تتوجه أنظار الأوساط السياسية صوب غرف صناعة القرار عقب الانتهاء من إجراء الانتخابات الرئاسية وإعلان النتائج، لمعرفة مدى جدية تحقيق وعود حلحلة ملف المحبوسين/ات احتياطيًا في الفترة المقبلة، وإنهاء أزمة سجناء الرأي.
لا توجد أرقام رسمية حول أعداد سجناء الرأي بالبلاد، لكن منظمات حقوقية مستقلة تقدرهم بالآلاف، وهو ما تنفيه عادة السلطات المصرية دون إعلان أرقامها ، فيما دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الحوار الوطني منذ أبريل 2022، ووجه بإعادة تفعيل لجنة العفو الرئاسي، التي لم تغلق الملف بعد.
لكن المحامي والحقوقي البارز طارق العوضي عضو لجنة العفو الرئاسي دعا بالتزامن مع إجراء انتخابات الرئاسة إلى أن تكون مصر بلا سجين رأي واحد، مؤكدًا أنه مازال يحدوه الأمل في إجراءات تاريخية جديدة تنهي ملف سجناء الرأي، بعد إنهاء حالة الطواريء والقضاء على الإرهاب وتدشين الحوار الوطني.
سجناء الرأي والموقف الضبابي

في البداية، يربط المحامي الحقوقي أحمد فوزي الأمين العام السابق للحزب المصري الديمقراطي تحريك هذا الملف في مصر بتوابع ما يحدث في قطاع غزة، وتعقيدات الموقف خصوصًا في ظل تصريحات القيادي الصهيوني أفيجدور ليبرمان لضرورة الاستعداد للحرب مع مصر والأردن.
ويقول فوزي في حديثه لمنصة “فكر تاني”: “الموقف ضبابي والعالم يتغير، وماحدث في غزة ضربة للخطاب الديمقراطي، فكيف نتحدث عن مظاليم وحبس وما يحدث في غزة فاق كل التصورات وغطى على كل المطالبات، وليبرمان يهددنا على الحدود بما يجعل الأمر كله صعب؟ ولكن نأمل في تجسير الفجوة الكبيرة بين بعض قوي المعارضة والسلطة بسبب (تروما يناير) التي تلاحق الاثنين من أجل صيانة الجبهة الداخلية”.
ويرى المحامي والحقوقي البارز أهمية تقديم الجميع لنظرة جديدة تسعى لتصفية ملف سجناء الرأي، خاصة – والكلام له – أن “هناك أشخاص لا يمثلون أي خطورة، من الأقاليم والمحافظات، وأعدادهم كبيرة، بجانب وجود شخصيات طال الضغط عليها وطالت مدة سجنهم مثل الناشطين محمد عادل وعلاء عبد الفتاح، فضلًا عن باقي ملفات المشاهير التي يعرفها الجميع ويمكن غلقها أيضًا بعد تهيئة الأجواء لذلك”.
آن الآوان لغلق ملف سجناء الرأي
وطالبت الحركة المدنية الديمقراطية، في أكثر من بيان رسمي، بضرورة أن يكون الحوار الوطني مرتبط بانفتاح سياسي يتم من خلاله الإفراج عن السجناء السياسيين، وتتوقف فيه حملات القبض على المعارضين السلميين، مؤكدة أن الإفراج عن سجناء الرأي هو إشارة خضراء لقبول الحق فى تعدد الآراء، والحق في معارضة السياسات بدون التعرض للملاحقة والتهديد.

وفي هذا الإطار، يدعو سيد الطوخي رئيس حزب الكرامة والقيادي البارز في الحركة المدنية الديمقراطية، في حديثه لمنصة “فكر تاني”، مؤسسات الدولة المصرية إلى إغلاق ملف سجناء الرأي تمامًا، خاصة بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية، مؤكدًا وجود تأخر كبير في تنفيذ وعود كثيرة من جانب السلطة للحركة المدنية الديمقراطية في هذا الملف.
ويضيف الطوخي، أن “هناك سجناء رأي بلا ذنب خلف القضبان، وبعضهم في أحداث أصغر من أن تتم إحالة شخص فيها للحبس، وبعضهم تهمته مساندة فلسطين وغزة وهو ما لا يليق بمصر، فضلا عن العديد من المحبوسين احتياطيًا على خلفية المشاركة في جمع توكيلات للمرشح الرئاسي السابق أحمد الطنطاوي”، متسائلًا: “ما ذنب أسر المعتقلين في استمرار حبس أولادهم دون جريرة بالشهور والسنوات خلف الأسوار؟”.
ويؤكد رئيس حزب الكرامة، أن مطالب الحركة المدنية الديمقراطية واضحة مبكرًا في هذا الملف بضرورة إغلاقه، وأنه في أول انعقاد قادم لاجتماعات الحركة ستتم دراسة الخطوات المقبلة لتفعيل التحركات في هذا الملف مجددًا والحيلولة دون تكرار “الوعود الزائفة فيه”، بحسب وصفه.
الإفراج عن الصحفيين مؤشر للمرحلة المقبلة
وأرسل خالد البلشي، نقيب الصحفيين، قائمة بأسماء الصحفيين النقابيين وغير النقابيين، إلى حملات مرشحي الرئاسة في نوفمبر الماضي، آملًا في الافراج عنهم قريبًا.
وتقبع خلف القضبان خمس صحفيات هن: منال عجرمة، وصفاء الكوربيجي، وعلياء عواد، ودنيا سمير فتحي، إلى جانب رانيا العسال المحبوسة احتياطيًا على خلفية آرائها خارج البلاد، وبالتحديد في سجون السعودية، فضلًا عن العديد من الصحفيين النقابيين وغير النقابيين، وثقت مؤسسة حرية الفكر والتعبير الحقوقية حالات 10 صحفيين نقابيين منهم.
اقرأ أيضًا: بدر “زميل الفرشة” وقضايا التجمهر المغضوب عليها

“الإفراج عن الصحفيين والصحفيات في الفترة المقبلة هو مؤشر على مساعي مؤسسات الدولة في ملف الحبس الاحتياطي، كون هؤلاء من غير شك الوصف الدقيق لتسمية سجناء الرأي، وينطبق عليهم مع آخرين بالطبع الحبس بسبب التعبير عن الرأي، ولذلك من ضمن اتهاماتهم الرئيسية نشر أخبار كاذبة”، يقول الكاتب الصحفي عمرو بدر مقرر لجنة الحريات الأسبق بنقابة الصحفيين، في حديثه لمنصة “فكر تاني”.
ويضيف “بدر” أن تحريك هذا الملف خطوة في طريق الإجابة عن سؤال المراقبين: “هل يوجد انفتاح سياسي في الفترة المقبلة؟ أم ستستمر الأمور على ما هي عليه؟”، مشيرًا إلى أن لنقابة الصحفيين بمجلسها الحالي دورًا إيجابيًا في مسألة الحريات الصحفية واستكمال الدولة حوارها مع النقابة بما يؤثر إيجابيًا على ملف الإفراج عن الصحفيات والصحفيين. هذا التحرك بات هو الإجراء المطلوب.
ويوضح “بدر” أن تجربة مجلس نقابة الصحفيين الحالي بدت للجميع تجربة ناضجة وجيدة، ويمكن البناء عليها في المستقبل في فتح أفق المجال العام، ما يحتاج مبادرة الدولة للإفراج عما تبقى من صحفيين وصحفيات لديها، استجابة للمطالب النقابية والسياسية بفتح نوافذ الأمل والنشاط والتعبير عن الرأي.
الأولوية للمرأة

تضم قوائم سجناء الرأي والمحبوسين احتياطيًا، العديد من النساء والبنات الموقوفات على ذمة قضايا عدة، والتي تصف منى الشماخ، عضو الهيئة العليا والمكتب السياسي وأمين الاعلام بالحزب المصري الديمقراطي، استمرار حبسهن بأنه “مأساة عميقة ويجب أن تنتهي سريعًا”.
وتؤكد الشماخ، في حديثها لمنصة “فكر تاني”، أهمية أن يكون ملف الافراج عن سجينات الرأي والمحبوسات احتياطيا أولوية لدى المعارضة ومؤسسات الدولة في الفترة المقبلة، وأن تتصدر أسمائهن قوائم العفو والإفراجات، مشددة على أن مجرد إبدائهن الرأي السياسي لا يخيف ولا يشكل جريمة وغير مبرر أخلاقيًا ولا سياسيًا استمرار حبسهن بسببه.
وتشير عضو الهيئة العليا والمكتب السياسي بالحزب المصري الديمقراطي إلى أن استمرار حبس البنات والنساء، يمثل عبئًا نفسيًا عليهن وعلى ذويهن، خاصة إذا كانت أم، فهي عماد الأسرة، وحبسها هو ضرر للأسرة بأكلمها، أما إذا كانت فتاة، فهو أصعب، في ظل نظرة المجتمع تجاه فكرة الحبس نفسها، ما يؤثر على مستقبلها المهني والاجتماعي.
يجب أن يفكر النظام بشكل براجماتي
يشعر نبيه الجنادي المحامي الحقوقي بمرارة كبيرة، في حديثه لـ”فكر تاني”، من كثرة الوعود التي لا تنفذ في غلق ملف سجناء وسجينات الرأي والمحبوسين احتياطيًا، منذ إنشاء لجنة العفو الرئاسي، ثم بدء الحوار الوطني وصولًا إلى انتخابات الرئاسة، موضحًا أنه رغم وجود إفراجات لعدد من المحبوسين احتياطيًا لكن – والكلام له – “دخل ثلاث أضعاف من خرج تقريبًا بنفس التهمة: نشر أخبار كاذبة، وفق تقديراته.
ويشير الجنادي إلى أنه “لا يوجد إلى الآن بوادر انفراجة في ملف المحبوسين احتياطيًا، بما يحتم علينا السعي لتحريك الملف من أجل اتخاذ خطوة فيه، ولعل من بيده القرار يستبق ذلك بقرارات مفاجئة لصالح الإفراج عن سجناء الرأي، وهو ما يتمناه جميع المحامين وأسر المحبوسين”.
ويلفت المحامي الحقوقي الانتباه إلى أنه بـ”شكل براجماتي بحت” من مصلحة النظام الحاكم غلق ملف سجناء وسجينات الرأي، خاصة بعد الانتهاء من مواجهة الإرهاب الذي كان ذريعة لاستمرار فتحه، وفي ظل الاستقرار الحادث، وتكاليف الحبس الباهظة على مؤسسات الدولة والأسر على حد سواء، مؤكدًا أن استمرار فتحه لا يعني إلا شيئًا واحد وهو “استسهال الحل الأمني رغم إيجابية كل الحلول السياسية”، وفق قوله.
مساع في نقابة المحامين لحلحلة الملف
المحامي الحقوقي هاني عوض، منسق حملة الدفاع عن المحامين، يهتم بشريحة المحامين داخل المحبوسين، التي يرى في حديثه لـ”فكر تاني”، أنها “لم تلق الاهتمام اللائق برجال القضاء الواقف (المحاماة)، وأنه يجب إنصافهم نقابيا بعد طول تجاهل وغياب الرعاية والدعم الواجب والتضامن النقابي “.
ويوضح “عوض” أنه منذ 2013 “تم الخلط بين دور المحامي وحقه في الدفاع عن موكله والتعبير عن رأيه والأحداث السياسية في البلاد، ما دفع إدارة النقابة العامة للمحامين في هذا الوقت إلى عدم التفاعل مع استمرار حبس المحامين ابتعادا عن التعقيدات السياسية وقتها، وهو ما استمر مع النقيب الحالي رغم أن النقابة دورها في هذا الملف أصيل وحيوي”، وفق تأكيده.
ويضيف منسق حملة الدفاع عن المحامين أنه “منذ إنشاء الحملة برعاية المرشح السابق على منصب نقيب المحامين منتصر الزيات، يتم دراسة ملفات المحامين المحبوسين، وسيتم التحرك الفترة المقبلة في ظل توقع استقرار الأوضاع بعد الانتهاء من انتخابات الرئاسة، من أجل حلحلة هذا الملف والإفراج عن المحامين، بل كل سجناء الرأي، عبر وسائل عدة مقترحة منها مقابلة نقيب المحامين وتشكيل وفد لوزير الداخلية”.
ويتمنى المحامي الحقوقي هاني عوض أن يشهد العام الجديد فتح باب الأمل لجميع سجناء الرأي بكل ألوانهم السياسية، قائلًا: “نحن سندافع عن جميع المحامين، ونتمنى أن يشهد 2024 تحريكًا لملف سجناء الرأي ككل بما فيه المحسوبين على التيار الإسلامي، عبر تفعيل العدالة الانتقالية وإجراء مصالحة مجتمعية، ودراسة ملفاتهم جيدا والإفراج عنهم على مراحل حتى إذا اقتضى الأمر مشاركتنا -في الحملة- للسلطات في ذلك داخل السجون نفسها”.
“ليس بالجرجرة إلى النيابات”

بدوره، يؤكد إسحاق إبراهيم، الباحث الحقوقي ومسؤول ملف حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن الأفكار تواجه بالأفكار وليس بالجرجرة إلى مقرات النيابات والمحاكم، داعيًا إلى أن تشهد فترة ما بعد انتخابات الرئاسة الإفراج عن المحبوسين احتياطيا على ذمة قضايا ازدراء الأديان.
ويقول إبراهيم، في حديثه لـ”فكر تاني”: “المبادرة المصرية طالبت أكثر من مرة الجهات المعنية، بإخلاء سبيل المتهمين على ذمة هذه القضايا المرتبطة بالحريات الدينية، سواء كانت ضد من لديهم معتقدات بالإلحاد أو التحول إلى المسيحية أو الانتماء إلى المذهب الشيعي أو الفكر القرآني، لأن حبسهم بالأساس خطأ ومناهض للحقوق والحريات، ويتم عبر تهم فضفاضة لا يمكن التعويل عليها”، وفق تأكيده.
ويضيف مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية، أن “كثيرين دفعوا في الفترات السابقة ثمن لملاحقة الآراء والمعتقدات، وهو ما يجب أن يتوقف في الفترة المقبلة”.
علاقة السلطة بالمعارضة
عادة تنفي السلطات المصرية تلك الاتهامات التي توجهها لها قوى المعارضة والحقوقيون في ملف سجناء الرأي، وتبرر ملاحقتها لهم بمخالفة القانون والدستور واحترام استقلال السلطة القضائية، فيما لم تفصح بعد عن رأيها في هذه المطالبات الواسعة بالإفراج عن سجناء الرأي في الفترة المقبلة.

لكن أسعد هيكل، المحامي، يربط الأمر بحدوث مواءمات سياسية في الفترة المقبلة قائلا لمنصة “فكر تاني”: “المنطق يقول بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية، ينبغي أن تفتح السلطة ملف سجناء الرأي وتنهيه، ولكن الواقع يؤكد أن الأمر يخضع للمواءمات السياسية ومدى ما تصل إليه علاقة السلطة الحالية بالمعارضة”.
ويضيف “هيكل” أن “حديث البعض عن أهمية النظر إلى البعد الاقتصادي أكثر من السياسي بعد الانتخابات، غير دقيق، فليس هناك أهم من استقرار الوطن سياسيًا عبر إطلاق الحريات، بما يؤدي إلى استقرار الوطن اقتصاديًا في ظل مناخ يشجع على الاستثمار”.
ويشير “هيكل”، إلى أن ملف سجناء الرأي كان يجب أن يكون ملفًا قانونيًا وحقوقيًا فقط، ولكن جرت العادة في مصر أنه يظل ملفًا سياسيًا، وهو ما ظهر في كل العهود السابقة خاصة في عهود الرؤساء الراحلين جمال عبد الناصر ومحمد أنور السادات ومحمد حسني مبارك، وبالتالي يجب التعامل معه على هذا الأساس بما يؤدي إلى إقرار تفاهمات تحل الأزمة الحالية.
