة والمتوسطة، حيث تحتوى على نسبة عالية من البروتين 18% ونسبة منخفضة من الدهون 4%.

اقرأ أيضًا: “بنحوش خضار بدل الفلوس”.. أزمة الأسعار تُغيب “طبق السلطة” عن موائد المصريين
لكن "أحمد" يقول: "القراميط كانت شغالة كويس زمان.. دلوقتي ما لهاش سوق بعد الشائعات التي اتقالات عنها أنها بتأكل الحيوانات الميتة اللي بتترمي في الترع.. رغم أنها في المزارع بتاكل علف، ويمكن الاستفادة منها في غيطان الرز".
وبحسب الخبراء، فإن سوق القراميط منتشر عالمًيا ويتم استزراعها وتصنيعها في صورة فيليه أو شرائح السمك، ودول جنوب شرق آسيا وأمريكا من أكثر دول العالم استيرادًا لها وإقبالًا عليها.
كيف يمكن حل مشكلة الثروة السمكية؟
محمد شهاب، خبير المزارع السمكية، يقول إن الثروة السمكية في مصر تتطلب استراتيجية يشارك في وضعها كل أصحاب المصالح، كما يجب أن يكون هناك اتحاد يمثل أصحابها بشكل حقيقي، يحل مشكلات حيازة الأرض، ويعمل على خفض الرسوم التي يحصلها جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية وغيرها من جهات حكومية من المزارع.
ويشكو أصحاب المزارع من قرار هيئة الثروة السمكية برفع القيمة الإيجارية للفدان الواحد من المزرعة السمكية من 300 جنيه إلى ثلاثة آلاف جنيه، واعتبروه عبئًا ثقيلًا على أكتافهم.
ويطالب "شهاب" بوجود سلالة بلطي مصرية عالية الإنتاج سريعة النمو مقاومة للأمراض وتدريب عملي ونظري للعاملين بالمزارع السمكية وطلاب الجامعات المتخصصين في الأسماك ومزارعه، فضلًا عن خفض التكلفة العالية للإنتاج خاصة تكلفة العلف.
مطالب شهاب بتحسين نوعية أسماك البلطي يرد عليها معمل بحوث الثروة السمكية بالعباسة في محافظة الشرقية، بالتأكيد على تطوير سمكة البلطي الأم بمصر، وإنتاج سلالات محسنة منها مع المركز الدولي للأسماك وصولا لإنتاج الجيل 12 من َ السمكة بوزن كيلو جرام.
لكن لاتزال الأعلاف مشكلة للمربين خاصة أن مكوناتها لا تختلف الا بقدر طفيف عن الدواجن البيضاء، وهي مكونات مستوردة من الخارج وعانت من تأخير فتح الاعتمادات المستندية بسبب نقص الدولار، بحسب أصحاب المزارع.
وتتكون أعلاف الأسماك من ذرة صفراء أرجنتينية وفول الصويا الهندي وقشر القمح "ردة"، لكنها تزيد عليها في مسحوق وزيت السمك والأحماض الأمينية والفيتامينات والأملاح المعدنية، وكلها يتم استيرادها من الخارج.
تسعى الدولة في المقابل لتنمية الإنتاج السمكري من الصيد بجانب الاستزراع، بتحمل تكاليف أجهزة التتبع والمستلزمات الخاصة بمراكب الصيد في البحار التي قد تصل قيمتها إلى 30 ألف جنيه لكل مركب ضمن مبادرة بر أمان لكن لا تزال المزارع هي كلمة السر بالسوق.