"أنا بقالي سنين بدفع تمن غلط واحد من أخواتي، انفصلت عن جوزي ما قدرش يتحمل، بقيت بتعاير، فضحتونا، أخوكي عمل وسوى.. كل ده عشان أنا واحدة من أهالي السجناء.. احنا مذنبين بلا جُرم".
قبل 15 عامًا، انقلبت حياة "عايدة" -موظفة وأم خمسينية- رأسًا على عقب بعد ارتكاب شقيقها جناية سُجن على إثرها خمس سنوات. منذ تلك اللحظة بات العار يطاردها. عانت نبذ زوجها وعائلته إلى أن وضع الطلاق حدًا أخيرًا للخلافات الزوجية، بينما لم تتوقف المعاناة مع عودة الأخ إلى طريق الجريمة تأثرًا برفاق السجن، ليتحول من مذنب عادي إلى "مسجل خطر" بات مصدر وصم لعائلته المنتمية للطبقة الوسطى، والتي دومًا عُرفت بحسن خُلق أفرادها قبل هذه المأساة.
بمرور السنوات قاطعت "عايدة" شقيقها وتبرأت منه، وأخفت سره عن الجميع خشية الفضيحة، وظنت أنها بدأت صفحة جديدة، سرعان ما لُطخت مرة اخرى برفض التحاق ابنها بكلية الشرطة لسوابق خاله، الذي طاردت سيرته أيضًا زيجة ابنتها، وقد أخفت الأمر عن عريسها كي لا يتراجع عن إتمام الزواج.
الوصم بذوي القربى
"أصحاب ولادي في المدرسة بيقولوا لهم: أبوكم محبوس في السجن مع الحرامية، وعيالي بيعيطوا.. العيال بيعرفوا من أهاليهم.. الحاجات دي مش بتستخبى"؛ تحكي "نورا بركات" جانبًا من معاناتها هي وأطفالها من الاضطهاد والوصم الاجتماعي، بعد الحكم على زوجها بالسجن لمدة سبع سنوات بتهمة حيازة سلاح ومخدرات.
يمكن تعريف الوصم الاجتماعي على أنه تصنيفات تُلصق بشخص أو مجموعة من الأشخاص، وبالتالي تميّزهم عن طريق تسليط الضوء سلبًا عليهم وعزلهم عن الآخرين. عندما يتمّ تكوين معتقدات وأفكار معيّنة تجاه الأفراد والجماعات، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى سلوكيات وأفعال سلبية من شأنها أن تكون ضارة للغاية، بل وخطيرة في بعض الحالات.

ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن الوصم يمكن أن يُعرّف أيضًا على أنه إشارة على العار أو الخزي أو الرفض، ما يؤدي إلى الرفض والتمييز والإقصاء من المشاركة في عدد من المجالات المختلفة في المجتمع. ويمكن للوصم الاجتماعي والتمييز المصاحب له أن يؤثرا أيضًا على كرامة الناس وثقتهم بأنفسهم.
مع سجن زوجها، تعرضت "نورا" وأطفالها للطرد من شقتهم إلى الشارع بـ"فضيحة" -على حد قولها- بين الجيران، لينتقلوا بعد ذلك للعيش مع الأهل، الذين ضغطوا عليها ليتم تطليقها من زوجها الذي تعتقد في براءته.
"بيقولوا لي اتطلقي وارمي العيال لأهل أبوهم.. محدش بيقف جنب حد، قدامك يواسوكِ ومن وراكي شماتة!"؛ تقول "نورا".
أهالي السجناء: احنا بالنسبة للناس "مرض"
"المجتمع بيبص لأهل المسجون على إنهم مرض أو عار هيصيبهم.. والدتي بتتعاير من الجيران ومن أهل أبويا بسجن أخويا، لدرجة إنها تعبت نفسيًا وهى ست كبيرة عندها 65 سنة"؛ يحكي "محمد" كيف تم وصم عائلته بعد سجن شقيقه مدة ثلاث سنوات في قضية مخدرات.
ولا تقتصر معاناة الأسرة على معايرة الأم المسنة بولدها وتجنب الكلام معها أو "التلقيح بالكلام عليها"، كما يقول "محمد". بل يمتد إلى أبناء الأخ المسجون الذين يتنمر بهم الأطفال الآخرون ويقومون بإذلالهم.
مذنبون بلا جُرم.. "عريسي هرب"
"منال" التي تعتقد أن شقيقها المحكوم بعشر سنوات بريء من ارتكاب الجريمة الملصقة به، ضاقت من نظرة المجتمع التي تتعامل مع أسرتها باعتبارها مذنبة. تقول: "احنا مذنبين بلا جُرم.. كل العرسان اللي بيتقدموا لي بيهربوا لما بيعرفوا موضوع أخويا.. ما فيش جوازة بتكمل لي، كل لما يتقدم لي ناس ويعرفوا بموضوع أخويا، بلاقيهم بعدها يعتذروا أو يختفوا فجأة بدون سابق إنذار".
وصلت "منال" إلى الخامسة والثلاثين من العمر، وقد فقدت الأمل والشغف والإقبال على الحياة. تضيف: "خسرت حبي الأول وكان زميل دراستي بالجامعة، بعد أن اكتشف أهله أمر سجن شقيقي ورفضوا بشدة أن يتزوج ابنهم من عائلة رد سجون. هكذا وصمونا كلنا في لحظة".
المجتمعات المتأخرة الأكثر وصمًا لأهالي السجناء

تقول دراسة علمية أجراها باحثان جزائريان، منشورة في مجلة العلوم الإنسانية بجامعة أم البواقي، إن المجتمع في أغلب الحالات يسقط العقوبة التي لحقت بالمجرم على باقي أفراد أسرته، فينعتها بألقاب وصفات بذيئة، على الرغم من أن أسرة السجين في غنى عنها، وغير مسؤولة عما ارتكبه السجين من جرم.
ويرى الدكتور سعيد المصري أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب في جامعة القاهرة والمتخصص في الأنثروبولوجيا الثقافية، أن الوصم الاجتماعي لمن سبق سجنهم، والذي يمتد لأسرهم أيضًا، يرتبط بالمجتمعات الأقل حداثة وتقدمًا، والتي تقل بها العدالة الاجتماعية، لافتًا إلى ارتباط تلك الوصمة بالصورة النمطية السلبية المسبقة عن الأفراد والمجموعات، مؤكدًا أن الوصمة تعم ولا تخص صاحبها، فهي تمتد إلى الأسرة والجماعة.
ويستشهد المصري بعبارة "احنا عندنا بنات عايزين نجوزهم" والتي يرددها البعض خوفًا من الوقوع في مشكلات ومتاعب كالسجن، تؤدي بالضرورة إلى وصم اجتماعي للعائلة ونزولها إلى مرتبة اجتماعية أدنى، وبالتالي يصعب العثور على أزواج لبناتها!.
ثقافة العار في المجتمعات العربية

ويصف الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، المجتمعات العربية بإنها قائمة على ثقافة العار، التي ترتبط بالعقل الجمعي في الأوساط القبلية، حيث تتحول جريمة أو خطأ ارتكبه شخص ما إلى مصدر عار لعائلته أو منطقته الجغرافية.
ويؤكد "صادق" أن هناك عقاب اجتماعي يمتد لأسرة الجاني أو المتهم، ويشمل الحظر والنبذ والمقاطعة ولوم الأهل ووصمهم ومعايرتهم بأنهم "عيلة رد سجون" أو "ما عرفوش يربوا ابنهم"، فلا يجب الزواج من بناتهم أو إدخالهم البيوت. وهذا فضلًا عن الوصم الذي يلحق بالشخص نفسه صاحب السابقة الجنائية طوال العمر، فلا أحد يرغب في توظيفه أو مصاهرته.
ووفق أستاذ علم الاجتماع، فإن تغيير هذه الثقافة يحتاج لسنوات طويلة من التوعية، والتركيز على التحذير من مخاطر تعزيزها للسلوك العدواني أو المنحرف لدى ذوي السوابق الجنائية لكونها تحول دون إعادة تأهيلهم ودمجهم بالمجتمع.
هذا تمييز غير قانوني

بحسب الدكتور عادل عامر، الخبير القانوني ورئيس مركز المصريين للدراسات، فإن القانون المصري لا يُحمل أهل من سبق سجنه على ذمة قضية جنائية أو سياسية، أي وزر، لكن العرف المجتمعي وتعنت بعض الجهات التنفيذية هو ما يؤدي إلى التمييز ضدهم.
وقد سبق للمحكمة الإدارية العليا أن أصدرت أحكامًا تنحاز لأهل المحكومين والسجناء السابقين، من بينها حكمًا بأحقية شاب في التعيين بالنيابة رغم السوابق الجنائية لعمه.
ويوضح الخبير القانوني أن كشف العائلة الذي يخضع له الطلاب المتقدمين للكليات والمعاهد العسكرية والسلك القضائي وبعض الجهات التنفيذية، يتطلب أن تكون الصحيفة الجنائية للعائلة وخاصة أقارب الدرجة الأولى نظيفة، خالية من أي سوابق خاصة النشاط الديني الخطر. ويضيف أن من سبق له السجن على ذمة جنحة يمكنه رفع دعوى لإزالة القضية من صحيفته الجنائية بعد 3 سنوات من تنفيذ العقوبة، أو بعد 5 سنوات في حالة الجنايات.
ويؤكد أحمد عثمان، المحامي بمؤسسة حرية الفكر والتعبير"أفتي"، على أن القانون ينص على أن "العقوبة شخصية"، وبالتالي لا يمتد أثرها إلى أهل الجاني أو المتهم.
ولكن رغم ذلك جرت العادة على أن الطلاب الذين لديهم أقرباء من الدرجة الأولى منتمين لجماعة الإخوان مثلًا أو لتنظيمات سياسية معارضة، لا يتم قبولهم في كلية الشرطة أو الكليات العسكرية، مضيفًا أن بعض الجهات تشترط نظافة الصحيفة الجنائية لعائلة المتقدم للعمل بها أو الدراسة. وهذا بعيد عن القانون، وإنما يأتي ضمن الاشتراطات الخاصة بهذه الكليات.
