يحتفل العالم في 20 ديسمبر من كل عام باليوم الدولي للتضامن الإنساني، ولكن أي احتفال سيجرؤ العالم على إقامته في ظل الإبادة الجماعية التي يتعرض لها أهالي غزة دون أن يحرك أحد ساكنًا!. من يسمع صرخات نساء غزة؟
“غزة هي أخطر مكان في العالم على الأطفال”.. بهذه الحقيقة المُرّة صرحت “كاثرين راسل” المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أمام مجلس الأمن الدولي، فعدد الأطفال الذين استشهدوا في غزة لم يكن له سابق خلال هذه الفترة القصيرة، حيث استشهد نحو 8000 طفل خلال شهرين فقط!، فضلًا عن أضعاف هذا العدد من الأطفال المصابين بإصابات مروّعة.
كذلك تعد غزة أخطر مكان على النساء في العالم، فخلال 70 يومًا فقط سقط أكثر من 5500 شهيدة، بواقع 7 نساء و4 أمهات كل ساعتين –بحسب الأمم المتحدة-، فيما تعاني 50 ألف امرأة حامل مخاطر الإجهاض، والولادة المبكرة، والولادة القيصرية بدون مخدر، وتشوه الأجنّة، وجفاف الثديين، من بينهن 180 امرأة تلد يوميًا وسط هذه الظروف الخطرة وفي ظل خروج المستشفيات وحضّانات الأطفال عن الخدمة، إلى جانب نزوح أكثر من مليون امرأة قسرًا من شمال القطاع إلى جنوبه.
اقرأ أيضًا:العاملات في المنازل.. مهمشات خارج ترسانة القوانين المصرية
كيف نجد الخبز؟
“ولادي ناموا بيبكوا أمس من الجوع ولو جبنا بسكوت مانقدرش نستغنى عن الخبز”.. علاقة شعب غزة بالخبز علاقة أزلية، لخصتها إحدى النازحات بهذه الكلمات البسيطة والصادقة، مضيفة أن الكبار يقدرون على تدبير أحوالهم، بينما الصغار الذين لا حول لهم ولا قوة فيحتاجون إلى رغيف الخبز، ولحل الأزمة تخبز النساء في غزة على فرن الطين، ولأن حتى الحطب بات شحيحًا كالغاز، ترسلن النساء صغار الحي طوال النهار للشوارع والمدارس والدكاكين كي يجمعوا لها الورق والورق المقوّى وأوراق الشجر، لتشعلن بها أفرانها البدائية من الصباح الباكر وحتى مغيب الشمس يوميًا.
“احنا بني آدمين من حقنا بعد كل هاد الطريق إننا نرتاح وننام”.. إحدى النازحات قالت إنها وأهلها نزحوا من شمال غزة إلى مدرسة بوسط غزة، ثم نزحوا مرة أخرى جنوبًا بعد أن قُصفت المدرسة، وبعد أن قطعوا الطريق سيرًا رافعي الأيدي بالرايات البيضاء والهويات وجدوا الخيام في خان يونس ممتلئة، ولا يعرفون أي حكومة أو وكالة أو جهة يناشدون كي يحصلوا على أبسط حقوقهم، وهي الراحة والنوم بعد هذه الرحلة الشاقة.
“صارلي شهرين ما أخدت الكيماوي وخايفة أموت”.. قالتها وبكت مريضة سرطان تخضع لخطة علاج مدتها 8 شهور، تسبق إجراء عملية لاستئصال الورم الخبيث من ثدييها، ولكنها لم تخضع فعليًا للعلاج سوى لأربعة أشهر فقط، قبل أن تندلع الحرب على غزة وتقطع طريق مشوارها الصعب في منتصفه، فمنذ السابع من أكتوبر لم تأخذ صاحبة الخمسين عامًا جرعة علاج واحدة تريح صدرها من الآلام.
“خدوا عيني الاتنين ركبوها لبنتي ورجعولها نظرها”.. كان ذلك مطلب أم فقدت ابنتها نظرها بسبب شظية صاروخ غاشم، اخترقت عين الطفلة أثناء قصف منزلهم، ومصاب الأسرة كان أكبر بخسارة عدد من الأطفال، ارتقوا شهداء نتيجة هذا العدوان الآثم، ولكن أصبح مطلبهم الوحيد أن يساعد أحد في إخراجها من القطاع إلى أي دولة، بغرض علاجها وإعادة النظر إلى عينيها.
هل توجد معاناة أشد من غزة؟
“حالنا لا يسرّ عدو ولا حبيب”.. هكذا قالت إحدى النازحات المُسنّات في غزة، مؤكدة أنها لم تعش أفظع من الحرب الحالية التي يشهدها القطاع، فهذه العجوز ذات السبعين عامًا، فلسطينية الأصل عاشت طفولتها وشبابها في مصر، ما جعلها شاهدة على حرب العدوان الثلاثي عام 1956، ونكسة عام 1967، وحرب النصر في 6 أكتوبر 1973، وبعد أن نزحت من مدينة غزة إلى مخيمات خان يونس، تقطّعت السبل بينها وبين أبنائها الذين لم يستطيعوا الخروج من مدينة غزة بسبب القصف المتواصل عليها، وتعيش المتبقي من عمرها آملة في مجاورة أحفادها.
هذه كلها صرخات من نساء في غزة، تمثل معاناتهن ومعاناة أطفالهن اليومية، في مختلف نواحي الحياة والمعيشة، ما يمثل عنفًا كبيرًا تجاه المرأة في مجتمع تشكّل نصف تكوينه، وتترأس فيه نحو 11% من الأسر وفقًا لإحصائيات الأمم المتحدة، التي رغم محاولاتها لخلق مكان أفضل للبشرية، ومناداة معظم أعضائها بوقف إطلاق النار في غزة، تقف عاجزة أمام فيتو الولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي، المجلس الذي من المفترض أن يكون منبثقًا من الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا أن يكون متحكمًا فيها وفي مصاير شعوب العالم!.
