المعارضة أم السلطة.. من يعيد هتافات “يناير” إلى الشارع؟

وسط هتافات “عيش حرية عدالة اجتماعية” و”افتحوا لنا التوكيلات”، وقف المرشح الرئاسي المحتمل، أحمد الطنطاوي، أمام بعض من مؤيديه في مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، أول من أمس، داعيًا إلى السماح لمؤيديه وداعمي المرشحين الآخرين بتحرير التوكيلات دون تضييق أو منع، قائلًا: “نحن نريد دولة قانون في مصر، ولا نريد الفوضى. من يُصر على مصادرة القانون وإهدار الدولة هو من يستدعي الفوضى في البلاد”.

خلال الفترة الماضية، تكرر الحديث عن مشهد المنع/ العرقلة لمؤيدي مرشحي المعارضة الثلاثة (فريد زهران، وجميلة إسماعيل، وأحمد الطنطاوي)، إلا أن المشهد الأبرز اللافت لانتباه كثير من رواد وسائل التواصل الاجتماعي كان ترديد الهتافات التي استخدمت سابقًا في خضم أحداث ثورة يناير من العام 2011، خاصة شعارات: “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”، والتي تجاوز ترديدها مؤيدي المرشحين إلى مواطنين، اتضح أنهم لم يشاركوا في أي عملية سياسية من قبل؛ ما يبرز تساؤلات حول دلالات هذه الشعارات بعد ما يربو من 12 عامًا، في الشوارع الأمامية لمقار الشهر العقاري في مناطق مختلفة.

الاحتفاظ بحلم يناير

وسط آلاف من الأجساد المتقاربة، خطوت إلى داخل تجمعات المواطنين الذين يقفون منتظرين دورهم للدخول إلى مكتب التوثيق، لتحرير توكيل لمرشحهم الذي حُشدوا من أجله. كانت تلك المرة الأولى التي أخرج فيها للعمل الميداني منذ العام 2017، بعد أن توقف الصحفيون عن ممارسة عملهم الصحفي من قلب شوارع القاهرة خصيصًا، إلا بتصريح، بسبب التعقيدات الأمنية والتضييق المتعمد على الصحفيين خلال السنوات الأخيرة.

مثلي، كان هناك المئات من الذين خرجوا للمرة الأولى منذ سنوات الثورة في العام 2011 للمشاركة في حدث سياسي، وغيرهم آلاف ممن لم يشاركوا مطلقًا في أي حدث. فكيف كانت تجربتهم مع تحرير التوكيلات؟ ومن أعاد فيهم هتافات “يناير”.. المعارضة أم السلطة؟

اقرأ أيضًا: حوار مع المرشح الرئاسي فريد زهران: لم تكن هناك حركة مدنية قبل الحوار الوطني.. فقط التهديد بالسجن

يقول “أحمد طارق”: “ذهبت يوم الجمعة الماضية إلى مكتب الشهر العقاري في بورسعيد. ولم يكن هناك تزاحم شديد بعد، لكن كانت هناك مجموعات تنظيمية من حزب موالٍ للسلطة تتصدر المشهد، خاصة سيدة قابلتها عند باب مكتب التوثيق، كانت تنظم عمليات دخول مجموعات من كبار السن الذين حُشدوا بواسطة الحزب، وسرعان ما كانوا ينتهون من تحرير توكيلاتهم ويغادرون. حاولت الدخول بعد معاناة ونجحت إلا أنه تم تأخيري عند علمهم بأن توكيلي لأحد مرشحي المعارضة. رغم ذلك صممت وحررت توكيلي في نهاية اليوم”.

شارك “أحمد” وهو على دراية تامة بأن الرئيس الحالي لن يرحل بالانتخابات أو الصندوق، على حد قوله، لكنه رغم اعتقاده هذا على يقين بأن هناك آخرون يستحقون الدعم.

“أنا شاركت في جمع التوكيلات لأني مؤمن بالمحاولة والفاعلية. تدوين منشورات إلكترونية لن يجدي نفعًا. لازم نخرج للشارع ونشارك لأننا عارفين إن النظام بيحشد آلاف المواطنين الفقراء ليظهر الصورة وكأن هناك معترك انتخابي حقيقي”.

يحتفظ “أحمد” بحلم يناير في أن يأتي يوم ويكون على رأس السلطة في مصر رئيس مدني منتخب، أولوياته الصحة والاقتصاد والتعليم والبحث العلمي. ويصبح أصحاب الكفاءات والباحثين في مقدمة الركب، وتنتهي دولة الفرد.

منذ اليوم الأول لجمع توكيلات الترشح لانتخابات الرئاسة سجل مؤيدو مرشحي المعارضة الثلاثة شهادات انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتعرضهم للتضييق والمنع وأحيانًا العنف البدني (السيستم واقع أو انقطاع الكهرباء أو ضرورة حجز دور وراء حشود كبيرة مصطنعة ومتعمد ظهورها) أثناء تحريرهم توكيلات دعم مرشحيهم، الأمر الذي وصفه المرشح المحتمل فريد زهران، أمس في مؤتمر صحفي، بدليل جديد على احتكار السلطة للسياسة والمجال العام.

الاقتصاد يخلق حراكا

في شهادتها، تقول “أسماء زيدان” إنها رصدت مجموعات من الخارجين عن القانون (البلطجية والمسجلين لدى الشرطة) ينظمون حشودًا كبيرة استقدمت من مناطق شعبية وعشوائية في حافلات خاصة، مثلوا -حسب شهادتها- في شهر عقاري كائن في شارع مراد في الجيزة، حائط صد أمام المواطنين من مؤيدي أي مرشح محتمل آخر.

تضيف “أسماء”: “ذهبنا إلى الست أم إبراهيم وهي بلطجية مشهورة في شارع 10 بنفس المنطقة، وقد جلست أمام المدخل المؤدي لمكتب التوثيق ومنعتنا تمامًا من الدخول، وأحاطت بنا بمجموعة من البلطجية والمتحرشين. وبعد مناوشات كبيرة وهجوم عدت إلى منزلي دون تحرير توكيل”.

ترى “أسماء” أن “الاقتصاد هو العامل الأول في كل تحركات المصريين، فحينما خرجوا في يناير 2011 كان من أجل العيش أولًا وهو ومقدم على الحرية لديهم؛ وبالتالي بعد 10 أعوام من حكم النظام الحالي، وبعد أن ساءت الأوضاع وبشدة، وتراجعت المخصصات والقدرات الشرائية لدى المصريين، وتقلصت ميزانياتهم الخاصة بما لا يكفي لشراء الخبز فقط، كان لا بد لهم من العودة مرددين شعارات العيش الذين منعوا من تناوله الآن”.

تقول “أسماء”: “ما تقوم به الدولة من مشروعات لا يناسب لا الوضع الاقتصادي للمواطنين ولا الوضع المالي لمصر. يجب أن يعي النظام أن البنية الأساسية ليست شبكة من الطرق والكباري وإنما هي الإنسان والموارد البشرية. منذ سنوات كان خطاب السلطة من الممكن أن يؤثر على المواطنين لكن صبرهم انقضى تمامًا الآن”.

اقرأ أيضًا: “نصف انفراجة” في مكاتب الشهر العقاري لتوكيلات المعارضة

الروح عادت

“نيرمين طنطاوي” مثل “أسماء زيدان” فشلت محاولاتها في تحرير توكيل لمرشحها، فلجأت إلى قسم الشرطة في منطقة الرحاب لمساعدتها. “قالوا لي: معندناش ولا ظابط”.

تنظر “نيرمين” إلى مشاهد الحشد والمنع باعتبارها معبرة عن شعور السلطة الحالية بالتهديد من قوة الشارع التي بدأت تلوح ثانية في الأفق. تقول: “شعرت أن هناك مزيد من الأمل في التغيير قد طرأ على الشارع المصري، وكلما زاد عدد الخارجين عن القانون أمام مكاتب التوثيق كلما زاد إصرار المجموعات التي تنوي انتخاب مرشحين محتملين غير الرئيس الحالي. هذا بالتحديد هو شعار يناير قوة التغيير. أشعر أن روح يناير عادت”.

“عبد الرحمن” وهو عضو في أحد أحزاب الحركة المدنية، يشعر الآن أيضًا ببارقة أمل جديدة وزخم يخلق للمرة الأولى منذ عشر سنوات، لذا قرر المشاركة الإيجابية بتحرير توكيل في أحد المقرات بمدينة الرحاب، لكنه فشل بسبب الزحام والتدافع، وحينما حاول الاتصال بخط النجدة لم يتلق أي ردود، فرحل. 

رغم ذلك، يرى “عبد الرحمن” أن الفترة الحالية تعيد إلى ذهنه مشهد انتخابات الحزب الوطني (مجلس الشعب) في العام 2010، حينما سيطروا بكل تحد على أغلبية مقاعد المجلس، فأثار هذا غضب الشعب وما لبث أن انطلق في ثورة عظيمة أنهت سلطة الحزب الوطني، رغم إعادة إنتاجها حاليًا تحت مسميات أخرى.

“يجب أن يدركوا أن الثورة التي يتحدثون عنها وينتقدونها هي صناعة شعبية للجماهير العريضة وليست لمجموعات الرموز والسياسيين فقط، لذا ليس من حق متصدري المشهد السياسي الآن أن يقرروا مصير شعب بأكمله، أو المتاجرة بما تعرضوا له من اعتقالات لفرض أوامر على غيرهم. وبالمقارنة بجبهة الإنقاذ فأنا أرى أنها كانت حالة رومانتيكية متعددة الأيديولوجيات، بينما الآن تمارس الشللية داخل التكتلات الموجودة داخل قوى المعارضة، وترفع المصالح الشخصية أولًا بعيدًا عن مصالح الوطن”؛ ينتقد “عبد الرحمن” المشهد الحالي من بعض الشخصيات داخل وخارج دائرة السلطة.

جرى تبكير موعد انتخابات الرئاسة المصرية إلى ديسمبر المقبل، الأمر الذي أعاده مختصون تفسيرًا إلى كون السلطة الحالية تواجه ضغوطًا لخفض قيمة العملة واتخاذ خطوات أخرى لإنهاء الأزمة الاقتصادية والحصول على تمويل صندوق النقد الدولي؛ حسبما ورد في تقرير لوكالة Bloomberg الأمريكية.

الحشود الوهمية

“أجبروني على الحضور إلى أحد مقار شهر العقاري في شارع قصر العيني، يوم الجمعة الماضي، لما رفضت هددوني بعقوبات في عملي.. حرر توكيل لكنه توكيل إجباري مش راضية عنه”؛ تحكي “هند” –اسم مستعار- كيف تم استقدامها غيرها من المناطق الشعبية عن طريق أحزاب الموالاة لتحرير توكيلات جماعية، استغلالًا لضعف حالاتهم المادية.

“مجبرين”؛ هكذا تصف الوضع، بينما تعبر عن غضبها مما آل إليه حال كثير مثلها لا يستطيعون اليوم شراء أبسط حاجاتهم الأساسية بفعل الأزمة الاقتصادية الطاحنة وانخفاضات قيمة الجنيه المتتالية.

فتحي (اسم مستعار) أيضًا أُجبر على المشاركة وعائلته لتحرير توكيلات دعت إليها الأحزاب المقربة من السلطة، بعد أن استحوذ أفراد من الأمن على بطاقة هويته في يوم سابق. يقول: “جئت من منطقة عابدين، وقد صعد أفراد من الأمن ومجموعات من حزب سياسي مؤيد للسلطة إلى منزلي مساء، واستحوذوا على بطاقات هويتي وأسرتي، ورفضوا تسليمنا إياها إلا أمام مكتب توثيق الشهر العقاري المحدد وفق القوائم التي أدرجت فيها أسماؤنا”. إلا أن “فتحي” الذي قرر في اللحظة الأخيرة تحرير توكيل لمرشح آخر، وأمام الشهر العقاري خرج مصرحًا: “رفضوا تحرير توكيل، وقالوا لى أنت مسجل خطر، ملكش توكيلات”.

اقرأ أيضًا: مؤتمر صحفي وإعادة نظر.. “انتهاكات” الشهر العقاري تتصدر اجتماع الحركة المدنية

دلالات

أظهر تقرير حديث نشره موقع المجلس الأطلسي  Atlantic council العديد من المصريين يأملون أن تؤدي الانتخابات الرئاسية المقبلة إلى التغيير الذي تشتد الحاجة إليه، بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الداخلية بعد 10 سنوات من حكم النظام الحالي، في الوقت نفسه الذي يدرك آخرون أن فرص الفوز ضئيلة لأي منافس أمام الرئيس السيسي في صناديق الاقتراع، المتوقع أن يُعاد انتخابه لولاية ثالثة مدتها ست سنوات تنتهي في العام 2030. وهو الأمر نفسه الذي ألمحت له الحركة المدنية التي تضم 12 حزبًا من أحزاب المعارضة، في بيان، انتقدت به الممارسات الموجهة ضد راغبي تحرير توكيلات لمرشحي المعارضة، والتي وصلت إلى حد المنع أو العنف البدني واللفظي، ستعلن عنها بشكل تفصيلي في مؤتمر سيعقد غدًا في مقر حزب المحافظين بالعاصمة القاهرة.

وترى الحركة -حسب البيان- أن هذه البداية “تتناقض بشكل صارخ مع أبسط مطالب نزاهة وحرية الانتخابات، وهو ضمان الحق في الترشح واحترام حق المصريين في دعم المرشح الذين يختارونه”.

معلقًا، يقول عبد الله شلبي أستاذ علم الاجتماع السياسي المتفرغ في جامعة عين شمس، إن الثورة العلمية والتكنولوجية في مجال الاتصالات خلقت نوعًا من النضج المبكر لدى الشباب صغير السن، الذي لم يكن تجاوز على أقصى تقدير السنوات الثماني في يناير من العام 2011. “بمعنى أن الشباب الصغير يعيد استخدام شعارات وهتافات يناير من جديد وأبرزها عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية، لأنه لم يجد تحققًا لتلك الأهداف على أرض الواقع، وبالتالي وجد نفسه في وضع يعيد إنتاج ما كان موجودًا من قبل، فنحن نعيش في ظروف أسوأ من التي أنتجت انتفاضات العام 2011، خاصة مع زيادة حالة الاستبداد السياسي والقهر الاقتصادي والركود والغلاء؛ ما أنتج عمليات هبوط في ترتيب السلم الاجتماعي خاصة لدى شرائح الطبقة الوسطى من المجتمع”، على حد قوله.

ويرى “شلبي” أن المواطنين أصبح لديهم من الوعي لتقدير لما هو آت، وباتوا بمتابعة وسائل الإعلام وتقصي الأسعار من القدرة بمكان على توقع ارتفاع سعر الدولار وانخفاض قيمة العملة المحلية، التي يقول حسب بعض الاقتصاديين أنها قد تصل إلى 50 جنيه مقابل الدولار الواحد بعد الانتخابات المقبلة.

ويحلل “شلبي” الوضع السياسي في مصر، فيقول: “لا بد من أن ندرك أننا نعيش في نظم (جملوكية) أي أنظمة سياسية تجمع ما بين الحكم الجمهوري والمملوكي، فالرئيس لا يغادر كرسي الحكم ويبقى رئيسًا مدى الحياة، مثل عبد الناصر والسادات ومبارك، وأعتقد أن الرئيس الحالي سوف يبقى بعد العام 2030 إن سنحت له الفرصة”.

وحسب وصفه، فإن الواقع الاجتماعي والسياسي الحالي يتشابه مع الوضع السابق لثورة العام 2011، ما أفرز بوادر احتجاجية ظهرت في معركة التوكيلات حينما خرج مواطنون وهتفوا لصالح مرشحين آخرين. مؤكدًا أن الديمقراطيات الغربية تحدد فترتين رئاسيتين فقط لأي رئيس، لأنه ووفق أبحاث علم النفس السياسي فإن رئيس الدولة في نهاية فترته الرئاسية الأولى يصاب بنوع من النرجسية، وتضخم نزعة الافتتان والإعجاب بالذات، ومع نهاية فترته الثانية تتملكه تمامًا بما يؤثر على قدرته على اتخاذ قرارات صحيحة. ومن الممكن أن تتصاعد في فترته الثالثة إلى حالة من “البارانويا” أو جنون العظمة، ما يغلق المساحات أمام جميع المنافسين تمامًا. متسائلًا: “هل مصر خالية من أية كوادر بديلة تستطيع المنافسة؟”.

ووفق تفسيرات لمختصين -رفضوا ذكر أسمائهم-، فإن المحرك الرئيس لأي محاولة تالية لإظهار غضب شعبي، هي ناتجة في الأساس عن تدهور الأحوال الاقتصادية، وارتفاع تكلفة “رغيف العيش”، خاصة بعد تدهور الأوضاع وتخارج كثير من رؤوس المال الساخن من مصر بعد أزمة الحرب الأوكرانية الروسية الأخيرة، وتزايد القروض الخارجية التي وصلت إلى 160 مليار دولار. كما أن الشروط القاسية التي فرضها صندوق النقد الدولي لاستكمال منح النظام قروضًا إضافية وأبرزها تخفيض قيمة العملة المحلية أمام الدولار (واحد دولار يوازي 30.9 جنيه مصري حسب سعر الصرف الرسمي).

هذا فضلًا عن المعاناة اليومية التي يحياها المصريون وأدت إلى تزايد السخط العام؛ خاصة مع الحملة الأمنية المضادة لحرية التعبير عن الرأي أو الانتقاد للأوضاع القائمة، وآخرها أزمة انقطاع الكهرباء التي يقال إنها ناتجة عن نقص إمدادات الغاز لمحطات الوقود والكهرباء؛ ما عجّل بفقدان “صبر المصريين”، وإعادة استخدام بعض من شعارات سابقة مثل “العيش والحرية والعدالة الاجتماعية”.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة