“الزواج العرفي” بديلًا كي لا تخسر “حواء” صغارها

“إسقاط الحضانة”.. المطلقات وسلب الحق في الزواج

الأيام جاثمة على صدرها، تمر ببطء شديد، يحاوطها القلق، ويملؤها انتظار ما إذا كان طليقها سيُنفذ تهديده بنزع حضانة طفلهما البالغ 12 عامًا، قبل عام دراسي جديد كانت تُعد فيه لصغير تمنه من الدنيا.

“نورا” امرأة ثلاثينية، تقطن بمنطقة المرج شمالي القاهرة، تحدثت إلى منصة “فكر تاني”: “أنا لا أحتمل فكرة بُعد ابني عني.. بعده والموت بالنسبة لي واحد”.

تزوجت “نورا” في سن صغيرة، لم تكن معها مدركة لمعنى الزواج، فعاشت ثماني سنوات ثقال، زادها ثقلًا تعدد علاقات زوجها، على حد قولها، إلى أن تم الطلاق، وخرجت دون الحصول على أي من حقوقها.

“حتى الدهب أخده عشان يتجوز تاني”؛ تقول “نورا”، التي ذاقت الصعاب لعامين بعد الطلاق تنقلًا بين أكثر من وظيفة تدبيرًا لمصاريف البيت ودراسة ابنها، إلى أن تقدم لها شخصًا مناسبًا ارتضته زوجًا يعوضها الأيام السالفة. إلا أن هذا لم يرض الطليق.

“هددني أنه ينقل حضانة ابني ليه، فماكنش قصادي غير إني لجأت اتجوز عرفي عشان أعرف احتفظ بحضانة الولد”.

“نورا” واحدة من مئات السيدات اللاتي ظلمهن قانون الأحوال الشخصية، تخييرًا بين الزواج وممارسة الحياة الطبيعية مرة أخرى وبين الاحتفاظ بأطفالهن.

سلب المطلقات حق الزواج

هذه المعاناة تؤكدها أيضًا “فرح” لمنصة “فكر تاني”. تقول: “فضلت شهور بتردد على المحاكم بحثًا عن الطلاق للضرر؛ لأن زوجي كان يعنفني ويضربني ويُقلل من شأني باستمرار، وفي إحدى المرات تسبب في كسر ذراعي الأيمن من كثرة الضرب.. هو دلوقتي رافض يسيبني أعيش حياتي وأربي أطفالي في هدوء مع زوج محترم وبيئة مناسبة”.

عند مقارنة الإحصاءات ربع السنوية التي سجلتها مؤسسة “إدراك”، فإن عام 2021 سجل في ربعه الأول 140 جريمة عنف ضد النساء والفتيات، بينها 60 جريمة قتل ارتكب أحد أفراد الأسرة 39 منها، وتضاعف الرقم تقريبًا في الربع الأول من عام 2022 ليبلغ 262 حادثة عنف بينها 72 جريمة قتل لنساء وفتيات، و54 تُصنف ضمن جرائم العنف الأسري.

اقرأ أيضًا: قانون الأحوال الشخصية: معركة ضد امتيازات الرجال.. لا حقوقهم

وبحساب الأرقام التي أشارت إليها “تدوين” في دراستها، فإن عدد حالات القتل على يد الشريك أو أحد أعضاء الأسرة بلغت في الربع الأول من 2023 أكثر من 40 جريمة.

وفقا لقانون الأحوال الشخصية، أولى الناس بحضانة الصغير أمه بالإجماع (الصورة: وكالات)

“ليه هو من حقه يتزوج ويعيش حياته وأنا لأ.. هو عاوز يحرمني من ولادي علشان حق من أبسط حقوقي، ده غير إنه حرض شهود زور ليخوضوا في شرفي لإسقاط حضانتي.. ليه أكون في صراع مر ومساومة طول الوقت على حضانة أطفالي وبين نعمة الزواج والاستقرار وإني أكون في بيئة آمنة”؛ تتساءل فرح بصوت متهدج.

ازدواجية المعايير

تقول جواهر الطاهر، محامية بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، لـ “فكر تاني”: “قانون الأحوال الشخصية نظم وضع الأطفال بعد الطلاق.. ومين له حق في حضانتهم، ففي القانون رقم 100 لسنة 1985 نص على أن ينتهى حق حضانة النساء للصغير في سن 10 سنوات والصغيرة ببلوغ 12 عامًا، وبعد بلوغ الطفل سن الخامسة عشر؛ يخيره القاضي ما بين البقاء مع الحاضنة أو لا، وذلك دون أجر حضانة”.

ووفقًا للقانون؛ فإن أولى الناس بحضانة الصغير أمه بالإجماع؛ لأنها أشفق وأقدر على الحضانة، فكان دفع الصغير إليها أفضل له. ويُشترط أن تكون الحاضنة أمينة على المحضون لا يضيع عندها، فإذا ثبت عدم أمانتها، تسقط عنها فورًا، وتنتقل لمن يليها من الحاضنات من النساء، ومن أبرز حالات إسقاط الحضانة هى زواج الأم برجل آخر ويقع على طالب الإسقاط (الأب أو جدة الطفل) إثبات ذلك، بتقديم ما يُثبت من أوراق، وبموجبه تسقط حضانة الأم.

“مفيش حد هيقدر يراعي بنتي زيي، ومش فاهمة ازاي تتربى مع زوجة أب وأمها عايشة.. أنا مش عارفة آخد خطوة الزواج إلى الآن بسبب إني بفكر لو تزوجت من رجل لديه طفل/ة ازاي هربيها وأكون حاضنة وأنا أصلًا سايبة بنتي.. قلبي وعقلي هيكونوا معاها”؛ تقول شيماء 29 عامًا، بنبرة منكسرة بعد طلاقها منذ عام.

من أهم تعديلات قانون الأحوال الشخصية عام 2021، أن أصبحت حضانة الأب فى المرتبة الرابعة بعد أن كان فى المرتبة 16 وفقًا للترتيب التالي: (الأم – أم الأم – أم الأب – الأب – الأخوات بتقديم الشقيقة ثم الأخت لأم ثم الأخت لأب – الخالات بالترتيب المتقدم في الأخوات، وهكذا إلى آخر الترتيب القانوني).

“إسقاط حضانة الأم بعد زواجها بآخر هنا القانون بيقيده بمصلحة المحضون.. وسلطة القاضي هي الفيصل؛ وفي الغالب بيحكم بإسقاط الحضانة عن الأم، وللأسف ده بيضطر أمهات كثيرة إنهم يتزوجوا عرفي عشان يقدروا يشعروا بالاستقرار الأسري مع زوج جديد، وكمان عشان يقدروا يحتفظوا بحضانة أطفالهم.. وطبعًا الزواج العرفي بيترتب عليه إشكاليات كثيرة”؛ وفقًا لجواهر الطاهر.

الدراما والنقاش المجتمعي

آلاف النساء تحرمهن قوانين الأحوال الشخصية في مصر من أطفالهن، في معاناة منظمة تنجح أحيانًا بشق طريقها إلى الإعلام والدراما والمجتمع المدني، ليسلط الضوء عليها، فيما تُقفل الأبواب على قضايا كثيرة غيرها.

مسلسل “فاتن أمل حربي” للفنانة نيللى كريم، كان آخر تلك الأعمال الدرامية التي تضمنت في ثناياه تلك القضية، وهى حضانة الأم المطلقة للأبناء فى حالة زواجها مرة أخرى، وتدور أحداثه في إطار اجتماعى حول مشكلة فاتن مع زوجها، والتي تقرر إنهاء زواجها بعد 10 سنوات، ظنًا منها أنها بذلك ستتخلص من المشاكل بينهما، لكنها تصطدم بالواقع لتجد نفسها أمام مشكلة أكبر وهي حضانة الأولاد، والتي يقرر القانون بحرمانها من ابنتيها حال تزوجها، فتخوض بطلة العمل معركة اجتماعية بينها وبين القانون لتغييره، إذ تطلب حضانة المطلقة لأطفالها بعد الطلاق حتى ولو تزوجت بآخر، فيما تتصاعد الأحداث بشكل تشويقي.

بين إعلان الرئيس السيسي عام 2017 عامًا للمرأة تقديرًا منه لدورها في دعم مصر، وبين واقع المرأة فجوة كبيرة فرضها قانون أحوال شخصية لا يرى الأم سوى خادمة أو مهمشة، تقع تحت طائلة محكمة أسرة تحتاج إلى إعادة هيكلة ودعم، تعاني نقصًا حادًا في الإمكانات والمعلومات وقواعد البيانات التي تمكنها من القيام بعملها وتُمكن الشرطة من تنفيذ الأحكام.

اقرأ أيضًا: كيف يرى القانون المصري النساء؟

أمل رغم الظلم

“فيه ظلم وإجحاف كبير للمرأة المطلقة.. فمش بس هي هيتاخد منها أبناءها إذا تزوجت؛ ليس هذا فقط ما حدده المُشرع؛ بل إنه في حالة طلاق الأم من الزوج الجديد لا تعود إليها الحضانة إلا في عدة الطلاق البائن دون الرجعي”؛ بحسب محامية مؤسسة قضايا المرأة المصرية.

ذكر الإمام ابن عبد البر المالكي في “الكافي في فقه أهل المدينة” (2/ 624، ط. مكتبة الرياض الحديثة): “الأم أولى بحضانة ولدها وبرضاعه من غيرها إذا طلقها زوجها أبدًا ما لم تتزوج، فإن تزوجت فالجدَّةُ أمُّ الأمِّ أولى إن لم يكن زوجها أجنبيًّا، فإن كانت متزوجة من أجنبي سقطت حضانتها، وكذلك كل امرأة تزوجت أجنبيًّا من الصبي يبطل حقُّها من الرضاع والحضانة”.

وقال الإمام النووي في “روضة الطالبين” (9/ 100، ط. المكتب الإسلامي): “فلو نكحت أجنبيًّا سقطت حضانتُها؛ لاشتغالها بحُقُوق الزوج”.

ورغم ما ورد بالتشريع المصري وما ذكره الفقهاء؛ إلا أن هناك مقترح أعدته مؤسسة قضايا المرأة المصرية، ويقول بخصوص الحضانة إنها: “لا تسقط عن الأم بزواجها من آخر – ما لم يقرر القاضي خلاف ذلك؛ لمصلحة المحضون وفقًا للتقرير الاجتماعي والنفسي لحالة الطفل/ة – وفي هذه الحالة لا تستحق أجر مسكن وحضانة”.

تعمل المؤسسة منذ عام 2003 على الخروج بمقترح قانون أحوال شخصية أكثر عدالة لجميع أفراد الأسرة؛ حيث إنه من القوانين التى تلعب دورًا مهمًا في تحديد العلاقات الاجتماعية، باعتباره القانون الأكثر تأثيرًا في الوحدة الأساسية للمجتمع متمثلة في الأسرة، فهو الذى يحكم شئون الأسرة والعلاقة بين أطرافها، محددًا حقوق وواجبات كل من أفرادها وعلاقاتهم ببعضهم البعض، كما يضبط أمور الزواج والطلاق ورعاية الأطفال والأمور المالية سواء أثناء العلاقة الزوجية أو الناتجة عن الطلاق، ويكشف عن وضع المرأة في التراتبية الاجتماعية.

وتؤكد جواهر الطاهر لمنصة “فكر تاني”: “احنا كمؤسسة يهمنا أولًا مصلحة الطفل الفُضلى، وحق الأم في الزواج للمرة الثانية مع الاحتفاظ بحضانة أطفالها.. وأكدنا من خلال مشروع القانون أن الأم من حقها في الأصل الاحتفاظ بحضانة أطفالها، وتركنا للقاضي السلطة في إذا ما كانت مؤهلة لذلك أم لا.. وفي حالة إعطاء الأم حضانة أطفالها وهي متزوجة بآخر يسقط حقها في المطالبة بنفقة مسكن وحضانة”.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة