حد شاف الفلاحين.. “عواد” يستبدل حماره بالتوكتوك ويغادر الزرعة طمّعًا في الشهرة

حينما يكره أبناء الريف الزراعة ويحلمون برداء صلاح والنني

يبحث علي الرفاعي، المزارع الخمسيني، عن عمالة تساعده في جمع محصولي الأرز والذرة بقريته في الغربية منذ أيام بلا جدوى. اندثرت العمالة اليومية الزراعية في الريف المصري الذي تغيرت سماته. 

ضربت الريف مظاهر المدنية، فأصبح لا يختلف عن المدينة في شيء. تزايد انتشار مركبات التوكتوك بالقرى بشكل ملحوظ على مدار السنوات الخمس الأخيرة، فمرت الزراعة المصرية بأيام عجاف، ملامحها غياب عمال التراحيل والزراعة، بعدما وفرت تلك المركبات موارد رزق بمجهود أقل لفئة عريضة من السكان، وباتت مشروعًا استثماريًا مربحًا لأصحاب الفئة الأعلى من الدخل؛ يشتري الواحد منهم عدة مركبات ليعمل عليها أفراد مقابل تقاسم العائد.

اقرأ أيضًا: القطن لا يتكلم مصري!

يقول “الرفاعي”، المزارع الذي هجر أولاده الزراعة لصالح العمل في مهن أخرى أهمها التدريس: “عندي فدان أرز رقد (عدم استقامة عود النبات وسقوطه على الأرض)، وماكينة الضم مش هتعرف تضمه، لا حيلة لي سوى الاستعانة ببعض عمال الضم.. بدور عليهم مش لاقيهم”.

في الوقت الذي لا يجد فيه المزارع المسن الذي تلون وجهه بلون الأرض من يساعده، تتراص مركبات التوكتوك بمدخل القرية تنتظر الزبائن. سائقوها بمستويات عمرية صغيرة السن. البعض يرتدي ملابس شبابية ممزقة من الركبة والأرجل، مع قصات شعر “مودرن” لم يعرفها الريف سابقًا، والبعض الآخر بجلابيب تقليدية، تظهر أياديهم المثبتة على أذرعة تحكم المركبات نشاطًا سابق وطويل بالزراعة، بشقوق واضحة لا تزال آثار عزق الأرض عليها.

في يومي الأحد والخميس، لا يتكرر هذا المشهد؛ فنادرًا ما تجد مركبة في الموقف؛ فهما يومي انعقاد السوق في القرية. مع دقة الساعة السادسة صباحًا تتسابق مركبات التوكتوك في شوارع القرية جلبًا أو توصيلًا للسيدات اللائي يتسوقن احتياجاتهن من الخضروات والفاكهة.

أرقام عن التوكتوك في الريف

لا توجد إحصائيات حديثة بعدد مركبات التوكتوك في المحافظات، لكن الأرقام الرسمية التي تعود لعام 2018 تظهر أن المحافظات الريفية هي الأعلى في انتشار المركبات. وتسجل محافظة الدقهلية المركز الأول بـ 96 ألف مركبة تم ترخيص 22 ألفًا منها، تليها محافظة المنيا التي تضم 60 ألف مركبة تم ترخيص 11 ألفًا منها، ثم محافظة سوهاج بـ 46820 مركبة توك توك، تم ترخيص 20464 منها.

محمود أبو العلا، كان يعمل في شتل محصول الأرز وزراعة الذرة وحصاد محاصيل الفاكهة مقابل أجرة يومية يتم تحديدها، يقف الآن في انتظار الزبائن بمركبته التي ثبت فيها مشغل موسيقى ضخم بسماعات عريضة تدوي في شوارع القرية بأغاني المهرجانات، بعدما هجر مهنة “كسر الظهر”، حسب قوله.  

كان الشاب الذي يقف على أعتاب الأربعين يحصّل 35 جنيهًا يوميًا مقابل زراعة قيراط الذرة، وهو نشاط متعب يتطلب الإمساك بمعول صغير “فأس صغيرة” لشق حفرة صغيرة يضع فيها حبتين من الذرة ويدوس عليها بقدمه ليخفيها عن الطيور، بينما تزيد الأجرة إلى 40 جنيهًا في قيراط الأرز الذي يحتاج إلى مجهود أكبر في خلع عيدان الأرز من المشاتل وتوزيعها على باقي رقعة الأرض، ثم تقسيمها إلى خصيلات. وكل ذلك في المياه والطين.

كان “أبو العلا” يملك قيراطين فقط؛ حصته من ميراث والداه، يعتبرهما لا يصلحان للزراعة ولا يملك توسيع رقعتهما عبر شراء حصص أخوته، فقرر بيعهما وشراء مركبة توكتوك يعمل عليها مع ابنه صاحب الـ12 عامًا. يعتبر ذلك القرار “نقلة” العمر التي أراحته من التعب.

يقول “أبو العلا”: “القيراطين ما ينفعوش يزرعوا حاجة، حتى لو حبيت أزرعهم خضار محتاجين مصدر مياه، وتمر من أرض الجار. ما لقتش حل غير إني أبيعهم واشتغل على توكتوك، والحمد لله ربنا كرمني والعيشة بقت فل”.

تفتيت الملكية في الريف.. أزمة مستمرة

تفتت الملكية الزراعية المصرية على مدار السنوات السبعين الماضية، بعد تفاقم أزمة التعدي على الأراضي. ذلك لأسباب عديدة، من بينها عدم القدرة على تطبيق نظام الدورة الزراعية، وتراجع إنتاجية المحاصيل الزراعية، وزيادة الهدر الكبير من مياه الري، وتراجع كفاءة التربة.

وبحسب تقرير الإدارة المركزية لحماية الأراضي بوزارة الزراعة للفترة من أوائل 2011 إلى أواخر 2017، فإن مخالفات التعديات منذ ثورة يناير تجاوزت ما يقرب من مليون و800 ألف حالة على مساحة من الأراضى بلغت 80 ألف و5 أفدنة، وهي حصيلة مبدئية.

تقرير الإدارة المركزية لحماية الأراضي بوزارة الزراعة عن التعديات في الفترة من أوائل 2011 إلى أواخر 2017

يضيف أبو العلا: “التوكتوك أحسن من الأرض. بلا تعب وبهدلة في الحر.. الأرض في النهاية بتخسر مش بتجيب فلوس.. زرعة كاملة تدوخ فيها أربعة شهور عشان يكون مكسبك الصافي ألف جنيه، دلوقتي أنا بجبهم في 10 أيام، وأنا لابس هدمة نضيفة ومشغل أغاني، وبتفسح في الشوارع”.

الأجيال الجديدة لا تؤمن بـ”عار بيع الأرض”

لا يتمسك بالزراعة، حاليًا، سوى الأجيال الكبيرة في السن التي تقترب من الخمسينيات والستينيات. وهو جيل لا يزال يرى في بيع الأرض معرة، ويتذكر مقولة “عواد باع أرضه”. لكن الأجيال الأصغر سنًا، فلديها حلم آخر بعيد عن التراب والطين والخضرة، يستهويها لون البحر الأزرق حتى لو كان فيه الهلاك، والسفر أو المهن السريعة ذات العائد الأعلى. لقد تغيرت ملامح القرية المنتجة بمصر، وهي الآن تعاني ندرة في منتجات كانت قديمًا متوفرة و”برخص التراب”.

منتجات الألبان، على سبيل المثال كالجبن القريش والقديم وحتى اللبن السائب، اختفت وأصبح سعرها في أي قرية لا يقل عن 25 جنيهًا مثل المدينة، حيث أصبح الاعتماد على المنتجات المعلبة كما في الأحياء الحضرية تمامًا. إذ أن غياب الزراعة يعني ندرة أكبر في الماشية.

في قرى زفتى بالغربية، يشكو الجميع ارتفاع سعر اللبن المعبأ، لكنهم في الوقت ذاته يرفضون العودة لتربية الماشية؛ فهي كما يقول وليد الجوهاري: “مشروع فاشل ومخاطره كتير، وعايز رأسمال وحد عنده أرض كبيرة. فالجاموسة الحلوب وصل ثمنها لـ 100 ألف جنيه، وتحتاج أسبوعيًا أكل مش أقل من 400 جنيه.. مين اللي يقدر يصرف عليها”.

اقرأ أيضًا: الهجرة إلى القاهرة من بيتي

التكاليف تضرب تربية الماشية

رغم ارتفاع أسعار اللحوم، يشكو مربو الماشية الخسائر في ظل ارتفاع أعباء الأعلاف. طن الردة “نخالة القمح” مثلًا يصل حاليًا إلى سعر 9500 جنيه للطن، وهو غذاء منخفض القيمة يصيب البهائم بالضعف، الذرة أفضل منه، لكنه يسجل 14550 جنيهًا للطن تسليم أرض المصنع، وهكذا التبن والبرسيم وغيرهما من مواد تدخل في تربية الماشية بشكل أساسي.

يقول الجوهاري: “بعت دهب مراتي كله من 3 سنين.. كان حوالي 50 جرام.. ووضعته في مشروع لتربية العجول، مات منها شوية بسبب الحمى القلعية، والباقي بعتها بثمن ما اشتريته وخسرت تكاليف التربية.. لو كنت سبت الدهب لدلوقتي وبعته كان زماني من الأغنياء”.

زوجة الجوهاري نفسها كانت ترفض تربية الماشية واشترطت عليه أن يكون المشروع “تسمين” عجول وليس أبقار حلابة، لأنها لن تستطيع أن تساعده، وأسرتها في الأصل لم تكن تزاول الزراعة. هذا حال الكثير في الريف حاليًا مع وجود عائلات لم تمس أياديها ولو لمرة في حياتها أعواد النباتات سواء غرسًا أو حصادًا.

جرافيتي للنجم محمد صلاح لاعب ليفربول الإنجليزي على المدرسة التي تخرج منها في مدينة بسيون. (للرسام خالد عبدالمنصف السعداوي)

النني وصلاح.. تطلعات أبناء الريف

قطاع من المزارعين حاليًا لديه مشروعات أخرى لأبنائه؛ كإقحامهم في المجالات الرياضية. في الغربية تمثل تجربتي محمد النني المولود في المحلة الكبرى ومحمد صلاح المولود في بسيون والمحترفان في الدوري الإنجليزي مصدر إلهام للعديد من أبناء قرى المحافظة.

محمد سليمان، كان أحد هؤلاء؛ باع مساحته المحدودة من الأرض وانتقل إلى القاهرة بحثًا لابنه عن فرصة للانضمام لأشبال الأندية القاهرية، وتحول سليمان من مزارع يملك رقعة محدودة إلى حارس أمن في عقار تم إنشاؤه وفي مرحلة التشطيبات النهائية. 

يقول سليمان: “الصبح مع الواد في التدريب، وبالليل أحرس الزلط والإسمنت والسيراميك عشان ما يتسرقوش، والمقاول قالي إن البرج لما يكمل هيشغنلي بواب فيه.. المرتب اللي باخده 3800 جنيه، وبوفر بعض المصالح للسكان اللي عايزين يشطبوا شققهم، بتبس كويس”.

تنامي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وارتفاع مستوى التعليم أثار ثورة تطلعات لدى شباب الريف حاليًا. الكل يبحث عن فرص أفضل للمكسب، خاصة في ظل قناعات بأن الفئة الأقل تقديرًا في المجتمع هم المزارعين. إلى الآن تبقى السبة لأي شخص يفتقر الذوق العام وصفه بـأنه “فلاح”.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة