كتبت إيفا براون، في مذكراتها الخاصة، ضمن أكثر من موضع، ما يدل على نظام الطعام الغذائي الذي اتبعه الزعيم النازي أودلف هتلر. قالت مثلًا: “لقد أعددت للفوهرر حساء العدس مع الزلابية، طبقه المفضل للعشاء الليلة. يبدو أنه يستمتع به كثيرًا. أحاول تعلم المزيد عن الطبخ النباتي حتى أتمكن من إعداد وجبات لذيذة أكثر للفوهرر. أعرف أنه سوف يقدر ذلك عندما أطبخ له”.
كانت إيفا براون عشيقة هتلر لمدة طويلة، وزوجته لمدة 40 ساعة فقط. تزوجها في التاسع والعشرين من أبريل، أي قبل يوم واحد من انتحارهما، وكانا قد استمرا معًا لمدة 12 عامًا، حيث بدأت علاقته معها 1933، وعاشت معه بشكلٍ رسمي من عام 1935، وانتحرا معًا في عام 1945. ما يعني أنها أكثر الناس معرفة بنظامه الغذائي.
هل كان أدولف هتلر نباتيًا؟
هناك بعض الأدلة المحدّدة على نباتية هتلر. الأمر مثير للدهشة، خاصة عندما نعلم أن طاغية يرفض قتل الحيوانات أو تعذيبها، تسبب في مقتل 25 مليون إنسان من بلده ودول المحور، وبلغ مجموع ضحايا الحرب العالمية الثانية نحو 60 مليون إنسان تقريبًا.
بشهادة الطاهية الخاصة به، كونستانز مانزايرلي، توقف هتلر عن تناول اللحوم تمامًا في عام 1938، وحملت مذكراتها وصفًا دقيقًا للنظام الغذائي النباتي الذي اتبعه وأكده ما جاء في شهادة طبيبه الشخصي، ثيودور موريل، يقول إن هتلر أصبح نباتيًا تمامًا منذ عام 1938. كذلك تصريحات هتلر العامة، التي أدلى بها نفسه حول نباتيته، بما في ذلك خطابه عام 1942، حين أعلن فيه أنه كان نباتيًا منذ “سنوات عديدة”.
وبالنظر إلى شهادات الشهود في المحاكمات التي جرت للرموز النازية، أكدت أن هتلر كان نباتيًا، كما جاء ذكر نباتية هتلر في مذكرات كثير من شهود العيان الذين عاشوا معه على أرض الواقع. أحد أهم المصادر، مذكرات ألبرت سبير، وهو المهندس المعماري الشخصي لهتلر ووزير التسلح، حيث قال إن هتلر أصبح نباتيًا في أوائل الثلاثينيات، وأنه غالبًا ما كان يحاول إقناعه بالحديث عن فوائد اتباع نظام غذائي خال من اللحوم. كذلك دائمًا ما كان يحثّ زملاءه على تناول الطعام النباتي، وكلما جلس معهم على مائدة العشاء تحدث إليهم عن معاناة ذبح الحيوانات.
أما في مذكرات هاينريش هيملر، الذي شغل منصب رئيس قوات الأمن الخاصة SS، وأحد أقرب المقربين من هتلر، فإن ذكر نباتية هتلر صريحة أيضًا. بل كان هيملر نباتيًا أيضًا وتناقش وزعيمه هتلر عن المنهج النباتي واتفقا على أنها الطريقة الأكثر إنسانية للعيش!
وفي مذكرات تراودل يونج، السكرتيرة الشخصية وإحدى أهم أمناء سر هتلر في السنوات الأخيرة من حياته، تقول إن نباتية هتلر كانت جزءًا رئيسيًا من حياته اليومية، وإنه غالبًا ما كان متبنيًا لموقف صارم حول قسوة تناول اللحوم.
الشائع حول تبني هتلر النظام النباتي، أن طبيبه الشخصي اقترح عليه اتباعه كوسيلة غير تقليدية للعلاج من آلام المعدة المزمنة التي كان يعاني منها، خاصة شكواه المستمرة من الغازات. ونجحت هذه المحاولة بعد تجريب ما يصل إلى 28 مستخلصًا طبيًا لعلاجه، من بينها العلاج عن طريق “براز الفلاحين البلغار”.
الجميع يحاولون اكتشاف الأسباب التي دفعته لاتخاذ النمط النباتي أسلوبًا غذائيًا له، فجاء في كتاب “عقل أدولف هتلر” للكاتب والتر لاجنر، أن نظريات ريتشارد فانجر، وهو مؤلف موسيقي ألماني، كانت السر وراء اتجاه هتلر للنباتية، لأنها كانت تحفز التخلي عن أكل اللحوم واتباع النباتية.
فوبيا القطط
كان هتلر يعاني من فوبيا القطط، وهو ما كان يعاني منه أيضًا الإسكندر الأكبر وموسوليني، وبالرغم من ذلك، فرض بالقانون منع تعذيب الحيوانات أو قتلها، وكان ودودًا معها، ونُشر له الكثير من الصور رفقة كلاب وغزلان وهو يطعمها، وفي سبيل ذلك، كان يسعى لأن يتحول العالم كله إلى نباتيين بداية من الشعب الألماني. وفي خطاب له ألقاه في نهاية أبريل من العام 1942، أعلن أنه سيبدأ تحويل الألمان إلى نباتيين بعد انتهاء الحرب، لأنه لا يقبل قتل وتعذيب الحيوان.
في البداية، دفع هتلر إلى حماية الحيوانات ومنع صيدها، وشجّع المهتمين بالبيئة على تبني قضية الدفاع عن الحيوانات وحمايتها من بينهم هاينريش هيملر، ناشط بيئي آنذاك، وحدّد له هتلر وظيفة عقاب منتهكي قوانين رعاية الحيوانات من الألمان، والزج بهم في المعتقلات. وحسب ما جاء في مذكرات جوزيف جوبلز، وزير الدعاية النازي، أن هتلر كان سيمنع المسالخ والتجارب على الحيوانات في ألمانيا بمجرد انتهاء الحرب، وبناءً على تعليماته صدر في عام 1933، قانون يحظر تشريح الحيوانات الحية، وكان هيرمان جورينج، هو واضع هذا القانون، فيما كان متاحًا ذلك في إطار البحث العلمي فقط داخل بعض الجامعات والمعاهد شرط أن يكون الحيوان تحت ظروف التخدير، لكن أرشيف المجلة الأوروبية لعلم وظائف الأعضاء يؤكد أن النظام النازي شهد تجارب عدة على الحيوانات، ولم يستطع هتلر منعها تمامًا.
تمتع الأطباء البيطريين في عهد هتلر، بأهمية كبيرة، وكانوا يقدمون الشكوى ضد الجهات والأفراد الذين لا ينفذون قوانين حماية الحيوانات، خاصة هؤلاء الذين يجرون تجارب على الحيوانات دون موافقة قانونية مسبقة من الحكومة النازية.
صدمة هتلرية
اتفقت مجموعة من الشخصيات البارزة، أمثال الفيلسوف الألماني إريك فروم، والمؤرخ البريطاني يان كيرشو، أن اتباع هتلر للنظام النباتي جاء بعد انتحار جيلي روبال، ابنة أخته، وهذا نفس الرأي الذي تبناه المؤرخ الألماني جواشيم فيست. وفي كتاب “حياة ووفاة أدولف هتلر” يقول الكاتب روبرت باين، إن هتلر لم يكن يومًا نباتيًا، وهذه الفكرة محض شائعة ابتكرها وزير الدعاية جوبلز، لأن هتلر كان يأكل الأسماك والبيض، ويفضل الحمام ويحب السجق.
أقوال كثيرة تؤكد أن هتلر لم يكن نباتيًا، وأن الابتعاد عن أكل اللحوم لا يجعل الإنسان مغرمًا بسفك الدماء، وفي لفتة لما نشرته صحيفة نيويورك تايمز عام 1937، تقول إن هتلر تخلى بالفعل عن أكل اللحوم، لكنه يأكل البيض ويتناول الحساء، وأحيانًا يتلذّذ بشريحة من لحم الخنزير أو بيض السمك، واعتبرت الكاتبة الأمريكية روبرتا كالشوفسكي، أن المجلة تجزم، دون تدقيق واضح، أن هتلر تخلى عن أكل اللحوم، وذكرت حديثها هذا في مقال نشر لها بعنوان “نباتية هتلر”.
يبقى سؤال: هل كان أدولف هتلر نباتيًا؟ لا إجابة واضحة له ولا دليل على صحة ما إذا كان نباتيًا أو غير نباتي لأن الآراء والروايات فيما بينها متضاربة، فالتخلي عن تناول اللحوم ليس هو النباتية، إن كنا نصدق أنه ترك أكل اللحوم، فلا يجوز اعتبار شخص أنه نباتي وهو يأكل البيض ويشرب الألبان أو يستخدم الحيوانات في الترفيه أو يستعبدها أو يستغلها، وإن كان رحيمًا بالحيوانات فعلًا هل يذكر التاريخ أنه عمل على حماية الحيوانات عندما تم قصف ألمانيا؟ وعندما هاجم دول الحلفاء؟ هل تجنب قصف الحيوانات؟
والآن، هل يذكركم هذا المقال بشيء؟
هل قرأتم مسبقًا عن “الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”؟ هل تهتم هذه “الديمقراطية المزعومة بالانتباه فيما إذا كانت تقصف “بيوتًا وأطفالًا ديمقراطيين” أم لا؟ وهل تتساءل هذه الدولة الداعمة لحقوق المثليين، على سبيل المثال، فيما إذا كان بين القتلى في قصفها، أشخاصًا مثليين أم غيريين؟
