قبل يومين، استضافت جيبوتي العاصمة قمة استثنائية لرؤساء الدول الأعضاء في الهيئة الحكومية للتنمية "إيقاد" - منظمة شبه إقليمية في إفريقيا تأسست في عام 1996 - لبحث إنهاء الحرب في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حيث أعلن طرفا القتال التزامهما بالاجتماع في لقاءات ثنائية مباشرة من أجل الاتفاق على وقف الأعمال العدائية، وإنهاء الحرب المستمرة منذ 8 أشهر، وفق ما صرح به ورقيني قبيهو سكرتير الهيئة.
وقد دعا المبعوث الأميركي الخاص للقرن الإفريقي، مايك هامر، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة أوضاع السودان الذي يعيش واحدة من أسوأ الأزمات في العالم. وقال خلال مشاركته في القمة: "لا تتمكن المنظمات الإنسانية من الوصول إلى المناطق المنكوبة بسبب الحرب.. سبب فشل مفاوضات جدة هو فشل الطرفين في الإيفاء بالتزاماتهما"، وأضاف: "نحن جميعًا نشعر بالإحباط لفشل الجهود المبذولة في جدة".
وقالت تنسيقية القوى الديموقراطية المدنية "تقدم"، التي يترأسها رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك، في بيان، السبت، إنها سلمت رؤساء "إيقاد"، قبل انعقاد القمة، خطابات طلبت فيها من القمة اتخاذ خطوات عملية لحثّ طرفي القتال على توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية، ويضمن فتح المسارات الإنسانية، وتصميم عملية سياسية لا تستثني سوى "المؤتمر الوطني – الحركة الإسلامية وواجهاتها"، يتم بموجبها إنهاء الحرب وتحقيق السلام العادل، والتأسيس لمسار تحول مدني ديموقراطي مستدام.
وأكدت "تقدم" على مواصلة اتصالاتها مع الفاعلين الإقليميين والدوليين، بما يضمن تسريع وضع حد للكارثة التي يعيشها السودان، و"معالجة آثارها عبر الحلول السلمية السياسية التفاوضية، التي تنهي هذه الحرب وتحقق السلام والحرية والعدالة في بلادنا". وينتظر أن تواصل القمة أعمالها بجلسات مغلقة، تبحث خلالها خريطة طريق لإيقاف الحرب بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع"، وإيصال المساعدات الإنسانية للمتضررين من الحرب، إضافة إلى بحث التأسيس لمسار تفاوضي يستعيد مسار الانتقال المدني الديموقراطي خلال الفترة الانتقالية.

الحرب في السودان.. خطة الحل الإفريقية
بينما أعلنت القمة دعمها الخريطة الإفريقية المكونة من 6 نقاط مقترحة لحل الأزمة. وتنص خريطة الحل؛ التي تتبني خطة تدمج بين رؤية منبر جدة ومقترحات "الإيقاد"، على إجراءات تؤدي لوقف الحرب وإطلاق عملية سياسية تفضي لإنتقال السلطة من العسكر للمدنيين.
تستند خطة الحل الإفريقية على 6 نقاط أساسية، تشمل:
1- وقف إطلاق النار الدائم وتحويل الخرطوم لعاصمة منزوعة السلاح.
2- إخراج قوات طرفي القتال إلى مراكز تجميع تبعد 50 كيلومترا عن الخرطوم.
3- نشر قوات أفريقية لحراسة المؤسسات الإستراتيجية في العاصمة.
4- معالجة الأوضاع الإنسانية السيئة الناجمة عن الحرب.
5- إشراك قوات الشرطة والأمن في عملية تأمين المرافق العامة.
6- البدء في عملية سياسية لتسوية الأزمة بشكل نهائي.
الحرب في السودان.. الحل ممكن أم المناورة واردة؟
يرى وزير الإعلام السوداني السابق، فيصل محمد صالح، أنه لا توجد ضمانات بأن تسفر القمة عن خطوات حاسمة نحو تحقيق السلام.
ويضيف في مقابلة مع "راديو دبنقا" - سوداني مستقل -: "لا يستطيع أحد أيًا كان، سواء المسؤولون في الإيقاد أو الأطراف المتنازعة أو المراقبون أن يقدموا إجابة فيها نوع من الضمانات. فهناك عدد من الاحتمالات تحيط بهذه القمة، من بينها أن تكون (القمة) بالنسبة للحكومة السودانية نوعًا من التبضع بين المبادرات"، في إشارة إلى الانتقال من مبادرة إلى أخرى كلما حان أوان تنفيذ الالتزامات المترتبة على مبادرة ما.
ومع ذلك، فإن الوزير السابق أقرب إلى الاعتقاد بأن فرص المناورة في جيبوتي ستكون ضعيفة جدًا أمام الوفد الحكومي السوداني، كون الإيقاد لديها خطة واضحة لإنهاء الحرب. وهو يؤكد أن رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان "سيجد نفسه محاصرًا في جيبوتي بهذه الخطة". فإما أن يعلن التزامه بها (بخطة الإيقاد) وهذه ستكون نقلة بالفعل، ومن ثم يبدأ التنفيذ، أو سينكشف سريعًا.
مساران جدة وجيبوتي متكاملان
في حديث سابق مع "العين" الإخبارية الإماراتية، دافع الكاتب والمحلل السياسي السوداني محمد الأسباط، عن مسارات التفاوض. يقول: "إن مساري جدة إيقاد متكاملان.. إذا تم الضغط من الميسرين (السعودية وأمريكا) بالإضافة إلى موقف الإيقاد والاتحاد الإفريقي، وبعض الدول المؤثرة، فمن المتوقع أن نشهد قريبًا وقف إطلاق نار قصير المدى وربما الترتيب لوقف طويل ودائم لإطلاق النار واستعادة الحوار السياسي وعودة الحياة الديمقراطية في البلاد".
وبينما يقول المحلل السياسي السوداني، الطاهر ساتي، إن عملية إيقاف الحرب بكل تفاصيلها وترتيباتها الأمنية والعسكرية والإنسانية هي من اختصاصات والتزامات منبر جدة، الوفود موجودة في هناك، فإنه يؤكد على أن "إيقاد إضافة إلى منبر جدة، وتحركها السياسي الإيجابي"، مشيرًا إلى ضرورة توحيد المنابر، لكون تعددها، ليس من مصلحة الأزمة والقضية، ويساهم في إطالة أمد الحرب وصعوبة التوصل إلى حل سياسي وسلام عادل.
البرهان لن يتنازل عن حق احتكار السلاح
في كلمته خلال القمة، تمسك البرهان بحق الجيش في احتكار السلاح. قال: "نشدد على ضرورة وجود جيش وطني واحد يحتكر استخدام القوة العسكرية"، معتبرًا أن تلك المسألة لا تنازل عنها ولا تهاون فيها.
في الوقت عينه، أكد قائد الجيش على أن القوات المسلحة مستعدة للتوصل إلى حل سلمي للأزمة في البلاد، مضيفًا أن أولويات الحل السلمي تكمن في تأكيد الالتزام بإعلان جدة للمبادئ الإنسانية ووقف إطلاق النار.
كما شدد على أن "الباب مفتوح أمام الحلول السلمية"، مؤكدًا ترحيبه بكل الجهود التي تبذل لوقف إراقة الدماء. بينما أضاف أن توقيع إعلان جدة للمبادئ الإنسانية كان فرصة حقيقية ومبكرة لإنهاء الأزمة السودانية سلميًا "لو التزمت قوات الدعم السريع بما تم التوقيع عليه".
واختتم رئيس مجلس السيادة السوداني معبرًا عن قناعته التامة بأن "إيقاد" يمكن أن تلعب دورًا أساسيًا باعتبارها المنظمة الأقرب لفهم واقع السودان وحقيقة ما يجرى حاليًا فيه، ولدورها التاريخي في تحقيق السلام في السودان.