في “الفجالة”.. حتى حقيبة المدرسة القديمة مطالبة بتحمل الأسعار

“فجأة، اكتشفت أنني صرفت كل ما معي من مال على مستلزمات مدرسية لأطفالي الصغار الذين لا يتعدى أكبرهم 15 سنة.. ولم أستكمل المطلوب بعد.. على الحقيبة القديمة تحمل أزمة الأسعار معنا”.

فاطمة، أم لثلاثة أبناء، تسكن منطقة الزاوية الحمراء في محافظة القاهرة، التقتها منصة “فكر تاني” أثناء رحلة معاناتها لتدبير بعض الأدوات المدرسية من شارع الفجالة بوسط القاهرة.

هذا الشارع الشهير يقصده المصريون دومًا لشراء المستلزمات المدرسية، حيث تكون الأسعار إلى حد ما أقل بجنيهات معدودة عن مثيلاتها في المكتبات وأماكن البيع الأخرى.

مشوار الفجالة

لخوض “مشوار الفجالة” تستقل “فاطمة” الأتوبيس العام الذي شهدت تعريفة تذكرته زيادات متتالية أوصلتها إلى 7.5 جنيه للرحلة الواحدة. تقول: “مشوار الفجالة سنوي أخوضه في أوائل سبتمبر من كل عام.. رحلة مرعبة اكتشف كل عام أنها تزداد صعوبة وعبئًا”.

ترتبط المواد والمستلزمات المدرسية في مصر دومًا بتحركات سعر الدولار في مقابل الجنيه، ذلك لأنها منتجات أغلبها مستورد. وبالتالي، فإنها شهدت هذا العام ارتفاعًا جديدًا وصل إلى 10% عن العام الماضي، وفق تصريحات أحمد أبوجبل رئيس شعبة الأدوات المكتبية بغرفة القاهرة التجارية، وإن كان هذا الارتفاع يتحرك في الأسواق صعودًا إلى ما نسبته 50%، ويتعلل التجار دومًا بانهيار الجنيه مقابل النقد الأجنبي.

وقد خفضت مصر سعر صرف الجنيه، منذ مارس 2022، ثلاث مرات؛ من متوسط 15.7 جنيه أمام الدولار الواحد، ليستقر حاليًا عند 30.9 جنيه كسعر رسمي.

على الحقيبة أن تتحمل مثلنا

تقول “فاطمة”: “اشتريت اليوم شنطة دراسية لابنتي بعد أن تهالكت شنطتها مع نهاية العام الماضي.. سعر الشنطة المناسبة لعمرها زاد الضعف عن العام الماضي؛ كان ثمنها 200 جنيه، الآن ومن نفس التاجر أصبح ثمنها يزيد عن 400 جنيه، رغم أنها صناعة محلية وليست مستوردة”.

لن تتمكن “فاطمة” من تدبير حقيبة مدرسية أخرى لابنتها الثانية. قررت أن حقيبتها بحالة مناسبة نسبيًا، على الحقيبة أن تتحمل هي الأخرى هذا العام. فالأسعار نار.

“فاطمة” لديها من الأبناء طفلتين في مرحلة التعليم الأساسي (الابتدائية) وطفل في رياض أطفال، من المقرر أن يبدأ عامهم الدراسي و23 مليون طالب غيرهم في 30 سبتمبر الجاري، ولمدة 35 أسبوعًا، وفق ما أعلنه وزير التربية والتعليم رضا حجازي.

أزمة المصروفات

“وصلت إلى سن السابعة والثلاثين، ولم أحصل على وظيفة مناسبة بمؤهلي كخريجة وثائق ومكتبات، فعملت موظفة إدارية في إحدى الشركات براتب 3500 جنيه. زوجي أيضًا يعمل موظفًا إداريًا بالإدارة التعليمية براتب لا يتجاوز 3300 جنيه.. هذا الوضع طبيعي في الظروف الحالية”.

“فاطمة” التي كشفت لمنصتنا عن دخل أسرتها الشهري، عددت قائمة مصروفاتهم، فقالت: “نسكن في شقة إيجار قديم قيمته 500 جنيه شهريًا، وندفع فاتورة الكهرباء شهريًا قرابة 300 جنيه، وفاتورة غاز تصل إلى 150 جنيهًا، وفاتورة مياه حوالي 200 جنيه، فضلًا عن فاتورة التليفون الأرضي والإنترنت والتي تصل إلى قرابة 200 جنيه. هذا كله بالإضافة إلى فاتورة شحن الموبايل الذي يبلغ 150 جنيهًا على أقل تقدير. هل هذا معقول أن تكون المتطلبات الأساسية للحياة العادية 1500 جنيه من أصل 6800 جنيه. كم يتبقى لنا من أجل مجابهة باقي ضروريات الحياة من مأكل ومشرب وملبس وعلاج وتعليم مناسب لأطفالنا”.

أحد أطفال “فاطمة” يعاني السكري الوراثي، الأمر الذي يعني أن الأسرة مكبلة بتوفير جزء ثابت من دخلها سيصرف بشكل شهري على علاج الطفل الصغير، الذي تحتاج حالته الصحية لأدوية دورية وطعام بطبيعة خاصة.

وضع المستهلك المصري

ارتفعت أسعار المواد الغذائية في مصر بنسبة 71.9% في أغسطس الماضي، مقارنة بنفس الشهر من العام السابق. كما ازدادت أسعار النقل بنسبة 15.2% وأسعار الملابس بنسبة 23.6%، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

وزادت أيضًا أسعار مجموعة الرعاية الصحية بنسبة 22.8%، وأسعار الأثاث والتجهيزات والمعدات المنزلية بنسبة 42%، وأسعار المساكن والمياه والكهرباء بنسبة 7.2%.

وبناءً على هذه الأرقام، وصل معدل التضخم السنوي في مصر إلى 39.7% خلال الشهر الماضي، وهو مستوى قياسي، يعبر عن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعانيها البلاد.

تصف “فاطمة” ما رأته في السوق من أسعار للأدوات المكتبية بـ”الجنون”؛ إذ تبدأ أسعار دستة الكشكول (10 كشاكيل)، وسعر دستة الكراس (20 كراسة) من 65 جنيهًا وتصل إلى 60 و150 جنيهًا في فئات أخرى، والأقلام العادية والرصاص من 10 جنيهات للقلم الواحد.

“تنتظرني أيضًا كتب مدرسية للطفلتين ستصل إلى ما يقرب 700 جنيه على أقل تقدير، وكتب خارجية يصل سعر الكتاب الواحد منها حسب المادة إلى 130 جنيهًا بينما يتعدى بعضها 250 جنيه للكتاب. هذه قرابة 1700 جنيه أخرى للبنتين”.

وتصل المصروفات المدرسية المطلوبة لكل طفل إلى 350 جنيهًا في المدارس الحكومية بمصر، فضلًا عن الزى المدرسي الذي يصل للطفل الواحد إلى مبلغ 1000 جنيه، والأحذية المدرسية التي قد تصل إلى 500 جنيه للطفلتين، وذلك دون حساب أسعار اللانش بوكس وزجاجات المياه، التي تصل إلى 200 جنيه للطفل الواحد تقريبًا.

في أغسطس الماضي، سجّلت أسعار المستهلك في مصر أعلى مستوى لها على مدى أربعة عقود على الأقل، وفقًا لسجلات الأسعار المنشورة على موقع الإحصاء المصري.

يعزى هذا الارتفاع الكبير في الأسعار إلى التضخم الزائد الذي شهدته مصر في الأشهر الأخيرة، والذي ترافق مع تراجع قيمة الجنيه المصري بنسبة تقريبية 50%.

ولا تزال الأسواق المحلية تعاني من تأثير انخفاض قيمة الجنيه مقابل الدولار الذي بدأ منذ العام الماضي، مما أدى إلى زيادة أسعار السلع المستوردة وارتفاع تكلفة الإنتاج المحلي.

السوق راكد

هذه المعاناة يؤكدها “سعيد” تاجر أدوات مدرسية في منطقة الفجالة، يشتكي ضعف إقبال أولياء الأمور على شراء الأدوات المكتبية مقارنة بالعام الماضي.

يقول: “كثير من التجار اضطروا إلى إنهاء أعمالهم بسبب الزيادة المهولة في الأسعار، بينما غير آخرون نشاطهم.. كذلك انخفضت الكميات بنسبة 60% عن العام الماضي، وكل ما نحن فيه من أزمة سببها زيادة أسعار المواد الخام ومنتجات الاستيراد وانهيار الجنيه”.

أزمة الإنفاق الحكومي

ويرى الخبير التربوي الدكتور كمال مغيث أن تأثيرات زيادات الأسعار المتتالية على المواد المستخدمة في العملية التعليمية فى مصر قد تصل إلى أبعاد مختلفة، أهمها تفاقم مشكلة التسرب من التعليم.

يضيف مغيث، وهو باحث تربوي مصري في المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية، أن الحكومة لا تلتزم بما نص عليه الدستور المصري في المادة (19) من تحديد 4% من إجمالي الناتج المحلي للتعليم، ما يصل فعلياً هو أقل من نصف هذه النسبة.

ويتحدث “مغيث” لمنصة “فكر تاني”، عما تفرضه الدولة مؤخرًا من مصروفات على التعليم الحكومي الذي ظل مجانيًا لفترة طويلة ومنذ العام 1961، الأمر الذي تحول في عهد الوزير طارق شوقي بإقرار مصروفات على مدارس بناها الناس بأموالهم، على حد قوله.

وقد حذر تقرير البنك الدولي العام الماضي من تدهور الإنفاق العام على التعليم في مصر، مما أسفر عن نقص في عدد المعلمين والفصول الدراسية، وضغط كبير على التعليم العام في البلاد. وأشار التقرير إلى نقص في عدد المعلمين في المدارس الحكومية بسبب تجميد التعيينات، في حين ازداد عدد طلاب المدارس الابتدائية.

ووفقًا للتقرير، تمثل نسبة الإنفاق على التعليم 26.8% من إجمالي الإنفاق العام البالغ 2.1 تريليون جنيه في العام المالي الحالي، مع زيادة تقدر بحوالي 22.8% مقارنة بالعام المالي السابق. وركزت الحكومة بشكل رئيسي على تعويض نقص المعلمين وإنشاء المزيد من الفصول الدراسية وتطوير البنية التحتية المدرسية هذا العام.

كما تم تخصيص 4.5 مليار جنيه لبناء 25 ألف فصل دراسي، وهذا يمثل زيادة بنسبة 40% عن الاستثمارات في الفصول الدراسية في العام المالي السابق. كما سيتم إنفاق 1.8 مليار جنيه إضافية لمعالجة أزمة نقص المعلمين.

وأشار التقرير إلى أن تخصيص الأموال في ميزانية التعليم يعتمد بشكل كبير على ما تم إنفاقه في السنوات الثلاث الماضية، مما يجعل التمويل غير فعّال، حيث لا يتم اعتبار عدد الطلاب والمعلمين المطلوبين والتقدم في استراتيجيات التعليم. وهذا يجعل من الصعب جدًا تحقيق توافق بين أولويات التعليم الوطني والموارد المتاحة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة