قوة الشعوب في قوة الجماعة، تكون الجماعات المتماسكة أساس تماسك الشعوب وتعاضدها، ولم يكن الشعب الإنساني أقرب لبعضه من هذه المأساة التي تحيطنا جميعا، ولكن عن أى مأساة أتحدث؟ عن مأساة غزة؟ قتل الطفولة؟ نسف السلام؟ ألا يحدث مثل ذلك في السودان؟ ألا يحدث مثله في سوريا؟ ألا يحدث مثله في أمريكا نفسها؟ عن مأساة المناخ؟ عن مأساة أوكرانيا؟ عن كل ذلك أتحدث.
والحقيقة أننا في أمس الحاجة، من أجل مستقبل البشرية جميعًا، لفرض السلام ووقف إطلاق النار بأي شكل ممكن وفي كل بلاد الأرض مجتمعة، أوقفوا الحروب كلها، لا يمكن تعويض كل تلك الأنفس وكل ذلك الدمار إلا بحالة سلام دولية كاملة يتوقف فيها العالم عن استهلاك الأسلحة والذخائر وتخريب الأرض والبحر والجو. ومن ثم يتم توجيه كل قدراته لإصلاح ما أفسدته الحروب في كل مكان.
يبدأ الطريق من غزة ولا يمكن أن يتوقف عندها.. وهو طريق من ثلاثة، إما طريق للسلام العادل وفرض وقف إطلاق النار مقابل حل سياسي يشمل جميع سكان أرض فلسطين سواء في شكل حل دولتين متجاورتين أو دولة واحدة ديمقراطية. وهذا الطريق لا يمكن أن يظل فيه إرهابيين مثل حكومة نتنياهو دون محاكمة على ما تم ارتكابه من جرائم حرب، بل لا يمكن أن يظل فيه شئ على ما هو عليه حاليًا ويجب أن يمر هذا الطريق عبر محطات ترفض الغالبية من كل الأطراف مناقشتها الآن ولكن لا مفر من مناقشتها مستقبلا.
اقرأ أيضًا:شريف الروبي.. سجين رأي دائم الاستهداف ينتظره العفو
هذا الطريق الأول، وأما الطريق الثاني، حيث انتصار الاحتلال الصهيوني في مسعاه الإجرامي في طرد الشعب الفلسطيني خارج أرضه تكرارا لما حدث في 1948 والسيطرة على أرض غزة بالكامل وإعادة بناءها كجزء من إسرائيل، وهو انتصار لابد وأن يتبعه سلسلة من المعارك والانتصارات المماثلة لتثبيت الوضع الجديد، ما يعني اتساع نطاق الحرب مع القوى الرافضة للتهجير حتى تقبل باستقبال الفلسطينيين على أراضيها بالقوة، هذا الطريق الثاني ويمكن أن نسميه طريق الهندي الأحمر حيث الخروج بلا عودة.
وأما الطريق الثالث هو أن تظل الحرب مفتوحة داخل غزة إلى ما لا نهاية، حيث يعجز الجيش الإسرائيلي عن القضاء على المقاومة الفلسطينية داخل غزة ويعجز عن طرد الأهالي منها وتعجز المقاومة عن طرده منها وإعادة السكان المهجرين إليها، فيظل الوضع مشتعل دون حسم، وأظن أن هذا الطريق هو أقل الثلاثة ترجيحًا حيث أن ما بعد طوفان الأقصى لا يمكن أن يظل كما كان قبله وسقوط حكومة نتنياهو الحتمي سيؤدي لظهور حلول سياسية مختلفة من الجانب الإسرائيلي العاجز عن الحسم وتفاعل مختلف من الجانب الفلسطيني المثقل بالدمار، ما يعني نشأة ترتيبات مختلفة ترجح السير في الطريق الأول إن كانت الحكومة الإسرائيلية الجديدة (والأمريكية أيضًا) أقل تطرفًا أو الطريق الثاني إن كانت أكثر تطرفًا.
وبالطبع تسعى المنظومة الدولية الداعمة لإسرائيل بكل قوتها لحسم المعركة لصالح الطريق الثاني، حيث تظل إسرائيل رغم كل جرائمها وانتهاكاتها وفضائحها حليف أساسي في المنظومة الدولية الحالية والتي تكونت على أنقاض الحرب العالمية الثانية والتي خرجت منها الولايات المتحدة الأمريكية القوة الأكبر عالميًا وأصبحت في يومنا هذا قلب الحلف الغربي الذي يضم أغنى وأقوى الدول وأكثرها تقدمًا علميًا و سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.
ولكن الجديد في هذه الحرب هو فورة التأييد الشعبي العالمي لنضال الفلسطينيين ضد الاحتلال، هذا التأييد المتصاعد في الغرب والذي يتزامن مع حالة من الوعى تخلقها الوسائل المعاصرة للتواصل الاجتماعي ضد جرائم الصهيونية التاريخية والحالية، ويتزامن مع حالة من التوجه العام في صفوف الأجيال الجديدة نحو اليسار حيث الرغبة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حقوق اجتماعية تتآكل ومستقبل يكاد يبدو مظلمًا في ظل حكومات تتراجع، رويدًا رويدًا أو بالجملة، عن التزاماتها الاجتماعية وتتبنى توجهات أكثر يمينية.
هذه الحالة “اليسارية” يمكننا أن نرصدها في مواقف طلاب الجامعات الذين أعلنوا في كل مكان رفضهم للانصياع للموقف الرسمي لجامعاتهم بدعم إسرائيل أو بالسكوت عن جرائمها ووصل الأمر بإدارات الجامعات إلى التهديد بفصل الطلاب ومنعهم من العمل بعد التخرج في حالة ما استمروا في التظاهر ضد إبادة الشعب الفلسطيني. كما يمكننا أن نرصدها في مواقف النقابات العمالية التي ظهرت خلال هذه الحرب وكأنها نواة حالة للتضامن العالمي المتجاوز لحدود اللغة والجغرافيا، حيث رأينا النقابات العمالية الأسبانية والهندية والبلجيكية والأمريكية تتخذ مواقف تضامنية مع الشعب الفلسطيني ويعلن بعضها مقاطعة التعامل مع البضائع الإسرائيلية في ظاهرة لابد وأنه يمكن البناء عليها في المستقبل.
إن هذا التضامن العالمي بكل ما فيه من طاقات لم تكن ظاهرة قبل الحرب الصهيونية على الأطفال، هو أحد التمثيلات لما بدأت به المقال من حديث عن “قوة الشعوب” التي عليها أن تناضل من أجل وقف الحروب في غزة أولًا ثم كل الحروب بعد ذلك وإنقاذ الأرض من الدمار المحقق.



