في غابة الذكور وحيدًا.. مجموعات الرجال لا تعرف المُعنفين أسريًا

“اتعودت على الخناق معاها، واتعودت على لسانها الطويل. مش هينفع أهد البيت حتى مع أنها طولت إيديها آخر مرة، اكتفيت إني أسيبها وأدخل أوضتي”؛ كتب “محمد” -38 عامًا- متحدثًا عن زوجته، تحت اسم مجهول، في أحد مجموعات الرجال عبر “فيسبوك”. يعلم تمامًا أنه الآن دخل الغابة وحيدًا، ذكرًا سيوصم بأنه الأضعف لأنه معنف من زوجته. سيتعرض لسيل من التشكيك في قدرته وفي رجولته. من لا يفوز هنا بالسطوة على قبيلته مرفوض.    

“محمد” الشاب الثلاثيني الذي يعمل محاسبًا في إحدى الشركات، مثال للمعنفين أسريًا من الرجال، لا يلقى الضوء عليه كثيرًا لأسباب عدة؛ أهمها غياب الإحصاء الدقيق بعددهم، ومشاعر الخجل التي تمنعهم عن الإفصاح بتجاربهم.

الرجال كضحايا للعنف

تُعرَّف الأمم المتحدة الإساءة الأسرية، التي تُسمى أيضًا “العنف الأسري” أو “عنف الشريك الحميم”، بأنها نمط سلوك في علاقة ما يُمارَس لإحراز السلطة والسيطرة على شريك حميم أو لمواصلة إخضاعه لهما. 

والإساءة هي مجموعة أفعال جسدية أو جنسية أو عاطفية أو اقتصادية أو نفسية تؤثر في شخص آخر، أو هي التهديد بارتكاب هذه الأفعال. ويشمل ذلك أي سلوك من شأنه ترويع شخص أو تخويفه أو ترهيبه أو التحكّم به أو إيذاءه أو إهانته أو لومه أو إصابته أو جرحه. 

وتتجلّى الإساءة الأسرية عادة في نمط من السلوك المسيء تجاه شريك حميم في علاقة تواعد أو علاقة أسرية، حيث يمارس مرتكب الإساءة سلطةً وسيطرةً على الضحية.

وقد ذكرت دراسة لمركز بحوث الجرائم التابع للأمم المتحدة رغم غياب الإحصاء الدقيق، تحتل مصر المركز الأول عالميًا في قائمة أكثر النساء في العالم اعتداءً على الأزواج بنسبة 28%، وتأتي بعد ذلك كل من الولايات المتحدة بنسبة 23%، ثم بريطانيا بنسبة 17%، وتليها الهند بنسبة 11%.

هرم ماسلو

يقول “محمد” إن ما يمنعه من مواجهة اعتداء زوجته عليه هو رغبته في الحفاظ على بيته مستقرًا: “مش عايز أهد بيتي وأدخل في مشاكل ممكن اتجنبها بأني استحمل”.  

تأتي الاحتياجات الاجتماعية من صداقة وعلاقات أسرية وحميمية في المرتبة الثالثة بعد الاحتياجات الفسيولوجية، واحتياجات الأمان، من “هرم ماسلو”، الذي قدمه عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو في ورقته البحثيّة “نظريّة الدافع البشري” عام 1943 للاحتياجات الإنسانية.

يبرر هذا صمت “محمد” تجاه العنف الذي يتلقاه من زوجته. ويزيد من معاناته أنه نشأ في مجتمع يُعرف بذكوريته، فلا يعترف بحاجة الرجل للدعم النفسي، ويرفض أن يُنظر إليه باعتباره ضحية للعنف الأسري.

مجموعات الرجال.. غابة الذكورية

“عندنا مجموعات سرية كتير تختص بالرجال، ممكن نوصفها بإنها مجموعات تستيرونية بامتياز، الدعم الوحيد اللي بتقدمه بيكون لهرمون الذكورة.. وأي ضعف غير مقبول.. ده كمان صاحبه ممكن يلاقي سيل من السخرية والانتقاص من رجولته”؛ يقول “ع. ع” الذي يبلغ 34 عامًا، ويمتهن الكتابة الصحفية. 

بكاء الرجال غير مسموح به في مجتمعنا، وصاحبه موصوم في مصر، كما يضيف “ع” في حديثه لمنصة “فكر تاني”. “الكثير من المشكلات النفسية التي يكون أبطالها رجال وتتداول في السوشيال ميديا لا تجد سوى تعليق وحيد من الجميع.. خليك راجل”.

مجموعات الرجال، وفق “ع”، مخصصة أكثر للحديث عن السيارات وعمليات البيع والشراء، ومشاكل قائمة المنقولات الزوجية، واستشارات النفقة ومصاريف البيت، وزيارات أهل الزوجة، والحياة في بيت العيلة، أو التباهي بالقدرة الجنسية وتعدد العلاقات والسخرية من الأنثى ومشكلاتها.

ورغم شعار “ما يقال هنا.. يبقى هنا” الذي ترفعه هذه المجموعات السرية بين الرجال، فإن بعض الأزواج يطلعون زوجاتهم على ما تحويه مجموعاتهم. تقول “وفاء”: “اتعودت أنا وجوزي نناقش المسائل الجوهرية في حياتنا وأحيانًا بياخدنا الحديث عن الفرق بين مجموعات الفيسبوك اللي أنا مشتركة فيها واللي هو مشترك فيها، على سبيل الدعابة، بس الأمر حقيقي فعلًا؛ الرجالة معندهمش الدعم اللي ممكن نلاقيه في الأزمات النفسية.. على الأغلب الرجالة بيخافوا يظهروا نقاط ضعفهم، في حياتهم العادية اعتادوا ده وفي مواقع التواصل برضه”.

الرجال في المجتمعات الشرقية لا تتحدث عن العنف الواقع عليهم خوفًا من انتقاص الهيبة والوصم بعدم الرجولة (الصورة: أرشيفية)

لماذا لا يبكي الرجال؟

تفسر سارة عبد الحميد، استشاري الطب النفسي بمستشفيات جامعة عين شمس، عدم لجوء الرجال لمجموعات التواصل للدعم والمشاركة الوجدانية، باعتباره حالة عامة تعود إلى نمط التربية. 

فالرجل في المجتمعات الشرقية، كما توضح الدكتورة سارة، يعامل في طفولته باعتباره آلة، فيزرع فيه أنه لا يتألم، وعليه التحمل، ولا يبكي لأنه لا يبكي سوى النساء.. حتى والدته تعلمه هذا في بعض الأحيان.

“الرجال ما تبكيش.. مالنا احنا والملاطم الجماعية”؛ يقول الشاب الصعيدى القادم من جنوب مصر للعمل في القاهرة، وهو أحد هؤلاء الذين يصرون على أنهم لم يجربوا البكاء حتى في أشد الأوقات صعوبة وحزنًا، حتى أنه لم يبك أباه إلا ببعض الدموع وحيدًا بعد أسبوعين من وفاته. 

“ما كنش ينفع أبكي وأنا في العزا في سوهاج، ولا حتى قصاد أخواتي.. ما ينفعش اتهز قصادهم”؛ يقول ماهر البالغ من العمر 38 عامًا، والذي فكر وقتها في اللجوء إلى إحدى المجموعات النفسية على “فيسبوك”، لكنه تراجع. “كنت هبان ضعيف، ثم أن الناس مش هتساعد.. الفضفضة هي ما ينقصنا، لكن النصائح لا جدوى منها”. 

تقول الدكتورة سارة، في حديثها لـ “فكر تاني”، إن وجود مجموعات تشبه “الجيتو” للرجال عبر “فيسبوك”، لا يعني أنها تشبه مجموعات النساء للدعم النفسي؛ مجموعات الرجال هي ساحة للمصارعة أيهم أكثر فحولة، أيهم أكثر سيطرة على بيته وزوجته. نادرًا ما توجد أصوات عاقلة”. 

وهي تنصح الرجال الذين يعانون مشكلات نفسية بالمجموعات النفسية المشتركة؛ ذلك لأنها تخلو بشكل ما من الطفح الذكوري، ربما لتواجد الأنثى في الأجواء، حيث يحاول الذكر إثارة إعجابها بإظهار تعاطفه ومشاعره وآرائه المتفتحة ربما، في حين كلما انغلقت المجموعة على الرجال فقط، كلما كان الأمر أكثر سوءًا، على حد قولها. 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة