العاملات في المنازل.. مهمشات خارج ترسانة القوانين المصرية

"أعمل في الخدمة المنزلية لدى سيدة مصرية زوجها يعمل دبلوماسيًا في إحدى الدول الأوروبية. لكن سرعان ما بدأت المعاناة، عاملوني بسوء، يطلبون مني العمل ليل نهار دون راحة، في مقابل أجر زهيد. هكذا هو حال المهمشات في مصر ممن هن مثلي".

نظرت "جليفدان" إلى النافذة بحزن، وهي تتذكر حياتها في السودان قبيل الحرب. عاشت مع عائلتها في قرية هادئة، تزرع الأرض وتربي الماشية وتُدرّس لأطفال القرية. لكن كل شيء تغير الآن. فجأة، اندلعت الاشتباكات، وأصبحت القرية مستهدفة من قبل الميليشيات.

سمعت "جليفدان" وذويها صراخ الجيران، ورأوا الانفجارات المتتالية يوميًا. لم ترحمهم الحرب، فقررت الهرب إلى مصر حيث يتواجد الأمان وفرص العمل. جمعت ما تبقى من ممتلكاتها، وباعت ما استطاعت منها، واشترت تذاكر الحافلة التي أوصلتها إلى الحدود، ثم ودّعت قريتها، ولم تنظر إلى الوراء.

اقرأ أيضًا: بائعات جائلات.. 10 جنيهات مُطاردة على رصيف الفقر

وصلت الفتاة الثلاثينية إلى مصر بعد رحلة شاقة، لكنها لم تجد ما كانت تتوقعه. كانت تظن أنها ستجد ملاذًا آمنًا، فاصطدمت بـ"عنصرية واستغلال وفقر". فشلت في الحصول على عمل يناسب مهاراتها أو تعليمها الجامعي، ولم تجد أي مساعدة من الحكومة أو المنظمات المعنية. استأجرت منزلًا صغيرًا في ضاحية ثكنات المعادي، في مقابل إيجار باهظ لأنها أجنبية. وفي النهاية لم تجد سوى عمل المنازل الشاق، غير العادل أجرًا.

المهمشات في مصر وغياب الإحصائيات

يعد العمل في الخدمة المنزلية أحد أشكال العمالة المحجوبة في مصر، حيث تعمل النساء في هذا القطاع في أماكن معزولة ومغلقة، ويتعرضن لإساءات متعددة، دون رقيب أو حساب، بينما تغيب الإحصائيات الرسمية حول عددهن.

يعد العمل في الخدمة المنزلية أحد أشكال العمالة المحجوبة في مصر
يعد العمل في الخدمة المنزلية أحد أشكال العمالة المحجوبة في مصر

وإن كان في العام 2010، نُشرت دراسة تطرح قضية العمالة المنزلية للنساء، خاصة من الأطفال، والتي لفتت إلى "عدم وضوح" حول حجم العمالة المنزلية؛ خاصة بين صغيرات السن، ضمن تقديرات ظاهرة عمالة الأطفال بشكل عام. وهو ما ترجعه الدراسة إلى استبعادهن عمدًا من قانون العمل في مادته (4) من القانون رقم 12.

ينص هذا القانون على عدم سريان نصوص القانون على عُمّال الخدمات المنزلية؛ ما ينتج عنه زيادة تعرض خادمات المنازل لسوء المعاملة، والاستغلال على أساس النوع والسن والطبقة الاجتماعية، ليدخلن ضمن أكثر الفئات تعرضًا للمخاطر والانتهاكات بين العُمال.

المهمشات في مصر.. قرابة 35 ألف عاملة منزلية

وبناءً على استقراء بيانات الدراسة المذكورة، تبين وجود قرابة 35 ألف عاملة منزلية من مناطق ريفية في محافظات الفيوم وأسيوط والمنيا والتي ضمت مليون أسرة في العام 2010، إضافة إلى نحو 18 ألف عاملة من محافظات القاهرة الكبرى (القاهرة، والجيزة، والقليوبية)، ليكون الرقم التقديري لعدد العاملات المنزليات من تلك المحافظات في العام 2010، نحو 53 ألف عاملة.

أيضًا، أشارت دراسة في العام 2010، إلى أن تقدير عدد العاملات في خدمة المعاونة المنزلية المتصلات بجمعيات تدعيم الأسرة العاملة في هذا المجال في محافظة القاهرة، والبالغ عددها وفق إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في العام 2008، عدد (456) جمعية، وصل إلى نحو (152) عاملة منزلية. نسبة المتزوجات منهن 52.6% من عينة الدراسة، ونسبة المطلقات 13.2%، أما الأرامل 26.3%، وأخيرًا غير المتزوجات 7.9%. فيما وزعت نسبتهن وفقًا للحالة التعليمية بواقع 44.7% أميات، 29.6% يقرأن ويكتبن، و19% مؤهل متوسط، إضافة إلى 6.6% حاصلات على مؤهل عال.

أما الجهات الرسمية المنوطة بإصدار إحصائيات عن السكان والعمل داخل مصر، فلم تخرج أي أرقام بخصوص عدد العاملات المنزليات منذ 2008. ووفق نصوص القانون فهم فئة غير معترف بوظيفتها رسميًا.

المهمشات في مصر.. والقانون

"فاطمة"، مصرية ستينية، ترعى وحدها أحفادها وولدها المصاب بالسرطان، لاقت معاملة أفضل نسبيًا -حسب وصفها. كانت تعمل فترة النهار فقط، وتدير أعمال المنزل مع سيدة خليجية تقيم لفترات قصيرة كل عام، تضطر "فاطمة" بين هذه الفترات للعمل في منازل أخرى. تقول: "لولا الحاجة ما كنتش أخدم في البيوت. بعاني من أمراض تقدم السن ما فيش حد يرعاني، حتى الدولة اللي المفروض توفر للي زيي معاش يكفي، ما باخدش منها غير فلوس قليلة بتصرفهالي وزارة التضامن عشان أنا أرملة".

وقد نص قرار من وزير القوى العاملة رقم 149 لسنة 1977، على "عدم سريان أحكام قانون التأمين الاجتماعي على المشتغلين بالأعمال المتعلقة بخدمة المنازل الخاصة الذين تتوافر في شأنهم شروط؛ أن يكون محل مزاولة العمل داخل منزل معد للسكن الخاص، وأن يكون العمل الذى يمارسه يدويًا لقضاء حاجات شخصية للمخدوم أو ذويه".

واستمر المشرّع لقانون العمل المصري الموحد 12 لسنة 2003، في تهميش تلك الفئة، على غرار قانون العمل 137 لسنة 1981 والذي تم إلغاء العمل به، ما يعني حرمانهن من الحماية القانونية، وخلق تمييز بين العاملات بالمنازل مقارنة بالعامل في مجالات أخرى.

ياسر سعد: قانون العمل تعمد تهميشهن

ياسر سعد
ياسر سعد

ووفق المحامي الحقوقي المهتم بشؤون العمال، ياسر سعد، فإن قانون العمل تعمد تهميش تلك الفئة من نصوصه، رغم أن التعديلات الأخيرة للعام 2019، الخاصة بالتأمينات الاجتماعية قد أدرجتهم ضمن الفئات المستحقة؛ ما يعني استمرار العوار القانوني الذي يؤدي إلى إغفال حقوقهم كافة.

وبالعودة إلى نص القانون رقم 148 لسنة 2019، يظهر في مادته الثانية أن من الفئات المستحقة للتأمينات الاجتماعية، المشتغلين بالأعمال المتعلقة بخدمة المنازل؛ لكن عدا من يعمل منهم داخل المنازل وتحددهم اللائحة التنفيذية، على ألا يقل عمرهم عن الـ18 عامًا. أيضًا تم إدراجهم في فئة العمالة غير المنتظمة المستحقة للتأمينات. ورغم إدراجهم في قانون المعاشات والتأمينات إلا أن قانون العمل ما زال يضعهم ضمن الفئات المستثناة التي لا تخضع لقوانينه.

ويرجع تفسير المشرع إلى أن العلاقة الشخصية بين العامل وصاحب العمل ربما تتيح للعامل المنزلي معرفة كثير من الأسرار الخاصة بمخدومه؛ ما يعني عدم تقييد المخدوم عند فك الرابطة بينه وبين الخادم بالقيود المنصوص عليها فى قانون العمل. وقد طالبت المفكرة القانونية -منصة مختصة في مجال القانون والحقوق- في دراسات لها، بإلغاء هذا الاستثناء، أو سن قانون خاص ينظم العلاقة بين شخص الخادم والمخدوم.

وأشارت المفكرة القانونية إلى أن كثير من الانتهاكات تقابل العاملات المنزليات جراء خروجهن من حماية قانون العمل؛ أبرزها إثبات علاقات العمل، وغياب أي إلزام خطي لإثبات تلك العلاقة؛ وما يترتب عليها من حقوق، مثل الحق في أجر عادل، وتحديد عدد ساعات العمل المنصوص عليها في القانون، والشمول ضمن قائمة الضمان والحماية الاجتماعية والتأمين الصحي والمعاشات وتعويضات فترة البطالة.

تقول "جليفدان" إنها حاولت اللجوء لبعض المحامين الحقوقيين للحصول على مستحقات متأخرة لها، لكنهم رفضوا المساعدة بحجة دخولها مصر بطريقة غير شرعية. وهنا، يشير ياسر سعد، في حديثه لـ"فكّر تاني"، إلى أن قضية العاملات المنزليات قد ازدادت تعقيدًا بقدوم العمالة السودانية عقب الاشتباكات الأخيرة؛ خاصة مع دخول كثير منهن إلى مصر بطريقة غير شرعية وعدم توفيقهن أوضاعهن؛ ما ترتب عليه تضاعف عدد الانتهاكات التي تقابلهن، وأيضًا عدم وجود جهة ممثلة للدفاع عنهن، خاصة وأن "أي إثارة لمشكلاتهن والانتهاكات التي يتعرضون لها تعني ترحيلهن الفوري من مصر، رغم تعرض كثير من العاملات السودانيات والإفريقيات لانتهاكات قد تصل إلى حد التحرش والاغتصاب الجنسي والعنف البدني".

محاولة تأسيس نقابة عمالية

في العام 2012، حاولت 227 عاملة منزلية، تأسيس أول نقابة للعاملات بالمنازل وحملت اسم "نقابة العاملات بالأجر الشهري". جاء ذلك بعد محاولات حثيثة في مقابل رفض وزارة القوى العاملة والهجرة إشهار تلك النقابة في مسماها الأول "نقابة عاملات المنازل"، لعدم إثبات مهنتهن بالبطاقات الشخصية.

كانت النائبة البرلمانية هالة أبو السعد، قد تقدمت باقتراح قانون العمالة المنزلية، بهدف حماية حقوق العمال والحفاظ على كرامة العامل
كانت النائبة البرلمانية هالة أبو السعد، قد تقدمت باقتراح قانون العمالة المنزلية، بهدف حماية حقوق العمال والحفاظ على كرامة العامل

ووفق المحامي عبدالمنعم منصور، مدير مشروع الحماية القانونية لعاملات المنازل في الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية وقتئذٍ، والذي ساهم في تأسيس النقابة، فقد أمكنهن تأسيس نقابة -رغم استثنائهن من الاستفادة من قانون العمل- لأن قانون النقابات العمالية رقم 35 لسنة 1976 قد جاء مقررًا لحق هذه الفئة في أن تتخذ شكل التنظيم النقابي، لانطباق تعريف (العامل) عليهن.

اقرأ أيضًا: وضع يتأزم.. كيف تعيش النساء المعيلات؟

يقول: "استندنا إلى اتفاقية الحرية النقابية رقم 87 لسنة 1948 الصادرة عن منظمة العمل الدولية، التى صدقت عليها مصر في نوفمبر 1957 وتضمنت العديد من المعايير بشأن التعددية النقابية، إضافة إلى الاتفاقية العربية رقم (8) لسنة 1977 بشأن الحريات والحقوق النقابية".

وطالبت النقابة بعقد عمل موثق ورسمي بين العاملة وصاحب العمل، خاصة أن منظمة العمل الدولية أجرت اتفاقية العمل اللائق للعاملين بالمنازل ولم توقع مصر على تلك الاتفاقية ولا أي دولة عربية (صادقت 32 دولة على الاتفاقية).

وفي السياق ذاته، يضيف ياسر سعد: "حاولنا تأسيس نقابة للعاملات المنزليات عقب تعديلات قانون التأمينات الاجتماعية في العام 2018، وتعديلات قانون التنظيمات النقابية والذي ينص على أن أي 50 شخص يعملون في مهنة واحدة من حقهم تنظيم كيان نقابي لتنظيم أحوالهم ومهنتهم". لكنه، يشير إلى عدم تمكنهن حتى اللحظة من الشروع في تأسيسها نتيجة صعوبة "تجميع" العاملات على رأي واحد، وتعارض مصالحهن سويًا؛ ما يؤدي إلى مزيد من الاختلافات.

مقترح برلماني بقانون للعمالة المنزلية

النائبة البرلمانية هالة أبو السعد
النائبة البرلمانية هالة أبو السعد

وكانت النائبة البرلمانية هالة أبو السعد، قد تقدمت باقتراح قانون العمالة المنزلية، بهدف حماية حقوق العمال والحفاظ على كرامة العامل وبناء علاقات عمل متوازنة بين الطرفين. وأكدت أنه من الصعوبة أن تكون للخادمات نقابة؛ لأن ذلك يستلزم أن تكون المهنة محددة بشكل دقيق ولها قانون واضح يحدد شكل وطبيعة العمل وإجراءات تتعلق بإصدار تشريع يحدد طبيعة المهنة والضوابط القانونية المتعلقة بممارستها، وأن تكون هناك جمعية عمومية محددة لأفراد المهنة وهو ما نفتقده في مهنة عمالة المنزل.

تروي "فاطمة" معاناتها. وتقول: "ما عنديش تأمين صحي أو اجتماعي، أصبت في فترة كورونا وتعرضت لمشكلات صحية كتيرة، وبرضه ما عرفتش ارتاح ولا يوم. مين هيصرف عليا أنا وعيلتي؟". وهي تطالب الحكومة المصرية بإعادة النظر في قانون العمل وإيجاد حلول جذرية لمشكلاتهن، وأيضًا تسهيل تأسيس نقابة تضمن حقوقهن.

وحسب رصد ميداني قمنا به، فإن أجور العاملات تتراوح ما بين 200- 400 جنيه كأجر يومي، أما العاملات اللاتي يعملن بدوام شهري فتتراوح أجورهن ما بين 4 آلاف جنيه للعاملة المقيمة، و3 آلاف للعاملة مدة 12 ساعة يوميًا. و2800 جنيه للعاملة لـ8 ساعات. أما العاملات الأجنبيات فيحصلن في المتوسط على 5 آلاف جنيه شهريًا مع إجازة تتراوح ما بين 2-4 أيام.

تعلق "هانم" -عاملة منزلية- أنها تعمل منذ 20 عامًا في المنازل، وقد تعرضت لكثير من الانتهاكات، لكنها مستمرة حتى توفر قوت يومها. وهي تشير إلى أن معظم النساء العاملات في المهنة فقيرات أو تحت خط الفقر، يسعين لهذه المهنة لأنها لا تحتاج لتدريب أو خبرة. تقول: "أغلبنا مش متعلم، شوية بس اللي معاهم مؤهلات متوسطة وعليا بس زينا بيعانوا من البطالة، بس دول الأكثر حظوظا منا، عشان بيشتغلوا مع ناس أغنيا مدبرات بيوت مش خدّمات زينا.. بيتعاملوا بطريقة إنسانية أكتر".

تطالب "هانم" وغيرها من زملائها بالنظر في قضيتهن ومعاملتهن كمواطنات لهن حقوق دستورية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة