آلاء.. ضحية كائن يتغذى “في الضلمة” على أجساد النساء

بعد يوم عمل طويل، لم تكن آلاء العطار تفكر سوى في منزلها. 

“حمام ساخن يساعدني على الاسترخاء ووجبة طيبة من ايد ماما وشوية هدوء يخلوني أعرف أكمل يوم تاني”.

كانت تحدث نفسها طوال الطريق بما ينتظرها من راحة حتى وصلت أخيرًا.

على باب المصعد، صاح حارس العقار: “النور قاطع يا أستاذة.. بيخففوا الأحمال”.

قرار تخفيف الأحمال تطبقه الحكومة علينا منذ 31 يوليو الماضي. يقولون إن الأزمة في “المازوت” المشغل لمحطات الكهرباء، بينما يدعي آخرون أنها أزمة الدولار.

“لا مهرب الآن من صعود درجات الأدوار الـ 13 كلها”؛ همست آلاء لنفسها وهي تنظر إلى حارس العقار الذي أدار ظهره عائدًا إلى كرسيه. 

تسكن آلاء في الطابق الثالث عشر، بشقة اشترتها أسرتها في العام 1994، لم يبق فيها الآن سوى والدتها، بينما غادرها شقيقها إلى مسكن آخر، وانتقل والدها إلى الرفيق الأعلى قبل عامين.

بمشقة بدأت آلاء رحلتها إلى طابقها الثالث عشر، عدًا لإدراجه: “واحد، اتنين، تلاتة،…”. 

كانت تعد الدرجات كمن يحسب لنفسه ما تبقى حتى بلوغ عنان السماء. لكنها سماء تخفي لها الرعب ما بين الطابق الأول والثاني.

ما إن تجاوزت آلاء الطابق الأول وكادت أن تصل إلى الطابق الثاني، حتى فاجأتها يد بدت كأنها لكائن تقوده غريزة الغاب.

هنا البقاء لمن يقتنص أي شيء “في الضلمة”.. هذه الكائنات تخشى أي نور يفضحها.

خرج عليها شاب معتديًا متحرشًا بجسدها، مستغلًا انقطاع الكهرباء وغياب الشهود  عن مسرح جريمته. 

تروي “آلاء” عن صدمتها في فيديو نشرته عبر حسابها الشخصي على “إنستجرام“، بشجاعة تفضح كائن الليل المتخفي وراء ستار “تخفيف الأحمال”: “اتحرش بيا جنسيًا.. وأتمني ما حدش يسألني هو عمل إيه أو إيه التفاصيل.. هو جاري.. أنا صوت وجريت وراه وكلمت النجدة وكلمت أهلي وأصحابي”.

واقعة آلاء سُجلت في شهر يوليو الماضي، تزامنًا مع بدء تطبيق قرار تخفيف الأحمال ساعة أو ساعتين في اليوم.

لم تستطع آلاء الصعود إلى شقتها بعد الواقعة مباشرة، جلست إلى جوار حارس العقار في انتظار شخص أو شرطة تحقق لها أمنيتها الوحيدة الآن: “عايزة حقي!”. 

“وأنا قاعدة جنب حارس العمارة مستنية النجدة لاقيت الولد داخل وجاي يقولي أنا أسف مكنتش أقصد وبعدين طلع بيته لما انهرت في وشه”.

بعد نصف ساعة من الانهيار والانتظار، جاءت النجدة. 

“المفاجأة كانت في حضور والدة الولد المتهم بالتحرش.. نزلت وقالت للشرطة أنا فلانة مرات العقيد الفلاني بنت اللواء فلان الفلاني، وبعد ما عرفتهم بنفسها لفت وشها ليا وشتمتني بأقذر الألفاظ، وقالت ليا: أنا أبني وقع على السلم وأنت اتحرشتي بيه”.

تحكي آلاء في المقطع الذي نشرته عبر حسابها على “إنستجرام”، حيث أكدت أنها تعرضت للتهديد من والد ووالدة الشاب المتهم بالتحرش بها. “هددني قدام الناس كلها بأنه هيهد البيت عليا وعلى عيلتي”.

تحركت آلاء إلى قسم الشرطة لتحرير محضر.

“روحنا القسم عملنا المحضر وثاني يوم في النيابة طلبت حماية لأني مش ضامنة الناس دي تعمل فيا أنا وأمي ايه.. إحنا عايشين لوحدنا، بتوع النيابة قالوا ليا.. طالما في قضية ما يقدرش يعمل ليكي حاجة”.

حديث رجال النيابة لم يطمئن آلاء كثيرًا، لذا قررت أن تبتعد عن البيت حتى تهدأ نفسيًا وتبتعد عن الاحتكاك بالولد وأسرته. 

“ما قعدتش في البيت من ساعة اللي حصل،  لكنهم أهانوا أمي وضربوها”.

لم تمر أيام على واقعة التحرش الجنسي بآلاء، حتى تعرضت والدتها لاعتداء جسدي. 

تقول آلاء: “في الأول والدة الولد شافت أمي في مدخل العمارة، قامت شتمتها وأهانتها، فأمي قررت تعمل محضر وتبعد هي كمان عن البيت، ولما أمي احتاجت علاجها خذت أخويا وراحوا الشقة يجيبوا الدواء، فقابلهم أبو الولد اللي ضرب أمي وخنقها.. أيده لسه معلمة على رقبتها”.

قصة آلاء لم تنته هنا. حررت والدتها محضر آخر بعد الاعتداء عليها من قبل والد المتهم، واستخرجت تقريرًا طبيًا لإثبات محاولته خنقها.

تقول آلاء: “بقالنا شهرين أنا وأمي بره بيتنا.. مش عارفين نعيش.. مش مطمنين، ولحد دلوقتي النيابة ما خدتش خطوة جديدة، الموضوع بيموت.. آخر حاجة طلبوا أقوالي تاني لأن الولد وأسرته غيروا أقولهم.. جابوا شهود مكنوش أصلا موجودين وبيكدبوا بأقوال محصلتش”.

قصة آلاء لاقت تفاعلًا كبيرًا على السوشيال ميديا من متضامنين، طالبوا بحقها تحت هاشتاج #حق_آلاء_العطار. 

هاشتاج ربما رأيناه عشرات المرات السابقة بتغيير في الاسم فقط، إذ أن آلاء لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة في وقائع العنف ضد المرأة، التي تزداد وتيرتها في مصر.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة