الحق المفقود بين “لازم” و”المفروض”

من وجهة نظري الشخصية هناك علاقة وطيدة وآثمة بين كلمة “لازم” وبين عدد من المشكلات والعقد النفسية التي نمر بها نحن النساء، فبالتأكيد لم نخرج من أرحام أمهاتنا مشخّصين كمرضى اكتئاب أو قلق، أو مصابين باضطراب النوم مثلًا – وإن كنا نقر بحقيقة وجود أمراض عقلية ونفسية تُنقل بالوراثة – إلا أنه لا يخفى على أحد أن النشأة والبيئة والمجتمع هم حجر الأساس الذي بنى عليه الأطباء النفسيين ثروتهم.

لم يكتفِ الناس بأن الحياة تصبح أكثر صعوبة يومًا بعد يوم، بل وكأنهم لن يرضوا عنك حتى تتبع ملّتهم، أي لن ينعموا بالسعادة ولن يهدأ لهم بال حتى تكون مثلهم وتسير على أهوائهم، وفق النظم والأطر التي يضعونها بأنفسهم لتصبح حياتهم وحياتك أكثر تعقيدًا، وتظل طوال حياتك تركض محاولًا تحقيق الهدف الذي وضعه لك المجتمع وليس هدفك أنت.

كلمة “لازم” – التي تعني في المعجم “واجب أو أساسي أو ضروري”- هي أحد أشهر وأقوى الحبال التي يقيدنا بها المجتمع، في خيمة الأعراف والتقاليد والثوابت التي لا يقبلون أن نفر منها، ولا يُقبل الحديث عن جدواها أو المساس بها، فهي الكلمة التي دائمًا تسبق المعيار والمقياس الذي سيقبلون وجودك بينهم على أساسه، أما إذا لم يكن هذا ما تريده أنت لنفسك فلتتحمل تبعات خروجك عن “الملة”.

لو لم توجد مثلًا كلمة “لازم تخسي/ تتخني” التي كُتب علينا أن نسمعها منذ الصغر وكأنه كتب علينا القتال، أعتقد هذا وحده كان سينشيء أجيالًا من النساء الجميلات القويات الواثقات بأنفسهن، كنا سنشعر دائمًا بالرضا ولم يكن ليؤرقنا الـ”body shaming”، لم نكن لنشعر بجلد الذات أو المعاناة مع الأطباء والأنظمة الغذاية واضطرابات الطعام، أو نضطر لبيع ما نملك مقابل عمليات التجميل، لم نكن لنعيش عذابات على مر السنين بسبب عبارات تنمّر أو وَصم أو نظرات تهكم، لأنه وببساطة لن يكون لمصطلح “معايير الجمال” وجودًا، جميعنا سنكون جميلات حينها.

ولماذا “لازم البنت تتجوز في سن العشرين” ؟! هل تلاحظون ارتفاع معدلات الطلاق؟ بحسب أرقام مركز التعبئة والإحصاء فزيادة نسبة الطلاق كانت واضحة هذا العام بين الشباب في الفئة العمرية من 25 إلى 35 عامًا بنسبة 19.8%! ما هو حجم الوعي المتوقع أن تكون عليه الفتاة في مثل هذه السن؟ الوعي الذي يستلزمه هذا العَقد يفوق أحلام فتاة صغيرة تخرجت حديثًا ولم تخض معارك حياتها بعد، ماذا إن كانت لديها طموحات أخرى؟ تريد السعي في سفر أو الكفاح في عمل! ماذا لو لم تكن رغبتها أن تكون زوجة وتتحمل أعباء المنزل أو ترتبط برجل في هذا الوقت؟ إن التأنّي والتفكير مليًا في اختيار شريك الحياة هو أساس العلاقة الزوجية الناجحة، والتي لن تكون أبدًا إذا لاحقتنا عبارة “لازم تتجوزي قبل ما القطر يفوتك”.

ناهيك عن “لازم تخلّفي”، لابد أن تنجبي أطفالًا لأن عددنا على كوكب الأرض لن يكتمل إلا بالإنجاب، حتى تقوم الساعة أو يتسع ثقب الأوزون ليلتهمنا جميعًا! لماذا نلزم المتزوجين بالإنجاب حتى وإن لم يرغبوا في ذلك وإلا لاحقتهم لعنات الأهل ونميمة المجتمع؟! الكثير من النساء لا يردن أطفالًا، لا طاقة لهن بهم ببساطة، أو لا يرَين في أنفسهن القدرة على تحمل مسؤولية أرواح أخرى، أو يرَين أنه من غير العادل جلب مزيد من الأرواح لتذوق الشقاء في هذا الكوكب الظالم أهلُه، أو يتلهفن لتبني أطفال حُرموا من الرعاية بهدف إنقاذهم من الشقاء والتعاسة، فلماذا تُهاجم من تقول “أنا لا إنجابية” هجوم المبعوث بدين جديد؟!

الخلاصة؛ أن اللازم والواجب والضروري والمفروض يخضع لمعايير تختلف من مكان لآخر ومن ثقافة لأخرى ومن زمن لزمن ومن دين لدين، إن كان اللازم واحد لرأينا الناس جميعًا يدخلونه أفواجًا، ولكن الاختلاف هو سنّة الحياة وأساسها، فحتى إن اعتبرت اللازم – من وجهة نظرك – قاعدة فلكل قاعدة شواذ، ودون شواذ القاعدة لانهارت وفقدت قيمتها، فاتّبع ما تراه مناسبًا لك، اتّبع ما تراه “لازمًا” من وجهة نظرك أنت، ودَع المختلف يتّبع “لازمه” ليحافظ على توازن الحياة وتنوعها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة