أين “فلسطين” من التطبيع السعودي الإسرائيلي؟

“نقترب كل يوم أكثر من تطبيع العلاقات مع إسرائيل”؛ هكذا تحدث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن علاقات رسمية على غرار اتفاقيات إبراهيم، بين السعودية وإسرائيل، في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز الأمريكية. لكنه جدد التأكيد على اشتراط أن يمنح هذا التطبيع “مكانًا يسهل للفلسطينيين حياتهم ويجعل إسرائيل لاعبًا في الشرق الأوسط”.

لقاء الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي مع فوكس نيوز

شرط تراه لوسي كيرتزر-إلينبوجن وروبرت بارون الباحثان في المعهد الأمريكي للسلام، مهمًا للمملكة، تسعى به إلى تنازلات إسرائيلية توفر الحد الأدنى من الفوائد للفلسطينيين، وتعزز إلى الحد الأقصى الموقف السعودي والأمريكي المشترك المتمثل في الحفاظ على إمكانية التوصل إلى حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

هذا أمر لطالما أصرت عليه السعودية ولا ترى تطبيعًا دونه، كما صرح وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في أكثر من مناسبة: “التطبيع مع إسرائيل لن يتم قبل منح الفلسطينين دولة”. لكن تطبيقه مع ذلك قد يقترب من الاستحالة إذا ما نظرنا إلى الكنيست الحالي بقيادة نتنياهو.

ماذا قالت إسرائيل؟

عن التطبيع، قال وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين: “إن اتفاقًا إطاريًا توسطت فيه الولايات المتحدة لإقامة علاقات بين إسرائيل والسعودية قد يتم إبرامه بحلول بداية العام المقبل”.

وهذا الملف يحمل أهمية قصوى للإدارة الأمريكية الحالية لأنه قد يمثل انتصارًا خارجيًا للرئيس بايدن، يستطيع أن يسوق به لحملته الانتخابية القادمة. وهو أيضًا يمثل انتصارًا دبلوماسيًا تاريخيًا لتعزيز مكانة دولة الاحتلال بين العرب، فضلًا عن كونه ممهدًا لعلاقات تجارية ودفاعية قد تكون الأهم لإسرائيل مع أكبر القوى الخليجية.

لكنه يصطدم بضغوط سعودية لإنهاء ملف المشروع النووي، وإبرام اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ترغب فيها المملكة لحماية في مواجهة إيران.

اقرأ أيضًا: مصادر إسرائيلية: اتفاقية تيران وصنافير خطوة نحو التطبيع مع السعودية

المطالب الفلسطينية

تعرض “بي بي سي بالعربية” لمطالب قدمتها السلطة الفلسطينية لقبول صفقة التطبيع السعودي الإسرائيلي، فتشير إلى لقاء جمع فريق من كبار المسؤولين الفلسطينيين في الرياض، بمستشار الأمن القومي السعودي مساعد العيبان، في سبتمبر الماضي.

ضم الوفد الفلسطيني الرجلين الأقرب إلى الرئيس محمود عباس؛ رئيس المخابرات الفلسطينية ماجد فرج، وحسين الشيخ أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وقال مسؤول فلسطيني، لـ”بي بي سي” إن المطالب الفلسطينية، شملت:

  1. نقل إدارة أجزاء من الضفة الغربية المحتلة، التي تخضع حاليًا للسيطرة الإسرائيلية الكاملة المعروفة باسم المنطقة “ج” بموجب اتفاقيات “أوسلو” في التسعينيات، إلى إدارة السلطة الفلسطينية.
  2. 2.  “وقف تام” للنمو الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة.
  3. استئناف الدعم المالي السعودي للسلطة الفلسطينية، الذي تباطأ في عام 2016، وتوقف تمامًا منذ ثلاث سنوات، بقيمة تقدر بحوالي 200 مليون دولار سنويًا.
  4. إعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية المحتلة – البعثة الدبلوماسية للفلسطينيين – التي أغلقها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.
  5. استئناف المفاوضات التي توسطت فيها الولايات المتحدة بين الإسرائيليين والفلسطينيين من حيث توقفت، في عهد وزير الخارجية آنذاك جون كيري عام 2014.

لكن هذه الشروط والرغبة السعودية في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لا تزال تواجه حكومة إسرائيلية يمينية، تُعرف بأنها الأكثر تطرفًا في تاريخ الكيان، لا تؤمن بأي حق للفلسطينيين.

في أواخر سبتمبر الماضي، عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة في دورتها الـ 78، خريطة لم تشمل أي ذكر لوجود دولة فلسطينية، حيث طغى اللون الأزرق، الذي يحمل كلمة إسرائيل، على خريطة الضفة الغربية المحتلة كاملةً، بما فيها قطاع غزة. بينما ضمت المناطق المكسية باللون الأخضر دول مصر والسودان والإمارات والسعودية والبحرين والأردن. كذلك أعلن عن نيته استكمال بناء جدار العزل العنصري على طول الحدود الشرقية مع الأردن.

أين فلسطين من التطبيع؟

يرى المحلل السياسي الإسرائيلي، شلومو جانور، أن الملف الفلسطيني “جانبي في الصفقة الثلاثية الأميركية الإسرائيلية السعودية”.

ويشير جانور، في تصريحات لموقع “الحرة”، إلى أن “الملف الفلسطيني” مطروح على جدول أعمال التفاوض “لكنه ليس الأهم”.

وحول إمكانية العمل ببنود مبادرة السلام العربية، يشدد جانور على أن الموقف الإسرائيلي الحالي والسابق هو “رفض حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية”.

اقرأ أيضًا: بكين أم واشنطن؟.. إلى أي كفة تميل الرياض لتنفيذ برنامجها النووي؟

هل تنتهي المفاوضات إلى رشوة سياسية؟

حمّل تقديم أوراق اعتماد السفير السعودي نايف السديري، يوم الثلاثاء الماضي، كسفير فوق العادة غير مقيم في الأراضي الفلسطينية المحتلة وكقنصل عام في القدس، القلق للفلسطينيين، خصوصًا وأنه الأول من نوعه منذ قيام السلطة الفلسطينية في الأراضي المحتلة في العام 1993.

صادقت سلطات الاحتلال على دخول السفير السعودي إلى الأراضي الفلسطينية، التي تسيطر فعليًا على معابرها. يثير هذا قلق الفلسطينيين، كما تثيرهم عودة القنصلية السعودية إلى القدس، لأول مرة بعد احتلال المدينة المقدسة في العام 1967.

لعل أبرز ما نتج عن هذه الزيارة هو تصريحات السفير السعودي، وعرضه للموقف السعودي تجاه القضية الفلسطينية، وتمسّك الرياض بحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على قاعدة حل الدولتين.

ما المختلف هذه المرة؟

بالنظر إلى التصريحات والواقع وتاريخ التطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي وما حدث بعد 2020 في صفقة القرن “إبراهيم”، التي توسطت فيها الولايات المتحدة في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب، قد يكون قلق الفلسطينيين طبيعيًا ومبررًا.

قاطعت السلطة الفلسطينية صفقة “القرن” باعتبارها خطة سلام محابية بشكل كبير لإسرائيل و”خيانة” للتضامن العربي. كما قاطعت نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس.

ولكن هذه المرة، تدخل السلطة الفلسطينية المباحثات معوّلة على الجانب السعودي، الذي تتفاوض معه للحصول على بعض مكاسب في وضع يتسم بالجمود العام.

لكن ورغم ذلك، فقد تقتصر المكاسب على المساعدات المالية التي توقفت منذ عام 2016، وينتهي أمل إقامة الدولة الفلسطينية إلى الأبد. وهو ما يجعل البعض يرى الصفقة السعودية الإسرائيلية أخطر على الفلسطينين من كامب ديفيد ومن صفقة القرن.

المساعدات المالية السعودية

حرصت السعودية منذ يناير 2013 على زيادة حصّتها في ميزانية السلطة الفلسطينية من 14 إلى 20 مليون دولار شهريًا دعمًا لها. وفي أكتوبر 2016، أعلن مدير دائرة الميزانية في وزارة المالية الفلسطينية فريد غنام عن امتناع السعودية عن سداد التزاماتها المالية للسلطة منذ سبعة أشهر.

لم تعلن السعودية أسباب امتناعها عن السداد إلى الآن، لكن التكهنات رجحت مرور السعودية بأزمة مالية بسبب غزو اليمن في وقت رأى البعض أنها تستخدم المساعدات كأداة ضغط لعودة المفصولين من فتح مثل رجل الأعمال محمد دحلان.

وفي نهاية أغسطس الماضي، كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية عن نية السعودية إضفاء الشرعية على تطبيعها المتوقع مع دولة الكيان الصهيوني من خلال دعمها المالي للسلطة الفلسطينية، شريطة أن تثبت الأخيرة قدرتها على بسط سيطرتها الأمنية على المدن والقرى الفلسطينية كافة في الضفة الغربية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة